طلال عوكل - مصدر الإخبارية
طوفانٌ بعد طوفان الأقصى، يضرب في زوايا الأرض، ظهرت معالمه في الدول التي ساعدت على إنشاء إسرائيل، وواصلت تقديم كل أنواع وأشكال الدعم له، لكي يصبح ركيزةً استعمارية أساسية، تضمن إفشال أي مشروع وحدوي عربي، وتمنع كل إمكانيات التطور من أجل السيطرة والهيمنة على ثروات المنطقة، ومزاياها الإستراتيجية.
القضية الفلسطينية، التي شهدت تراجعاً إلى أدنى سلم الاهتمامات الدولية قبل طوفان الأقصى، باتت واحدةً من أبرز قضايا اهتمام الرأي العام، في أوروبا، وفي الولايات المتحدة الأميركية، وأصبح العلم الفلسطيني حاضراً في كل نشاط جماهيري حتى لو كان سببه الاحتجاج على سياسات التعليم، والأجور، والغلاء، وتراجع الخدمات الصحية. طوفان تتزايد معالمه، في ساحات الفن، والغناء، ومشاهير الممثلين والمخرجين السينمائيين، وفي أوساط الأكاديميين والجامعات، ومراكز البحث العلمي، والمؤثرين، ونشطاء حقوق الإنسان والمحامين والمدافعين عن القانون الدولي، والنقابات العمالية والطلابية.
الضربة الكبرى أو الصاعقة التي نزلت على رأس إسحق هرتسوغ الرئيس الإسرائيلي، جاءت من الولايات المتحدة، التي شهدت انتخابات نصفية غير مسبوقة، أنزلت نتائجها عقاباً قاسياً على الإدارة الأميركية والحزب الجمهوري الذي خسر الأغلبية في المؤسسة التشريعية.
كأن الرئيس ترمب قد قال في تصريح علني نادر، أن من كان يرغب في الفوز عليه أن يكسب رضا إسرائيل، ولكن الأمر انقلب بحيث أصبح من يدعم إسرائيل خاسراً. الانتخابات الأميركية أكدت بالملموس ما لم يستفد منه ترمب، حيث تشير اعترافات العديد من المسؤولين الجمهوريين ومنهم نائب لرئيس جيه دي فانس أن الموقف من إسرائيل كان واحداً من أسباب فشل الحزب الجمهوري.
حتى ترمب نفسه حاول في اللحظات الأخيرة من بدء الانتخابات، أن يستدرك الأمر، حيث أعلن أن إدارته ستتوقف عن تقديم الدعم المالي لإسرائيل مع نهاية هذا العام، قبل موعد استحقاق الاتفاق بعامين.
ربما كانت هناك رسائل أخرى من إعلام ترمب، بشأن وقف الدعم المالي، ولكن لا يمكن إنكار محاولته التلاعب بمشاعر المصوتين الذين أعربوا عن استيائهم من استمرار الدعم الأميركي لإسرائيل على حساب جيوب دافعي الضرائب الأميركيين.
قبل ترمب كانت كامالا هاريس التي فشلت في الانتخابات الرئاسية نهاية عام 2024، وفاز فيها ترمب، قد اعترفت أن موقف إدارة بايدن الذي شغلت منصب نائبته، من إسرائيل وغزه و فلسطين، كان واحدا من أسباب فشلها في الانتخابات. وعلى ذات المسار يعلن زعيم المعارضة الإيطالية جوزيبي كونتي أنه سيعترف بالدولة الفلسطينية حال فوزه في الانتخابات.
ترمب الذي تولى بنفسه إدارة الحملات الانتخابية لمرشحي الحزب الجمهوري في عديد الولايات، وشن حمله مسعورة ومكثفة على المرشح الديمقراطي عبد الرحمن محمد السيد، وضع هيبته ورصيده في مراهنة خاسرة، حين فاز عبد الرحمن، وفشل الرئيس الأميركي شخصياً وحزبياً.
يدّعي ترمب أنه بريء من الخسارة الفادحة التي تلقاها حزبه و مرشحيه، وادعى انه لو كان اسمه موجودا على بطاقات الانتخابات لكان حقق الفوز للجمهوريين.
في هذه الانتخابات، ليس فقط الرئيس ترمب من وضع كل ثقله في الانتخابات، وإنما أنفقت لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك) مئات ملايين الدولارات لدعم مرشحين جمهوريين وحتى ديمقراطيين مواليين لإسرائيل، قبل أن تعلن أنها ستتوقف عن تقديم الدعم المعتاد، الذي وظفته كل الوقت للتأثير في السياسات الأميركية لصالح إسرائيل.
سقط ترمب، وسقط الحزب الجمهوري، وسقطت إيباك وسقط إيلون ماسك، والأثرياء الذين اعتادوا تضليل الناخب الأميركي، الذي يشهد صحوة غير مسبوقة على شعارات ٍ فارغة وسياسات تصنع إسرائيل أولاً قبل أميركا.
في سخرية مريرة، يقول الرئيس ترمب، انه سيذهب إلى إسرائيل لكي يترشح لرئاسة الحكومة، في حال سئم الشعب الأميركي منه، ويتوهم أنه يحظى بتأييد 99% من أصوات المجتمع الإسرائيلي. وتستمر السخرية السوداء حيث تنقل نيويورك تايمز الأميركية عن أن كبار مستشاري ترمب تبادلوا مزِاحاً بخصوص اللجوء إلى إسرائيل، وكان ذلك قبل خسارة الحزب في الانتخابات.
الطوفان يتواصل من سقوط فيكتور أوربان في المجر إلى البرازيل، إلى صربيا إلى إسرائيل التي تشهد زلزالاً مدمراً، ليس فقط بسقوط نتنياهو وتحالفه الفاشي، مرتكب أفظع الجرائم، وإنما بالتفاعلات الجارية والمتوقعة التي تهز الكيان من جذوره، ومع هذا السقوط تسقط مخططات الفوضى الخلاقة، وإسرائيل الكبرى، والهيمنة الأميركية الإسرائيلية، والشرق الأوسط الجديد الذي أرادوه، فإذا به شرق أوسط جديد يبشر بنهضة عربية، ومستقبل واعد لفلسطين والفلسطينيين، وللأمه العربية، ودول الإقليم. هي البداية، وما زال هناك الكثير من العمل، مع الكثير من التفاؤل، فالحزب الديمقراطي لم يتحول كلياً لصالح فلسطينية.







