وكالات - أكدت الأمم المتحدة استمرار الدبلوماسي الإيطالي السويدي ستيفان دي ميستورا في أداء مهامه مبعوثاً شخصياً للأمين العام إلى الصحراء، رغم بدء إنهاء العمليات الميدانية لبعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «مينورسو»، في تطور يفتح مرحلة جديدة أمام جهود الوساطة الأممية في النزاع المستمر منذ أكثر من خمسة عقود.
وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، خلال مؤتمر صحافي عُقد مساء الخميس، إن دي ميستورا يواصل ممارسة مهامه انطلاقاً من مكتبه في العاصمة البلجيكية بروكسل، موضحاً أن المبعوث الشخصي عُيّن من قبل الأمين العام ولا يزال مستمراً في أداء مسؤولياته.
وجاءت تصريحات دوجاريك رداً على تساؤلات صحافية بشأن مستقبل مهمة دي ميستورا، ومدى تأثرها بالتطورات المرتبطة ببعثة «مينورسو»، عقب انتهاء التفويض الممنوح لها وبدء إجراءات إنهاء وجودها الميداني وسحب أصولها ومعداتها من المنطقة.
ولم يقدم المتحدث الأممي تفاصيل إضافية بشأن طبيعة التحركات التي سيعتمدها دي ميستورا خلال المرحلة المقبلة، مكتفياً بالتأكيد على استمرار مهمته، في وقت تواجه فيه الوساطة الأممية تحديات متزايدة بفعل التغيرات التي طرأت على آليات حضور المنظمة الدولية في ملف الصحراء.
وفي سياق متصل، أشار دوجاريك إلى أن القرارات المتعلقة بالتعيينات في المناصب العليا داخل الأمم المتحدة ستظل من اختصاص القيادة الأممية المقبلة، ما يترك مستقبل دي ميستورا الوظيفي على المدى البعيد مرتبطاً بالتوجهات التي ستعتمدها الإدارة الجديدة.
وأكد المتحدث باسم الأمين العام استمرار التزام الأمم المتحدة بدعم الأطراف المعنية في مساعيها للتوصل إلى حل سياسي مقبول، إذا أبدت استعدادها للمضي في هذا المسار، دون أن يقدم مؤشرات حاسمة بشأن شكل الوساطة خلال المرحلة المقبلة.
انتهاء «مينورسو» لا ينهي مهمة دي ميستورا
وفي قراءة للتطورات، أوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس، إسماعيل حمودي، أن استمرار دي ميستورا في مهامه بعد انتهاء عمل بعثة «مينورسو» أمر متوقع، بالنظر إلى الاختلاف المؤسسي بين طبيعة البعثة الأممية ومهمة المبعوث الشخصي للأمين العام.
وأوضح حمودي، في تصريحات لـ«العربي الجديد»، أن بعثة «مينورسو» أُنشئت بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن، وتضطلع بمهام ميدانية وأمنية في الصحراء، من أبرزها مراقبة اتفاق وقف إطلاق النار، بينما يتولى دي ميستورا مهمة الوساطة السياسية والاتصال بأطراف النزاع، بموجب تكليف مباشر من الأمين العام للأمم المتحدة.
وأضاف أن انتهاء مهمة البعثة لا يعني بالضرورة انتهاء الدور السياسي للأمم المتحدة في ملف الصحراء، مؤكداً أن المبعوث الشخصي يستطيع مواصلة اتصالاته وتحركاته الدبلوماسية رغم غياب الوجود الميداني للبعثة.
واعتبر حمودي أن تصريحات دوجاريك تحمل رسالة مفادها أن المنظمة الدولية لا تزال معنية بالبحث عن تسوية سياسية للنزاع، لكنه رجح أن تكون فاعلية تحركات دي ميستورا أقل مقارنة بالمرحلة السابقة، نتيجة فقدان الأمم المتحدة حضورها الميداني المباشر في المنطقة.
وأشار إلى أن غياب «مينورسو» قد يحد من قدرة المنظمة على التحقق من المعلومات المتعلقة بالأوضاع الميدانية وإنتاج تقارير مستقلة بشأن التطورات، فضلاً عن تراجع قدرتها على متابعة أي تصعيد محتمل أو احتوائه.
تعقيدات سياسية تعرقل جهود التسوية
وتواجه مهمة دي ميستورا، الذي عيّنه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2021، صعوبات سياسية متراكمة منذ توليه الملف، بعدما ظل منصب المبعوث الأممي شاغراً منذ مايو/أيار 2019، في أعقاب تعثر اختيار مرشح يحظى بقبول الأطراف المعنية.
ولم يتمكن دي ميستورا خلال السنوات الماضية من تحقيق اختراق ملموس في مسار المفاوضات، أو إعادة الأطراف إلى طاولة الحوار من خلال آلية الموائد المستديرة، التي واجهت خلافات بشأن طبيعة المشاركة وشروط التفاوض.
وفي هذا السياق، تتمسك الجزائر برفض آلية الموائد المستديرة، وتدعو إلى مفاوضات مباشرة ودون شروط مسبقة بين المغرب وجبهة البوليساريو، بينما تعتبر الرباط أن الجزائر طرف معني بالنزاع، وهو ما يشكل أحد أبرز نقاط الخلاف التي تعرقل جهود الوساطة.
كما ألقت الأزمة الدبلوماسية بين المغرب والجزائر بظلالها على مساعي التسوية، خصوصاً بعد إعلان الجزائر في 24 أغسطس/آب 2021 قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الرباط من جانب واحد، الأمر الذي زاد من تعقيد المشهد الإقليمي وأضعف فرص التوصل إلى تفاهمات سياسية.
وزادت التوترات بين المغرب وجبهة البوليساريو من صعوبة المهمة الأممية، لا سيما عقب أزمة معبر الكركرات مع موريتانيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، والتي انتهت بتدخل الجيش المغربي لإعادة فتح المعبر وتأمين حركة الأشخاص والبضائع، قبل إعلان جبهة البوليساريو عدم التزامها باتفاق وقف إطلاق النار الموقع عام 1991.
مرحلة جديدة أمام الأمم المتحدة
وتضع هذه التطورات ملف الصحراء أمام مرحلة مختلفة، تتراجع فيها الأدوات الميدانية للأمم المتحدة بالتزامن مع استمرار المساعي الدبلوماسية للبحث عن تسوية سياسية.
وبين استمرار دي ميستورا في منصبه وبدء إنهاء عمليات «مينورسو»، تبرز تساؤلات بشأن قدرة الوساطة الأممية على الحفاظ على فاعليتها في ظل غياب آلية المراقبة الميدانية، واستمرار الخلافات بين الأطراف المعنية، وهي عوامل تجعل مستقبل التحرك الأممي مرتبطاً بمدى استعداد الأطراف للانخراط في مسار تفاوضي يفضي إلى حل سياسي للنزاع.







