تتسارع وتيرة النزوح القسري للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين وتوسّع البؤر والمزارع الاستيطانية، وسط غياب فعلي للحماية الرسمية، لا سيما في المناطق المصنفة (ج).
في رأس عين العوجا شمال أريحا، شوهدت عائلات فلسطينية وهي تفكك ما تبقى من مساكنها وتحزم ممتلكاتها القليلة استعدادًا للمغادرة، بعد أن باتت الحياة هناك غير ممكنة بفعل التضييق اليومي، ومنع الوصول إلى المراعي ومصادر المياه، واستهداف سبل العيش الأساسية.
وأفاد سكان محليون بأنهم لم يعودوا يعرفون وجهتهم القادمة، مرجّحين الانتقال إلى مناطق (أ) الخاضعة للسيطرة الفلسطينية، رغم شح الأراضي والمياه فيها، هربًا من مضايقات المستوطنين المتكررة. ووصف الأهالي المشهد بأنه نزوح مؤلم ومفتوح النهاية، يعيد إلى الأذهان صور تهجير الفلسطينيين عام 1948، لكن هذه المرة بالألوان وبدون وجود عسكري مباشر في الميدان.
ووفق معطيات ميدانية، فقد أُجبر أكثر من 100 مواطن من رأس عين العوجا على مغادرة المنطقة بعد إنشاء بؤرة استيطانية مجاورة، ومنع الرعاة من الوصول إلى أراضيهم، ما ألحق أضرارًا اقتصادية جسيمة بهم، ودفعهم إلى بيع مواشيهم أو شراء الأعلاف بأسعار مرتفعة.
وتشير منظمات إسرائيلية معارضة للاستيطان، من بينها حركة “السلام الآن”، إلى أن الضفة الغربية تشهد خلال السنوات الثلاث الأخيرة تحولًا جذريًا في بنية السيطرة، يتمثل في طرد السكان الفلسطينيين، وشق مئات الكيلومترات من الطرق الالتفافية، وإنشاء عشرات المزارع الاستيطانية التي تستولي على آلاف الدونمات تحت غطاء “الرعي”.
وبحسب بيانات حقوقية، يوجد في الضفة الغربية 147 مستوطنة رسمية و191 بؤرة استيطانية غير مرخصة، يسكنها نحو 478 ألف مستوطن، مقابل نحو 2.8 مليون فلسطيني، في واقع يتسم بعدم تكافؤ صارخ في الحقوق والحماية.
وتؤكد منظمات حقوقية ونشطاء ميدانيون أن الاعتداءات لم تعد فردية، بل منظمة وتتم بدعم سياسي، في ظل ضعف المحاسبة القانونية، مشيرين إلى تسجيل آلاف الحوادث خلال العامين الأخيرين، شملت اعتداءات جسدية، وتخريب ممتلكات، ومنع الحركة.
ويرى مراقبون أن ما يجري في المنطقة (ج) يمثل ضمًا فعليًا متدرجًا، يُنفّذ عبر أدوات مدنية واستيطانية بدل القرارات الرسمية المعلنة، ما يهدد بإفراغ مساحات واسعة من الفلسطينيين، ويقوّض أي إمكانية حقيقية لحل الدولتين.
ورغم قتامة المشهد، يؤكد ناشطون أن هذا الواقع ليس قدَرًا محتوماً، بل نتاج سياسات حكومية قابلة للتغيير، إذا ما توفرت إرادة سياسية وضغط داخلي ودولي جاد لوقف الاستيطان وحماية السكان الفلسطينيين.