وكالات- يبحث الفرنسيون الغارقون في حال من الذهول عن تفسيرات لما حدث في بلدهم، عقب الخراب الذي عمّ المدن الرئيسية في فرنسا السبت، على هامش احتجاجات حاشدة ضد "غلاء المعيشة"، وقبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية.
وفي باريس، تجدد المواجهات أمس الأحد في محيط ميدان "لا ريبوبليك" (ساحة الجمهورية) التي كانت بؤرة لأعمال العنف السبت، خلال التظاهرات التي شارك فيها 110 آلاف شخص في العاصمة، و550 ألفا على مستوى البلاد بحسب الأرقام الرسمية، وبلغ عدد المشاركين 800 ألفا بحسب الاتحاد العام للعمل (CGT).
وقال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في كلمة متلفزة وجهها إلى الفرنسيين مساء الأحد "نشعر جميعا هذا المساء بالغضب والعار"، وتعهد خلالها بمحاسبة المشاركين في عمليات النهب والتخريب.
أعلن أن رئيس الوزراء، سيباستيان لوكورنو، سيعقد اجتماعا الإثنين يضم الأحزاب والنقابات وأعضاء البرلمان والمسؤولين المحليين.
وشدد على أنه "لا شيء يبرر ولا شيء يعذر" هذا العنف الذي وصفه بأنه "غير مسبوق" و"جامح"، وأضاف "يجب أن يدفع من قاموا بالتدمير الثمن"، متعهدا بأن تتعامل الحكومة "بصرامة تامة" مع مثيري الشغب.
وقال "من غير المحتمل رؤية شوارع مدننا تتعرض للتخريب بهذا الشكل"، ووعد بتقديم "الدعم" لأصحاب المتاجر والمؤسسات التي تضررت جراء أعمال الشغب.
كما وعد ماكرون بـ"الشفافية الكاملة" حيال طريقة استجابة قوات الأمن للاحتجاجات، وذلك في أعقاب انتقادات أشارت إلى أن استعدادات الشرطة لم تكن كافية.
من جانبها، نددت زعيمة حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف، مارين لوبن، التي تُعد من أبرز المرشحين للانتخابات الرئاسية المقررة في نيسان/ أبريل وأيار/ مايو المقبلين، بما وصفته بـ"أزمة عميقة" تمثّل "تهديدا للديموقراطية"، وذلك في مقطع مصور حمل نبرة بالغة الجدية نشرته عبر حساباتها على شبكات التواصل الاجتماعي.
أما زعيم اليسار الراديكالي، جان لوك ميلانشون، الذي تتهمه الحكومة وخصومه السياسيون بتأجيج العنف، فقد دعا ماكرون إلى وضع حد لـ"حالة التدهور"، وإلى الاستجابة لمطالب الشباب.
وبحسب أحدث حصيلة صادرة عن وزارة الداخلية، اعتقلت السلطات 2,397 شخصا إثر أعمال الشغب، كما أُصيب 997 من عناصر الشرطة والدرك، سبعة منهم إصاباتهم خطيرة.
وأعلنت مديرية شرطة باريس، الأحد، اعتقال 855 شخصا في العاصمة وحدها، وهو "رقم قياسي". وبحسب النيابة العامة في باريس، لا يزال أكثر من 550 شخصا معتقلين لدى الشرطة.
30 ألف مخرب في مرسيليا
أفادت مديرية الشرطة برصد أكثر من 30 ألف شخص شاركوا في أعمال نهب في مدينة مرسيليا الساحلية جنوبي البلاد السبت.
وفي مدينة سانت إتيان في وسط فرنسا الشرقي، فقد أحد المتظاهرين يده إثر انفجار قنبلة أطلقتها الشرطة، وفق مصدر مطلع على القضية.
أما في مدينة تولوز، فقد جرى إخطار "شرطة الشرطة" (الهيئة المعنية بالتحقيق في تجاوزات قوات الأمن) بعد أن فقدت شابة إحدى عينيها.
وأشار ماكرون في كلمته، مساء الأحد، إلى أن المسؤولين المحليين قد يصل بهم الأمر إلى حظر بعض التجمعات في الأيام المقبلة، وذلك بالتنسيق مع البلديات.
وشهدت باريس الأحد اندلاع أعمال عنف متفرقة جديدة. وبحسب مصدر مطلع، نُشرت الوحدة الثامنة من قوات الأمن الجمهوري (سي آر أس 8)، وهي وحدة متخصصة في مكافحة العنف الحضري، لليوم الثاني على التوالي بالقرب من ساحة الجمهورية لتفريق تجمعات غير مرخص لها.
كما تعرض متجر واحد على الأقل لبيع الملابس للنهب في تلك المنطقة، التي كانت قد انطلقت منها المظاهرة الباريسية السبت.
واستمرت أعمال النهب والاشتباكات مع قوات الأمن وعمليات التخريب حتى وقت متأخر من ليل السبت - الأحد.
وقال رئيس بلدية باريس، إيمانويل غريغوار، إن "شوارع بأكملها تعرّضت للنهب الممنهج". وأعربت نائبته الأولى، لمياء العراجة، عن أسفها "لنقص الموارد" المتاحة للشرطة لوقف أعمال النهب.
وأدلى رئيس بلدية ليموج، غيوم غيران، بانتقادات مماثلة، معربا عن أسفه لأن الشرطة الوطنية "تفتقر إلى الموارد".
ومنذ السبت، طالب رئيس بلدية مرسيليا، بينوا بايان، الحكومة بإجابات، وقال "أريد أن أعرف ما حدث، أريد أن أعرف لماذا تمكّن الناس في هذه المدينة من التخريب من دون عقاب".
من جانبه، وعد الرئيس إيمانويل ماكرون بـ"الشفافية الكاملة" في ما يتعلق بإستراتيجية حفظ النظام.
وأعلنت رئيسة الجمعية الوطنية، يائيل برون-بيفيه، عن إنشاء لجنة تحقيق برلمانية حول أعمال العنف، ستتناول أيضا إستراتيجية حفظ النظام.
وبعد أعمال التخريب والنهب التي طالت الكثير من المباني البلدية والمتاجر في العديد من المدن التي طالتها أعمال العنف، كان الأحد مخصصا لتقييم الأضرار، وسط مشاعر الأسى والغضب.
وفي باريس، عبرت سيسيل روغ (57 عاما) عن أسفها، قائلة "إنه أمر مؤسف ومروع؛ فقد رأينا بالأمس هنا مجموعات من الشباب يعيثون نهبا وتخريبا دون أي خشية من العقاب".
وساد شعور مماثل أمام مبنى بلدية ليموج الذي انهار سقفه. وقال جان لوي، وهو متقاعد من سكان المنطقة "تزوج أبنائي هنا، وهذا يفطر القلب. يمكن للمرء أن يطرح مطالبه من دون تدمير كل شيء".
وفي وسط المدن، بادر متطوعون تلقائيا للمساعدة في إزالة مخلفات أعمال التخريب من الشوارع، في محاولة لتجاوز شعورهم بالعجز. وقالت كليمانتين (47 عاما) في مدينة ليون "استيقظت هذا الصباح... ولم أجد كلمات تصف ما حدث، لكنني أردت أن أشعر بأنني مفيدة".
تضرر 1,500 تاجرا
قدّر اتحاد التجارة والتوزيع أن 1,500 تاجرا في البلاد قد تضرروا، مع تقديرات بتسجيل أضرار بمئات ملايين اليوروهات.
وبحسب السلطات، توفي شخص كان يشارك في تظاهرة بالعاصمة إثر وعكة صحية، من دون أن يكون للأمر أي صلة بأعمال العنف أو بأي إجراء اتخذته قوات الأمن.
وقد أثارت الأزمة الفرنسية ردود فعل دولية، إذ كتب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن "فرنسا تحترق"، معتبرا أن الهجرة "حطمت" بلدا "كان عظيما يوما ما".
ومن المتوقع أن يكون هذا اليوم "نقطة تحول بلا شك"، بحسب صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" الألمانية، التي أعربت على غرار وسائل إعلام أجنبية أخرى عن صدمتها من مستوى العنف.







