وكالات - كشفت دراسة علمية أجراها باحثون يابانيون عن تفاعل محتمل بين مستويات هرمون التستوستيرون والنظام الغذائي وبكتيريا الأمعاء في تحديد مقدار الدهون التي تتراكم داخل الكبد، مشيرة إلى أن اجتماع انخفاض الهرمون مع تناول الفركتوز قد يؤدي إلى زيادة تراكم الدهون الثلاثية في الكبد.
وأظهرت التجارب، التي أجريت على فئران ذكور، أن خفض مستويات الهرمونات الذكرية لم يؤد بمفرده إلى زيادة الدهون الكبدية، لكنه عزز التأثير المرتبط بتناول الفركتوز، في نتيجة تسلط الضوء على احتمال وجود تداخل بين العوامل الهرمونية والغذائية والميكروبية في تطور اضطرابات التمثيل الغذائي.
وأجرى الدراسة فريق بحثي من جامعة أوساكا متروبوليتان اليابانية، ونُشرت نتائجها في المجلة الأميركية لعلم وظائف الأعضاء: الغدد الصماء والتمثيل الغذائي.
تجارب لاختبار تأثير الهرمونات والفركتوز
اعتمد الباحثون في دراستهم على فئران ذكور، خضعت عند بلوغها ثمانية أسابيع لعمليتين مختلفتين؛ تمثلت الأولى في استئصال الخصيتين بهدف خفض مستويات الهرمونات الذكرية، فيما خضعت المجموعة الأخرى لجراحة وهمية لاستخدامها في المقارنة.
وبعد ذلك، وزع الفريق الحيوانات على ست مجموعات، تلقت أنظمة مختلفة من مياه الشرب، شملت المياه العادية ومحلولا يحتوي على الفركتوز بتركيز 10 بالمئة، مع إضافة مضادات حيوية إلى بعض المجموعات دون غيرها.
واستمرت التجربة لمدة ثمانية أسابيع، بهدف قياس تأثير خفض الهرمونات وتناول الفركتوز، إلى جانب تقييم الدور الذي يمكن أن تؤديه بكتيريا الأمعاء في التغيرات المرتبطة بتراكم الدهون داخل الكبد.
وأتاح هذا التصميم للباحثين مقارنة التأثيرات الناتجة عن كل عامل على حدة، وكذلك رصد ما يحدث عند اجتماعهما، مع محاولة تحديد مدى ارتباط التغيرات في ميكروبات الأمعاء بعملية التمثيل الغذائي للدهون.
اجتماع انخفاض التستوستيرون والفركتوز يزيد الدهون الثلاثية
أظهرت النتائج أن استئصال الخصيتين وحده لم يكن كافيا لإحداث زيادة في تراكم الدهون داخل الكبد، لكن الجمع بين خفض الهرمونات وتناول الفركتوز أدى إلى تفاقم تراكم الدهون الثلاثية مقارنة بالتأثيرات المرتبطة بكل عامل بصورة منفصلة.
ورصد الباحثون، بالتزامن مع هذه التغيرات، اختلافات في نشاط عدد من الجينات المرتبطة بعمليات تصنيع الدهون ونقل الأحماض الدهنية واستقلاب الفركتوز، ما يشير إلى أن التفاعل بين العاملين قد يؤثر في المسارات البيولوجية المسؤولة عن تنظيم الدهون داخل الكبد.
ولم تقتصر التغيرات على أنسجة الكبد، إذ لاحظ الفريق أيضا تغيرا في تركيب المجتمع الميكروبي داخل الأمعاء، إلى جانب ارتفاع مستويات مركب البيروفات في محتويات الأعور، وهو أحد أجزاء الأمعاء الغليظة.
ويؤدي البيروفات دورا مهما في عمليات التمثيل الغذائي وإنتاج الطاقة داخل الخلايا، كما يرتبط بعدد من المسارات الكيميائية الحيوية التي يستخدمها الجسم لمعالجة العناصر الغذائية.
بكتيريا الأمعاء تدخل على خط تراكم الدهون
وفي محاولة لفهم العلاقة بين التغيرات المعوية وتراكم الدهون الكبدية، استخدم الباحثون المضادات الحيوية لتقليل البكتيريا الموجودة في الأمعاء.
وأظهرت النتائج أن استخدام المضادات الحيوية خفف من تراكم الدهون في الكبد، كما قلل ارتفاع مستويات البيروفات داخل الأمعاء، وهو ما يدعم احتمال مشاركة الميكروبات المعوية في بعض التأثيرات التي رصدتها الدراسة.
ولتعزيز فهم هذه العلاقة، أجرى الباحثون تجارب إضافية على خلايا كبدية معزولة من الفئران، ووجدوا أن وجود البيروفات إلى جانب الفركتوز عزز تراكم الدهون الثلاثية داخل الخلايا.
وتشير هذه النتائج إلى احتمال وجود مسار يربط بين التغيرات التي تحدث في البيئة الميكروبية للأمعاء والمواد الناتجة عن عمليات التمثيل الغذائي، وبين كيفية تعامل الكبد مع الفركتوز وتخزين الدهون.
ومع ذلك، لم يتمكن الباحثون من تحديد المصدر النهائي للبيروفات بصورة قاطعة، إذ يمكن لخلايا الأمعاء نفسها إنتاج هذا المركب، وليس من الضروري أن يكون مصدره الوحيد بكتيريا الأمعاء.
كما أن المضادات الحيوية لم تمنع جميع التغيرات التي طرأت على نشاط الجينات المرتبطة بالتجربة، ما يشير إلى أن العلاقة بين الهرمونات والغذاء والميكروبات المعوية أكثر تعقيدا من ارتباطها بمسار بيولوجي واحد.
لماذا لا يمكن تعميم النتائج على الرجال؟
رغم أهمية النتائج في تفسير بعض الآليات المحتملة لتراكم الدهون في الكبد، شدد الباحثون على وجود قيود علمية تحول دون اعتبارها دليلا مباشرا على أن انخفاض التستوستيرون لدى الرجال يؤدي بالضرورة إلى زيادة تأثير الفركتوز بالطريقة نفسها.
وتتمثل إحدى أبرز هذه القيود في أن استئصال الخصيتين لا يؤدي إلى خفض التستوستيرون وحده، بل قد يؤثر أيضا في مستويات هرمونات أخرى، وهو ما يجعل فصل التأثير المحدد للتستوستيرون أمرا صعبا.
كذلك، فإن الانخفاض الحاد في الهرمونات الناتج عن التدخل الجراحي لدى الفئران لا يحاكي بالضرورة التراجع التدريجي في مستويات التستوستيرون الذي قد يحدث لدى الرجال مع التقدم في العمر أو نتيجة عوامل صحية مختلفة.
ولهذا، يرى الباحثون أن تحديد الدور المباشر للتستوستيرون يتطلب إجراء تجارب إضافية، من بينها دراسات تستخدم تعويض الهرمون، إلى جانب نماذج تجريبية أخرى تسمح بفصل تأثيره عن بقية التغيرات الهرمونية.
نتائج تفتح بابا لفهم أعمق لدهون الكبد
تقدم الدراسة مؤشرات جديدة على أن تراكم الدهون في الكبد قد لا يرتبط بالنظام الغذائي وحده، وإنما يمكن أن يتأثر أيضا بالتوازن الهرموني والتغيرات التي تحدث في البيئة الميكروبية للأمعاء.
وتسلط النتائج الضوء على احتمال أن يؤدي اجتماع انخفاض الهرمونات الذكرية مع زيادة التعرض للفركتوز إلى تغيير طريقة تعامل الجسم مع الدهون، بمشاركة مركبات ناتجة عن عمليات التمثيل الغذائي داخل الأمعاء.
لكن الدراسة لا تعني أن تناول السكر يشكل خطرا قاتلا بصورة مباشرة، ولا تثبت أن الرجال الذين يعانون انخفاض التستوستيرون سيواجهون التأثيرات نفسها التي ظهرت لدى الفئران.
كما لا تقدم دليلا على أن استخدام التستوستيرون أو المضادات الحيوية يمكن أن يمثل وسيلة للوقاية من تراكم الدهون في الكبد لدى البشر.
وتبقى النتائج خطوة بحثية لفهم التفاعل بين الهرمونات والتغذية وميكروبات الأمعاء، في انتظار دراسات بشرية وتجارب إضافية تحدد مدى انطباق هذه الآليات على صحة الإنسان.







