د. غسان مصطفى الشامي - مصدر الإخبارية
لم يكن توقيت عملية الخليل التي وقعت عند حاجز عسكري قرب حاجز فرش الهوى الجمعة 23 أكتوبر 2026؛ توقيت عادي بالنسبة للمشهد السياسي والأمني الإسرائيلي المحتدم والمتصارع على كراسي الحكم؛ إذ جاءت هذه العميلة قبيل أيام قليلة من انتخابات الكنيست الاسرائيلي المقرر عقدها في 27 أكتوبر، لتفتح الباب أمام تساؤلات جديدة بشأن قدرة الحكومة الإسرائيلية على فرض سيادتها و سيطرتها الأمنية على مدن الضفة الغربية، ومدى انعكاس التطورات الميدانية على حسابات المتنافسين على حكم الكيان وأبرزهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وائتلافه اليميني.
وتكتسب عملية الخليل التي استمرت الاشتباكات فيها نحو عشرين دقيقة وأدت إلى مقتل اثنين من الجنود الإسرائيليين - أهميتها مع تزامن وقوعها مع معركة انتخابية محتدمة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية مع مستقبل الحكم في الكيان وسط انقسامات سياسية ومجتمعية إسرائيلية حادة حول إدارة الحرب على غزة وإيران ولبنان، وأداء الحكومة الإسرائيلية بعد سنوات الحرب الطويلة، وعلاقات المؤسسة الأمنية العسكرية بالقيادة السياسية، وغيرها من الأسباب المختلفة التي تظهر على السطح.
هذا وتسعى دوما حكومات الكيان المتعاقبة إلى تشديد الإجراءات العسكرية والحواجز والاقتحامات بوصفها أدوات قادرة على إحكام السيطرة السيادية والأمنية على مدن الضفة الغربية، إلا أن وقوع عملية مسلحة في منتصف مدينة الخليل وتحدث قتلى في صفوف الجنود، وما أعقبها من استنفار كبير وانتشار واسع للقوات الإسرائيلية وعمليات تمشيط، يعيد طرح السؤال بشأن حدود هذه المقاربة الأمنية ومدى قدرتها على توفير استقرار طويل الأمد للإسرائيليين؛ ولا يعني هذا التفسير التحليلي أن عملية واحدة كافية لتغيير موازين القوة أو تحديد اتجاهات الناخبين في الكيان لكنها قد تضع الخطاب الأمني للحكومة الإسرائيلية أمام اختبار جديد، خصوصًا عندما تقع أحداث ميدانية بارزة في الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية.
إن الصورة التي تريد حكومة نتنياهو الفاشية تسويقها قبيل الانتخابات عن قدرتها على ضبط الأوضاع الأمنية والميدانية في ية مدن الضفة قد تتعرض للتشكيك، بينما تتجه الأنظار إلى الإجراءات التي ستتخذها الأجهزة الأمنية، وإلى قدرة القيادة السياسية على تفسير ما حدث للرأي العام الإسرائيلي.
و لا تنحصر دلالة عملية الخليل في موقعها الجغرافي، بل تمتد إلى توقيتها السياسي، وما يمكن أن تثيره من سجال حول جدوى السياسات الأمنية الإسرائيلية المتبعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
و يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو معادلة سياسية معقدة؛ فهو يحتاج إلى إظهار الحزم الأمني أمام الناخب الإسرائيلي، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحديات تتعلق بأداء حكومته خلال الحرب، وبالتنافس بين الأحزاب على استقطاب الجمهور اليميني، حيث قد تتحول عملية الخليل إلى محور للمزايدات السياسية، مع مطالبة أطراف متشددة بتوسيع الإجراءات العسكرية وتشديد القيود على الفلسطينيين، في مقابل أصوات قد تحمل الحكومة مسؤولية الإخفاق في منع الهجمات.
هذا ويجد اليمين الإسرائيلي نفسه أمام اختبار مزدوج: إثبات قدرته على توفير الأمن، والمحافظة على تماسك ائتلافاته في ظل الخلافات المتعلقة بمستقبل الحرب، والسياسات تجاه الفلسطينيين، وأولويات الإنفاق والخدمة العسكرية، كما وقد تدفع الحوادث الأمنية بعض الناخبين إلى تبني خطاب أكثر تشددًا، لكنها قد تثير لدى آخرين تساؤلات بشأن جدوى استمرار النهج نفسه، ونتائجه على الأمن والاستقرار.
وعليه، لا يمكن الجزم بأن العملية ستصب في مصلحة نتنياهو أو خصومه؛ فالأثر الانتخابي يتوقف على كيفية تعامل الحكومة معها، وعلى قدرة المعارضة على تقديم بدائل مقنعة، فضلًا عن القضايا الأخرى التي تحكم سلوك الناخبين.
و تكشف الانتخابات الإسرائيلية عن تنافس لا يقتصر على أسماء المرشحين، بل يشمل طبيعة السياسات التي ينبغي اتباعها تجاه الفلسطينيين والمنطقة. فالأحزاب اليمينية المتشددة تدفع باتجاه توسيع الاستيطان وتشديد القبضة العسكرية، بينما تحاول قوى معارضة استثمار الانتقادات الموجهة إلى أداء الحكومة وطرح تصورات مختلفة لإدارة الملفات الأمنية والسياسية.
إن الخلاف الإسرائيلي السياسي على رئيس نتنياهو لا يعني بالضرورة وجود توافق داخل المعارضة على تسوية سياسية مع الفلسطينيين أو إنهاء الاحتلال، حيث أن التباينات بين هذه القوى السياسية قد تجعل تشكيل حكومة اسرائيلية مستقرة أمرًا معقدًا جدا خاصة في هذه الظروف وبعد ثلاث سنوات حروب حتى إذا تغيرت موازين التمثيل البرلماني حيث وتحتاج أي حكومة مقبلة إلى ائتلاف حكومي وشبكة أمان يحظى بأغلبية لا تقل عن 61 مقعدًا في الكنيست المؤلف من 120 مقعدًا، ما يمنح الأحزاب الصغيرة دورًا مهمًا في مفاوضات تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة .
تظل أمام المشهد الإسرائيلي السياسي ثلاثة مسارات محتملة: الأول يتمثل في ستمرار نتنياهو في الحكم إذا تمكن مع حلفائه من تأمين أغلبية برلمانية؛ والثاني تشكل ائتلاف بديل إذا نجحت قوى المعارضة في تجاوز خلافاتها؛ والثالث الدخول في مفاوضات شاقة إذا أفرزت النتائج برلمانًا منقسمًا يصعب معه تشكيل حكومة مستقرة.
وفي جميع هذه المسارات، ستبقى الضفة الغربية المحتلة، بما تشهده من اقتحامات وقيود وتوسع استيطاني وتوترات متواصلة، أحد الملفات المؤثرة في النقاش السياسي والأمني الإسرائيلي. وقد تزيد عملية الخليل الضغط على الحكومة في الأيام الأخيرة قبل الاقتراع، لكنها لن تحسم وحدها مستقبل نتنياهو أو اتجاهات اليمين.
إن التوقيت الحساس لعملية الخليل قد يضع الحكومة الإسرائيلية أمام اختبار سياسي وأمني، لكنه يذكّر أيضًا أن الأمن لا يمكن اختزاله في الانتشار العسكري وحده، وأن استمرار الاحتلال وغياب أفق سياسي متوازن يبقيان عوامل أساسية في إنتاج الاشتباكات الميدانية هنا وهناك.
وهكذا، قد تكون عملية الخليل محطة ضاغطة في الساعات الأخيرة من السباق الانتخابي، غير أن مداها السياسي سيظل مرتبطًا بما ستكشفه صناديق الاقتراع الإسرائيلي، وبقدرة أي حكومة مقبلة على التعامل مع جذور الصراع، لا مع مظاهره الأمنية فحسب.







