تل أبيب - أعدت إسرائيل خطة لشن هجمات واسعة على إيران خلال تشرين الأول/أكتوبر الجاري، تستهدف محطات الطاقة والمنشآت النووية والبنى التحتية المدنية وأهدافًا تابعة للنظام الإيراني، قبل أن يوقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنفيذها، في ظل معارضته استئناف الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، الأربعاء، استنادًا إلى ثلاثة مصادر مطلعة على تفاصيل الخطة، كان من المقرر تنفيذ الهجمات خلال عطلة نهاية الأسبوع في 10 تشرين الأول/أكتوبر، على أن تكون أكثر كثافة من الهجمات التي نُفذت خلال الحرب الأخيرة.
ونقل التقرير عن أحد المصادر احتمال استئناف الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران خلال الأسابيع المقبلة، في ظل تعثر المسار السياسي واستمرار الخلافات بشأن التعامل مع طهران.
ووفقًا للمصادر، أعدت إسرائيل قاعدة بيانات جديدة للأهداف، تضمنت منشآت مدنية لم تكن مستهدفة في السابق، ضمن خطة هدفت، بحسب أحد المصادر، إلى زيادة الضغط على إيران في سياق المفاوضات المتعثرة.
وتشير تفاصيل الخطة إلى أن التصورات الإسرائيلية لم تقتصر على المواقع العسكرية، بل شملت أيضًا منشآت حيوية وبنى تحتية مدنية، في إطار مساعٍ لزيادة كلفة المواجهة على طهران ودفعها إلى تقديم تنازلات.
ترامب يرفض استئناف الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي
رغم إعداد الخطة والاستعداد لاحتمال تنفيذها، قرر ترامب عدم المضي في الهجمات، وسط معارضة لاستئناف الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية.
ونقلت «فايننشال تايمز» عن نائبة المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، قولها إن إيران تمر بوضع بالغ السوء على المستويين العسكري والاقتصادي، مضيفة أن الولايات المتحدة لن تشن هجومًا عليها قبل الانتخابات النصفية.
ويأتي القرار في ظل حسابات أميركية تتعلق بجدوى استئناف العمليات العسكرية وتوقيتها، إلى جانب المخاطر المحتملة على المصالح الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة، في حال ردت إيران على أي هجوم جديد بتوسيع نطاق المواجهة.
ورغم وقف الخطة، ظل الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب قصوى لأسابيع، فيما أعلن رئيس أركانه، إيال زامير، أن مهمة الجيش تتمثل في ضمان إجراء الانتخابات الإسرائيلية في موعدها وبأمان، مؤكدًا استمرار اليقظة والاستعداد على مختلف الجبهات.
ويعكس استمرار حالة التأهب أن قرار وقف الهجمات لم يُنهِ الاستعدادات العسكرية الإسرائيلية، بل أبقى احتمال استئناف المواجهة حاضرًا في الحسابات الأمنية، وفق ما أوردته التقارير.
خمس خطط أميركية لعمليات جوية ضد إيران والحوثيين
وفي سياق متصل، أشار المحلل العسكري في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، إلى تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، أفاد بأن وزارة الدفاع الأميركية قدمت خلال الأشهر الأخيرة خمس خطط لعمليات جوية تستهدف إيران والحوثيين في اليمن.
وبحسب التقرير، تضمنت الخطط تصورات لعملية جوية مشتركة مع سلاح الجو الإسرائيلي تستمر ثلاثة أيام، وتستهدف منظومات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، ومنشآت الطاقة، ومقار الحرس الثوري الإيراني ومراكز القيادة والسيطرة التابعة له.
وأشار بن يشاي إلى أن إسرائيل كانت على علم بجدية دراسة ترامب لهذه الخطط، التي ناقشها مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، فيما تلقى الجيش الإسرائيلي تعليمات بالاستعداد لاحتمال استئناف المواجهة مع إيران خلال أيام، وربما ساعات.
لكن ترامب قرر في نهاية المطاف عدم المضي في تنفيذ الهجمات.
ووفقًا للمصادر التي أشار إليها بن يشاي، تمثل أحد الاعتبارات الرئيسية في أن الخطط التي أعدتها القيادة المركزية الأميركية في فلوريدا والقيادة العسكرية الإسرائيلية في تل أبيب لم تكن تتضمن نتائج مختلفة جوهريًا عن تلك التي تحققت خلال عملية «الأسد الصاعد».
ويشير هذا التقدير إلى أن صناع القرار الأميركيين أخذوا في الحسبان احتمال أن تؤدي جولة جديدة من الضربات الجوية إلى أضرار إضافية في القدرات الإيرانية، من دون أن تفضي بالضرورة إلى تغيير جوهري في سلوك النظام أو تحقيق الأهداف الاستراتيجية المرجوة.
اجتماع في كامب ديفيد لمراجعة الخطط العسكرية
وبحسب بن يشاي، عقد مسؤولون كبار في البيت الأبيض، بقيادة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، اجتماعًا في منتجع كامب ديفيد مطلع تشرين الأول/أكتوبر، لمراجعة الخطط العسكرية المطروحة.
ولم يتحمس المشاركون، وفقًا للتقارير الأميركية التي أشار إليها، لفكرة شن ضربات جوية جديدة، انطلاقًا من تقديرات بأن هذه الهجمات لن تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني أو تغيير مواقفه.
وتركزت المخاوف الأميركية على الفجوة المحتملة بين حجم العملية العسكرية وكلفتها من جهة، والنتائج السياسية والاستراتيجية التي يمكن تحقيقها من جهة أخرى. فحتى في حال إلحاق أضرار إضافية بالمنشآت الإيرانية، لم يكن هناك، بحسب التقديرات الواردة في التقارير، ما يضمن أن يؤدي ذلك إلى تغيير النظام أو دفعه إلى تقديم تنازلات جوهرية.
كما أخذ المسؤولون في الحسبان احتمال أن تؤدي الهجمات إلى فتح جبهات إضافية وتوسيع نطاق الرد الإيراني، بما يجعل المواجهة أكثر تعقيدًا ويزيد الأعباء العسكرية والاقتصادية على الولايات المتحدة وحلفائها.
مخاوف من استهداف منشآت الطاقة في دول حليفة لواشنطن
وشملت المخاوف الأميركية تداعيات الرد الإيراني المحتمل، بما في ذلك استهداف منشآت النفط والغاز في دول حليفة لواشنطن، وتوسيع الهجمات لتشمل إسرائيل والأردن.
كما أخذ المسؤولون في الاعتبار احتمال استنزاف إضافي لمخزون الجيش الأميركي من الصواريخ الاعتراضية والأسلحة الدقيقة مرتفعة التكلفة، في حال اضطرت القوات الأميركية إلى التصدي لهجمات إيرانية متواصلة أو حماية مواقع وقواعد ومصالح أميركية في المنطقة.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية في ظل اتساع نطاق الأهداف المحتملة لأي مواجهة جديدة، إذ إن استهداف منشآت الطاقة أو البنية التحتية الحيوية قد يتسبب في اضطرابات تتجاوز حدود إيران وإسرائيل، وتطال دولًا أخرى في المنطقة.
ومن شأن توسيع الهجمات المتبادلة أن يفرض على واشنطن وحلفائها تخصيص موارد عسكرية إضافية للدفاع عن المنشآت الحيوية، في وقت قد لا تضمن فيه العمليات الجوية تحقيق تحول استراتيجي حاسم.
مضيق هرمز وكابلات الاتصالات ضمن الحسابات الأميركية
ومن بين السيناريوهات التي أثارت القلق الأميركي، احتمال لجوء إيران إلى إغلاق مضيق هرمز باستخدام ما تبقى لديها من طائرات مسيّرة وزوارق سريعة، بما قد يهدد حركة الملاحة وإمدادات الطاقة عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
كما تضمنت المخاوف تهديدات باستهداف كابلات الاتصالات البحرية المارة عبر مضيقي هرمز وباب المندب، والتي تشكل جزءًا أساسيًا من البنية التحتية للاتصالات والإنترنت في الشرق الأوسط وآسيا.
ويبرز إدراج هذه السيناريوهات في الحسابات الأميركية اتساع نطاق المخاطر المرتبطة باستئناف الحرب، إذ قد تمتد تداعياتها من الأهداف العسكرية المباشرة إلى حركة التجارة والطاقة وشبكات الاتصالات، بما يزيد من صعوبة احتواء التصعيد في حال اندلاعه.
وبذلك، لم تقتصر مراجعة الخطط العسكرية على تقدير قدرة الضربات الجوية على إلحاق أضرار بالمنشآت الإيرانية، بل شملت أيضًا احتمالات الرد غير المباشر، وتأثيره على المصالح الأميركية والإقليمية، والكلفة العسكرية اللازمة للتعامل معه.
تل أبيب وواشنطن تدرسان الخيارات وسط غموض بشأن المرحلة المقبلة
وتكشف التقارير عن استمرار التنسيق بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن الخيارات العسكرية تجاه إيران، بالتزامن مع تباين في الحسابات المتعلقة بتوقيت استخدام القوة وجدواها والمخاطر المترتبة عليها.
ففي حين أعدت إسرائيل قائمة موسعة من الأهداف واستعد جيشها لاحتمال استئناف المواجهة، فضلت الإدارة الأميركية عدم تنفيذ الهجمات في المرحلة الحالية، في ضوء المخاوف من محدودية نتائجها ومن تداعيات رد إيراني محتمل.
ولم يرد مكتب نتنياهو على طلبات صحيفة «فايننشال تايمز» للتعليق على التقرير، فيما امتنع الجيش الإسرائيلي أيضًا عن التعليق.
وفي ظل استمرار الاستعدادات العسكرية وتعدد الخطط التي جرى بحثها في واشنطن وتل أبيب، يبقى احتمال استئناف المواجهة مرتبطًا بتطورات المسار السياسي والحسابات الأميركية بشأن كلفة الحرب ونتائجها، من دون أن يعني وقف الخطة الحالية انتهاء الخيارات العسكرية المطروحة ضد إيران.







