د. عماد عمر .. اكاديمي وباحث سياسي
تعكس زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إلى أرض الصومال تحوّلًا لافتًا في مسار السياسة الخارجية الإسرائيلية، وتكشف عن سعي متزايد لتوسيع نطاق النفوذ خارج الجغرافيا التقليدية، لا سيما في منطقة القرن الإفريقي التي باتت تشكل إحدى عقد الصراع الدولي على الممرات البحرية وأمن الطاقة، فالزيارة لا يمكن قراءتها كبادرة دبلوماسية عابرة، بل كخطوة مدروسة ضمن استراتيجية إسرائيلية أوسع لإعادة التموضع في معادلة البحر الأحمر وخليج عدن.
وتكمن أهمية أرض الصومال بالنسبة لإسرائيل في موقعها الجغرافي الحساس والمشرف على أحد أهم خطوط الملاحة العالمية، حيث يمنح هذا الحضور تل أبيب قدرة إضافية على مراقبة وتأمين حركة التجارة والطاقة، ويعزز من عقيدتها الأمنية القائمة على توسيع عمقها الاستراتيجي خارج الحدود، كما يشكل الانفتاح على كيان غير معترف به دوليًا فرصة لإسرائيل لاختراق دبلوماسي جديد، مستفيدة من حاجة هذا الكيان للدعم السياسي والاقتصادي والاعتراف الخارجي.
سياسيًا، تحمل الزيارة رسائل تتجاوز الإطار الثنائي، أبرزها أن إسرائيل باتت لاعبًا مباشرًا في أمن البحر الأحمر، وأنها ماضية في التعامل مع الكيانات الهامشية كأدوات لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
كما تمثل اختبارًا لمدى قدرة الأطراف العربية والإفريقية على صياغة موقف موحد في ظل حالة الانشغال والتفكك التي تعيشها المنطقة.
في المقابل، يثير هذا التواجد الإسرائيلي جملة من المخاطر على دول الجوار، وفي مقدمتها الصومال الاتحادية، حيث يهدد بتكريس واقع انفصالي جديد ويقوض فرص الاستقرار ووحدة الدولة، كما يسهم في تعقيد المشهد الأمني في القرن الإفريقي، المنطقة المثقلة أصلًا بالقواعد العسكرية الدولية وصراعات النفوذ، ما ينذر بتحويلها إلى ساحة مفتوحة للتنافس الاستخباري والعسكري.
أما على المستوى العربي، فإن التمدد الإسرائيلي في هذه المنطقة الحيوية يشكل تهديدًا غير مباشر للأمن القومي العربي، خاصة للدول المطلة على البحر الأحمر، إذ يعزز عسكرة الممرات البحرية ويحد من القدرة العربية على التحكم الجماعي بأمنها الاستراتيجي.
في المحصلة، تكشف زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إلى أرض الصومال عن مشروع يتجاوز الدبلوماسية إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في القرن الإفريقي، مشروع قد يحقق لإسرائيل مكاسب مرحلية، لكنه يحمل في طياته كلفة عالية على استقرار الإقليم، في ظل غياب ردع سياسي عربي وإفريقي قادر على كبح هذا التمدد.