طلال عوكل - مصدر الإخبارية
بينما بلغت حدة الاستقطاب بين معسكري نتنياهو وأيزنكوت حداً غير مسبوق في تاريخ الانتخابات الإسرائيلية، دون أن تمنح طرفاً صلاحية تشكيل الحكومة المقبلة، تنطوي هذه الانتخابات على مفارقات وتحولات عميقة في المجتمع الإسرائيلي.
لا يبدو أن ثمة سيناريوهات مؤكدة، يمكن أن تجد مخرجاً من استعصاء تشكيل حكومة خلال الفترة الزمنية التي تمتد لستة أسابيع، فإن السيناريو الأقرب إلى التداول هو الفشل والذهاب إلى انتخابات جديدة بعد ستة إلى تسعة أشهر، تضمن لنتنياهو وائتلافه خلالها إدارة الحكم كفترة انتقالية.
يتمترس كل معسكر حول رؤيته واشتراطاته، ففي حين يسعى معسكر أيزنكوت، غير الصلب، إلى إسقاط نتنياهو باعتباره الهدف الأساسي وربما الوحيد الذي يجمع عليه، فإن نتنياهو سيحاول اختراق ذلك المعسكر، بدون أن يضحي بأحد من حلفائه، لأنه إن فكّر في هذا الخيار، فإنه أيضا لا يحصل على الأصوات الكافية لتشكيل الحكومة.
إسقاط نتنياهو وائتلافه، يتطلب التفاهم مع القوائم العربية لكن بعض أركان المعارضة مثل أفيغدور ليبرمان يرفض اللجوء إلى هذا الخيار بينما يحظى بتأييد رئيس حزب الديمقراطيين يائير غولان. إذ نجح أيزنكوت في إقناع أركان معسكره، فإنه سيحظى بأولوية تشكيل الحكومة، بالاعتماد على شبكة أمان توفرها القائمة المشتركة، التي لن تفعل ذلك مجاناً، وإن كانت تدعم سقوط نتنياهو.
الاحتمالات إذاً مفتوحة، بالرغم من صعوبة الخيارات. الرئيس ترمب الذي أعلن دعمه الكامل لنتنياهو، قبل الانتخابات ونسب لنفسه ما اعتبره الإنجاز الممكن، يعود ويعلن أنه ربما يتدخل لتحقيق حكومة وحدة وطنية، لكن الأمر ليس على هذه الدرجة من السهولة حيث تتمثل العقدة الكبرى ببقاء أو غياب نتنياهو.
يلفت النظر أن أكثر من نصف المصوتين اليهود، قدموا الدعم لنتنياهو و ائتلافه بالرغم من الكوارث التي يتحمل مسؤوليتها سواء ما يتعلق بالطوفان، أو الحروب، بما في ذلك حرب الإبادة أو الفشل الأمني والسياسي أو ما يتعلق بالاتفاقات المنظورة وغير المنظورة أمام القضاء بحق نتنياهو والذي جعل إسرائيل دولةً منبوذةً في العالم. وعلى الرغم من أن المعسكرين الرئيسيين المتنافسين لا يختلفان على البرنامج السياسي، وهم شركاء في الحروب التي يخوضها نتنياهو، فإن نصف المجتمع اليهودي يذهب عملياً الى أقصى اليمين المتشدد الذي يمثله نتنياهو وبن غفير وسموترتش.
حيث أن الامر كذلك، وأن الصراع يدور فقط حول شخصية نتنياهو، فإن المجتمع الإسرائيلي اليهودي بأغلبيته الساحقة يقف خلف السياسات الكارثية التي سار عليها نتنياهو وحكومته، والتي ألحقت بإسرائيل أضراراً استراتيجية خطيرة وجعلتها دولة منبوذة، مما يثير مخاوف الإسرائيليين على بقائها.
إزاء هذا الوضع، فإن الأمر بالنسبة للفلسطينيين سيان، إذ أن الخيارات محصورة بين السيئ والأسوأ، فالمعسكرين لا يحملان لهم ما يفتح فرصةً للأمل.
المفارقة المهمة الأخرى هي تلك التي تتعلق بنسبة التصويت في الوسط العربي، التي تجاوزت الثمانين في المئة، وهي المرة الأولى في تاريخ مشاركه العربية في الانتخابات، وما نجم عن ذلك من فوز المشتركة والموحدة لتسعة عشر مقعداً.
هذا الفوز المؤكد، جعل نتنياهو وزمرته، يدورون حول أنفسهم وقد أصابهم هوس بل سعار مكشوف. قبل الانتخابات كان نتنياهو قد شن حملة على العرب ووصف من يتحالف معهم بالخونة، وخلال الانتخابات، خرج إلى الجمهور اليهودي يحرض على العرب، الذين يصلون بالحافلات إلى مراكز الاقتراع، ويتوسل اليهود للخروج لحماية البيت ويقصد الدولة.
في تفسير هذا التطور على سلوك فلسطيني الداخل لا بد من رؤية الآثار التي خلفها الطوفان، وما بعده على المشاعر الوطنية، الأمر الذي ظهر من خلال صناديق الاقتراع تعبيراً عن التضامن والتلاحم مع شعبهم ولمعاقبة المجرم بالوسائل المتاحة.
نتنياهو اتهم الأحزاب العربية بأنها تدعم الإرهاب، وتسعى للقضاء على الدولة اليهودية، وبأنها سرقت الانتخابات وارتكبت مخالفات جنائية خطيرة الأمر الذي يفضح الطبيعة العنصرية للكيان.
بعد تردد طالب رئيس لجنة الانتخابات المركزية القاضي نوعام سولبيرغ، الشاباك بفتح تحقيق بدعوى تمويل خارجي ورشى انتخابية، لكنه أكد أن هذه التحقيقات لا تفسد العملية الانتخابية ولا تؤدي إلى تغييرات في النتائج. تكشف هذه الحملة المسعورة على الصوت والوجود العربي، والحد الأدنى من الحقوق المدنية التي حصل عليها بعد نضال وتضحيات، إن هذا الوجود وهذه الحقوق ستكون في بؤرة الاستهدافات من قبل طيف سياسي أوسع من ائتلاف نتنياهو وقد تؤجج أشكالاً أكثر عنفاً من الصراع والتحريض العنصري مجتمعياً.







