القدس - كشف مؤتمر «المحافظة الوطنية»، الذي عُقد في القدس الأسبوع الماضي، عن تصدعات متزايدة داخل اليمين الأمريكي بشأن العلاقة مع إسرائيل، بعدما وجّه عدد من الشخصيات البارزة في حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» (MAGA) انتقادات حادة للتحالف القائم بين البلدين، ودعوا الإسرائيليين واليهود الأمريكيين إلى إعادة النظر في خطابهم السياسي وتوقعاتهم من حلفائهم المحافظين.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» للكاتب نيتانيل سليوموفيتش، لم تقتصر النقاشات في المؤتمر، الذي استضافته إسرائيل للمرة الأولى، على مستقبل العلاقات الثنائية، بل امتدت إلى تصاعد القومية الأمريكية، وتراجع الحماسة لدى قطاعات من الشباب المحافظين لدعم إسرائيل، والخلاف بشأن حدود التسامح مع الأصوات المتهمة بمعاداة السامية داخل اليمين.
وأظهرت مداخلات المشاركين أن التحالف بين القوميين الأمريكيين واليمين الإسرائيلي لم يعد يستند بالضرورة إلى التصورات المشتركة التي حكمته في السنوات الماضية، في ظل تزايد الأصوات التي ترفض اعتبار الدعم الأمريكي لإسرائيل التزامًا دينيًا أو سياسيًا غير قابل للنقاش.
«أمريكا أولًا».. انتقادات للتحالف مع إسرائيل
برزت هذه التوترات خلال جلسة بعنوان «اليمين الأمريكي: الجيل القادم»، شارك فيها ويليام وولف، الذي سبق أن شغل منصبًا في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويُعرف بتوجهاته القومية المسيحية.
وقال وولف إن قطاعات من اليمين الأمريكي، ولا سيما الشباب، باتت تتساءل عن جدوى استمرار انخراط الولايات المتحدة في صراعات الشرق الأوسط، وعن أسباب دعم إسرائيل بهذا القدر من الحضور في السياسة الأمريكية.
وأشار إلى أن بعض المحافظين ينظرون باستغراب إلى أعضاء في الكونغرس يضعون الأعلام الإسرائيلية أمام مكاتبهم على مدار العام، معتبرين أن هذا المشهد لا ينسجم مع شعار «أمريكا أولًا».
وأضاف أن الولايات المتحدة أنفقت، على مدى عقود، أرواحًا وموارد مالية ضخمة في الشرق الأوسط، بينما يتزايد التساؤل داخل المجتمع الأمريكي عن المصالح التي تحققها هذه الالتزامات.
كما قال إن الأمريكيين، وخصوصًا الأجيال الأصغر سنًا، يشعرون بالإرهاق من الحروب، وإنه سيحث ترامب، إذا طلب منه المشورة بشأن إيران والشرق الأوسط، على التفكير في تجنب الانخراط في مواجهة جديدة.
وبحسب التقرير، أثارت هذه التصريحات استياء بعض الحاضرين، ووصل التوتر إلى مطالبة أحد المشاركين بمغادرة القاعة، في مؤشر على حجم الخلاف بين التوقعات الإسرائيلية من المؤتمر والمواقف التي عبّر عنها عدد من ضيوفه الأمريكيين.
انتقادات لاستدعاء المحرقة واتهامات معاداة السامية
لم تقتصر الانتقادات على كلفة التحالف مع إسرائيل أو تداعيات التدخلات العسكرية الأمريكية، بل شملت أيضًا الطريقة التي يتعامل بها بعض اليهود والإسرائيليين مع الاتهامات الموجهة إلى خصومهم السياسيين بشأن معاداة السامية.
وكان جوناثان كيبرمان، الناشر الأمريكي المرتبط بالتيار القومي المتشدد، من أبرز المشاركين في هذا النقاش. ووفقًا للتقرير، سبق أن نشر كيبرمان، تحت اسم مستعار هو «لوميز»، مواد لكتّاب من التيارات القومية الألمانية والمتعصبين للبيض ومحافظين يدعون إلى استعادة النظام الملكي، قبل أن تكشف صحيفة «الغارديان» هويته في تحقيق نشرته عام 2024.
وخلال الجلسة، انتقد كيبرمان ما اعتبره استنزافًا سياسيًا ناتجًا عن توظيف المحرقة ومعاناة اليهود لتبرير دعم إسرائيل، مشيرًا إلى أن عددًا من المحافظين الأمريكيين باتوا يشككون في جدوى الشراكة الاستراتيجية مع الدولة العبرية.
من جهته، قال ماثيو بيترسون، الباحث في معهد كليرمونت وأحد الأصوات المرتبطة بالتيار المحافظ الداعم لترامب، إن كثيرًا من المسيحيين الأمريكيين يرفضون اعتبار دينهم سببًا يُلزمهم بتأييد قرارات دولة أخرى، مؤكدًا أن دعم إسرائيل لا يعني الموافقة التلقائية على سياساتها.
وأضاف بيترسون أن إدانة معاداة السامية فقدت، بحسب رأيه، جزءًا من تأثيرها لدى قطاعات من الشباب اليميني، الذين أصبحوا أقل اكتراثًا بالاتهامات السياسية والأوصاف التي تُطلق عليهم.
وفي المقابل، أثارت هذه المواقف انتقادات من شخصيات محافظة أخرى. فقد سخر السيناتور الجمهوري تيد كروز من الخطاب الذي شهدته القدس، معتبرًا أن الأمريكيين يرفضون التقليل من شأن المحرقة أو تبريرها، كما انتقد الكاتب المحافظ جيمس ليندسي مشاركة شخصيات وصفها بالتطرف في مؤتمر يُعقد بالتزامن مع ذكرى هجمات السابع من أكتوبر.
رود دريهر: عنف المستوطنين يضر بصورة إسرائيل في أمريكا
على خلاف المتحدثين الذين ركزوا على مطالبة اليهود بتغيير خطابهم، وجّه الكاتب والمعلق المحافظ رود دريهر انتقاداته إلى السياسات والممارسات الإسرائيلية نفسها، محذرًا من أن الاعتداءات التي يرتكبها مستوطنون ضد الفلسطينيين أصبحت عبئًا على صورة إسرائيل لدى الرأي العام الأمريكي.
وقال دريهر إن عددًا متزايدًا من الأمريكيين لم يعد يرى بوضوح كيف يخدم الارتباط الوثيق بإسرائيل المصالح الوطنية الأمريكية، مشددًا على أن وصف جميع المنتقدين بأنهم معادون للسامية لن يغير هذا الواقع.
وأضاف أن مشاهد الاعتداء على المزارعين الفلسطينيين، عندما تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تلحق ضررًا بالغًا بإسرائيل، حتى في أوساط الأمريكيين الذين يميلون إلى دعمها.
وقال إن إسرائيل لا تستطيع مطالبة أصدقائها الأمريكيين بمعالجة هذه المشكلة نيابة عنها، بل يتعين عليها اتخاذ إجراءات ضد المستوطنين المتطرفين، معتبرًا أن ذلك يصب في مصلحة الدولة نفسها.
وفي حديثه إلى «هآرتس»، أعرب دريهر عن قلقه من اتساع الفجوة بين إسرائيل وقطاعات من اليمين الأمريكي، موضحًا أن مقاطع الفيديو المتداولة بشأن اعتداءات المستوطنين تترك أثرًا قويًا في الجمهور، سواء كانت الوقائع موثقة بالكامل أم كانت بعض المقاطع محل خلاف.
وأشار كذلك إلى أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، ومن بينهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، تنتشر مترجمة إلى الإنجليزية بسرعة كبيرة، ما يجعل من الصعب احتواء تداعياتها على الرأي العام الأمريكي.
وشدد دريهر على أن التحولات الجارية داخل اليمين الأمريكي ليست مجرد خلافات عابرة، بل تعكس تغيرًا في مواقف شريحة من المحافظين الشباب، يتعين على الإسرائيليين وحلفائهم الأمريكيين التعامل معه بجدية.
سموتريتش وشيكلي وروثمان يتمسكون بأولويات اليمين الإسرائيلي
في المقابل، أظهرت مداخلات عدد من المسؤولين الإسرائيليين المشاركين في المؤتمر محدودية الاستعداد لتغيير السياسات التي تثير قلق بعض حلفاء إسرائيل في الولايات المتحدة.
وقال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إن من حق الولايات المتحدة اتخاذ القرارات التي تخدم مصالحها، حتى إن لم تتوافق مع الموقف الإسرائيلي، مضيفًا أن لإسرائيل الحق نفسه في اتخاذ قرارات تراها مناسبة لمصالحها الوطنية.
أما وزير شؤون الشتات عميحاي شيكلي، فدعا إلى تجاوز ما وصفه بالقيود التي تفرضها الصوابية السياسية، وشدد على أهمية التمسك بالحركات الوطنية والتصورات المحافظة للمجتمع.
وفي السياق نفسه، شارك عضو الكنيست سيمحا روثمان، المنتمي إلى التيار الصهيوني الديني، في جلسة تناولت دور القضاء، مؤكدًا مواقفه بشأن العلاقة بين القانون والعدالة، ومعتبرًا أن القوانين ينبغي أن تضمن، وفق رؤيته، انتصار ما وصفه بالخير على الشر.
ووفقًا للتقرير، لم تتناول جلسات المؤتمر بصورة موسعة التداعيات المحتملة لتباعد المواقف بين إسرائيل وبعض التيارات الأمريكية، بما في ذلك احتمالات فرض عقوبات أو انعكاسات التوتر على الاقتصاد الإسرائيلي.
يورام هازوني يسعى إلى الحفاظ على التحالف المحافظ
كان يورام هازوني، مؤسس مؤتمر «المحافظة الوطنية» وأحد أبرز منظّري القومية المحافظة في إسرائيل، من أكثر الشخصيات سعيًا إلى الحفاظ على الروابط بين اليمين الإسرائيلي ونظيره الأمريكي.
وقد اكتسب هازوني حضورًا واسعًا في أوساط اليمين الجديد بعد فوز ترامب في انتخابات عام 2016، مستندًا إلى أفكاره بشأن القومية والسيادة الوطنية، وإلى شبكة المؤتمرات التي أسسها لتقريب المحافظين والقوميين من جانبي الأطلسي.
لكن المؤتمر الأخير كشف، بحسب «هآرتس»، عن صعوبة الحفاظ على هذه الشراكة في ظل الخلافات المتزايدة بشأن إسرائيل ومعاداة السامية، فضلًا عن صعود شخصيات أمريكية تتبنى خطابًا قوميًّا أكثر تشددًا، ولا ترى في دعم إسرائيل أولوية تلقائية.
ودافع هازوني عن إمكانية التعاون بين المحافظين في بلدان مختلفة، معتبرًا أن وسائل الإعلام الليبرالية أسهمت في تكوين صور سلبية متبادلة بين جماعات سياسية يمكنها، بحسب رأيه، اكتشاف مصالح مشتركة إذا تجاوزت هذه التصورات.
وتأتي هذه المحاولات في وقت تواجه فيه الحركة المحافظة الوطنية انقسامات بشأن حدود التحالف الذي تسعى إلى بنائه، ومدى استعدادها لاستيعاب شخصيات تتعرض لاتهامات بمعاداة السامية أو الترويج لأفكار قومية متطرفة.
كيفن روبرتس وأزمة مؤسسة التراث
شكّلت أزمة مؤسسة التراث الأمريكية، إحدى أبرز المؤسسات البحثية المحافظة في الولايات المتحدة، خلفية مهمة للنقاشات التي شهدها المؤتمر.
فقد واجه رئيس المؤسسة كيفن روبرتس انتقادات حادة بعد دفاعه عن المعلق تاكر كارلسون، الذي أثارت مقابلته مع الناشط القومي المتطرف نيك فوينتيس خلافًا واسعًا داخل اليمين الأمريكي.
وتفاقم الجدل بعدما نشر روبرتس مقطع فيديو تحدث فيه عن نفوذ ما وصفه بـ«الطبقة العالمية» و«التحالف السام»، مؤكدًا أن انتقاد دولة إسرائيل لا ينبغي أن يُعد تلقائيًا معاداة للسامية. واعتبر منتقدوه أن الخطاب حمل إيحاءات معادية للسامية.
وأدت الأزمة إلى تصاعد الخلاف داخل المؤسسة، مع مغادرة باحثين وموظفين ومتبرعين، بحسب ما أورده التقرير، في حين تمسك روبرتس بموقفه وبعلاقته مع كارلسون.
وفي تطور يعكس تقاطع هذه الخلافات مع مؤتمر القدس، انضم هازوني إلى مجلس إدارة مؤسسة التراث، وسط مساعٍ لإعادة صياغة أجندة سياسية محافظة استعدادًا للمرحلة المقبلة.
ويرى التقرير أن هذه الأزمة تتجاوز خلافًا شخصيًا بين قادة اليمين، إذ تعكس صراعًا حول هوية الحركة المحافظة الأمريكية وحدود انفتاحها على التيارات القومية المتشددة، ومدى تمسكها بالعلاقة التقليدية مع إسرائيل.
من بودابست إلى القدس.. نماذج الحكم القومي في صدارة المؤتمر
لم تقتصر فعاليات المؤتمر على العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، بل استضافت شخصيات أوروبية قدمت تجاربها السياسية بوصفها نماذج للحكم القومي المحافظ.
ومن بين المشاركين بالاش أوربان، المستشار السياسي السابق لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الذي أشاد بتجربة المجر في بناء ما وصفه بالديمقراطية غير الليبرالية، معتبرًا أنها قدمت نموذجًا عمليًا لتطبيق هذا التصور في إدارة الدولة.
كما شارك الرئيس البولندي السابق أندريه دودا، الذي تولى المنصب بين عامي 2015 و2025، وتحدث عن الشراكة الاستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة في مجالات التكنولوجيا والأمن السيبراني والبحث العلمي.
وتضمنت الفعاليات أيضًا نقاشات حول القضاء والسيادة الوطنية ودور المؤسسات، في سياق يعكس تقاربًا بين بعض التيارات القومية في إسرائيل وأوروبا والولايات المتحدة، رغم اختلاف مواقفها من العلاقة مع إسرائيل.
الخلاف الأعمق: مستقبل اليمين الأمريكي ومكانة إسرائيل
أظهر مؤتمر القدس أن الخلاف داخل اليمين الأمريكي لم يعد محصورًا في تفاصيل السياسة الخارجية أو حجم المساعدات المقدمة لإسرائيل، بل بات يمتد إلى أسئلة أوسع بشأن هوية الحركة المحافظة، وحدود القومية، ودور الدين في تحديد الأولويات السياسية، والتعامل مع الأصوات المتهمة بمعاداة السامية.
وبينما سعى هازوني إلى الحفاظ على التحالف بين اليمين الإسرائيلي والمحافظين الأمريكيين، حذر دريهر من أن تجاهل عنف المستوطنين وتداعيات السياسات الإسرائيلية قد يؤدي إلى اتساع الفجوة مع الرأي العام الأمريكي.
وفي المقابل، أظهرت تصريحات وولف وكيبرمان وبيترسون أن بعض الأصوات داخل اليمين الأمريكي باتت أكثر تشككًا في الالتزام التقليدي تجاه إسرائيل، وأقل استعدادًا لقبول اتهامات معاداة السامية بوصفها ردًا على الانتقادات السياسية.
وبذلك، لم يقدم المؤتمر إجابة واضحة عن مستقبل هذا التحالف، لكنه كشف عن خلافات يصعب اختزالها في سجال عابر: هل يستطيع اليمين الإسرائيلي الحفاظ على شراكته مع حركة محافظة أمريكية تتغير أولوياتها، بينما تتصاعد داخلها النزاعات بشأن إسرائيل واليهود ومعنى القومية نفسها؟







