تواجه أوروبا تحوّلًا جذريًا في البيئة الدولية، حيث تتراجع هيمنة النظام القائم على القواعد لصالح عودة صريحة لسياسات القوة وتنافس القوى العظمى. ويعكس هذا التحول، بحسب رؤية ألمانية حديثة، نهاية مرحلة ما بعد الحرب الباردة وبداية حقبة أكثر صرامة تتسم بصراعات النفوذ وإعادة رسم موازين القوى.
عالم يتغير بسرعة
الحرب الروسية على أوكرانيا تمثل أبرز تجليات هذا التحول، في وقت تسعى فيه الصين إلى ترسيخ مكانتها كقوة عظمى موازية للولايات المتحدة عبر بناء شبكات نفوذ اقتصادي وتكنولوجي ممتدة. أما الولايات المتحدة، فتُعيد تقييم دورها العالمي واستراتيجيتها للأمن القومي بما يعكس إدراكًا متزايدًا لطبيعة التنافس الجديد.
هذا المشهد لا يقتصر على صراع القوى الكبرى، بل يرتبط أيضًا باضطرابات داخل المجتمعات الديمقراطية، حيث تؤدي التحولات التكنولوجية والاقتصادية إلى توترات اجتماعية تدفع بعض الفئات إلى تفضيل نماذج قيادة أكثر حزمًا.
تحوّل في التفكير الألماني
في هذا السياق، ترى برلين أن عليها الاعتراف بالواقع الجديد دون الاستسلام له. فالسياسة الخارجية والأمنية الألمانية تُعيد ترتيب أولوياتها حول ثلاث ركائز: الحرية، والأمن، والقوة الاقتصادية.
وتؤكد ألمانيا أن حماية الحرية تتطلب قدرات حقيقية، لا مجرد مواقف معيارية. فبينما لطالما اعتمدت برلين على خطاب دبلوماسي يدين انتهاكات النظام الدولي، فإن المرحلة الراهنة تستدعي سد الفجوة بين الطموح والقدرة.
تعزيز الدور الأوروبي في حلف شمال الأطلسي
أحد أبرز محاور التحول يتمثل في تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية داخل الناتو. ففي قمة الحلف في لاهاي عام 2025، التزم الأعضاء بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد عدّلت ألمانيا دستورها لتمكين هذا الالتزام، مع خطط لإنفاق مئات المليارات من اليورو على تحديث جيشها.
كما تعمل برلين على دعم الجناح الشرقي للحلف، بما في ذلك نشر لواء في ليتوانيا، وتعزيز الردع في منطقة القطب الشمالي.
دعم أوكرانيا وإحياء الصناعة الدفاعية
قدّمت ألمانيا، إلى جانب شركائها الأوروبيين وكندا، دعمًا ماليًا وعسكريًا واسعًا لأوكرانيا، خاصة بعد تقليص واشنطن مساهمتها. وتسعى برلين إلى إعادة إحياء صناعتها الدفاعية عبر استثمارات في الدفاع الجوي، والتقنيات الفضائية، والضربات الدقيقة بعيدة المدى.
أوروبا كفاعل سياسي مستقل
ترى برلين أن توحيد السيادة الأوروبية هو الرد الأمثل على عصر القوى العظمى. لذلك تدفع نحو تقوية آليات الدفاع المشترك داخل الاتحاد الأوروبي، استنادًا إلى المادة 42.7 من معاهدة الاتحاد.
وفي خطوة لافتة، دخلت ألمانيا في محادثات مع فرنسا بشأن مستقبل الردع النووي الأوروبي، في إطار متكامل مع ترتيبات الناتو، دون الإخلال بالتزاماتها الدولية.
اقتصاديًا، تسعى برلين إلى تعزيز تنافسية أوروبا عبر تقليص البيروقراطية وتوسيع اتفاقيات التجارة الحرة، مثل اتفاق الاتحاد الأوروبي مع “ميركوسور”، ومفاوضات جارية مع الهند.
شراكة متجددة عبر الأطلسي
رغم التباينات مع واشنطن، لا ترى ألمانيا أن التخلي عن الشراكة عبر الأطلسي خيارًا واقعيًا. بل تسعى إلى إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة على أساس المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ، مع الحفاظ على الناتو كركيزة أمنية أساسية.
توسيع شبكة الشراكات العالمية
إلى جانب أوروبا والولايات المتحدة، تعمل ألمانيا على تنويع شراكاتها مع قوى مثل اليابان وكندا وتركيا والبرازيل، إضافة إلى دول الخليج وأفريقيا، بهدف تقليل الاعتماد الأحادي وبناء شبكة توازنات أوسع.
أما في ما يتعلق بالصين، فتتبنى برلين نهج “إدارة المخاطر” بدلاً من فك الارتباط الكامل، عبر تقليل الاعتماد الاستراتيجي مع الحفاظ على قنوات الحوار والتعاون.
بين دروس الماضي ومتطلبات الحاضر
تؤكد ألمانيا أن تجربتها التاريخية تجعلها حذرة من الإفراط في استخدام القوة، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن غياب القوة قد يهدد الحرية. ومن هنا تسعى إلى صياغة مقاربة واقعية مبدئية، تجمع بين الردع العسكري، والتكامل الأوروبي، والانفتاح على الشراكات العالمية.
في عصر تتصاعد فيه المنافسة الجيوسياسية، ترى برلين أن مستقبل أوروبا لا يكمن في الانكفاء أو التبعية، بل في بناء قوة جماعية قادرة على حماية قيمها ومصالحها في آن واحد.