متابعات - تتفاقم معاناة النازحين في قطاع غزة مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل غياب المأوى الآمن ونقص مستلزمات الإيواء، وسط مخاوف من الأمطار الغزيرة والفيضانات وانهيار المباني المتضررة. وفي مواجهة هذه الظروف، تلجأ عائلات فلسطينية إلى حلول بدائية، تشمل تعبئة أكياس الدقيق الفارغة بالرمال لإقامة حواجز أمام مياه الأمطار، واستخراج قضبان الحديد من الأنقاض لتدعيم هياكل الخيام والملاجئ المؤقتة.
وسلط تقرير نشرته أخبار الأمم المتحدة، الخميس 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، الضوء على استعدادات الفلسطينيين لمواجهة شتاء جديد في ظروف معيشية بالغة الصعوبة، في وقت لا تزال فيه احتياجات الإيواء تفوق بكثير حجم المساعدات المتاحة، وسط تحديات تتعلق بالتمويل وإدخال المواد اللازمة إلى القطاع.
أكياس الدقيق تتحول إلى حواجز لمياه الأمطار
يسابق أحمد العمري، إلى جانب عدد من الشبان في قطاع غزة، الوقت للاستعداد للأمطار والفيضانات المتوقعة خلال الأشهر المقبلة، من خلال تعبئة أكياس فارغة كانت تستخدم سابقًا لنقل الدقيق، بالرمال، ووضعها حول أماكن الإيواء للحد من تسرب مياه الأمطار إلى الخيام.
وقال العمري، بحسب تقرير أخبار الأمم المتحدة، إن هذه الأكياس كانت تصل إلى السكان ضمن مساعدات الدقيق التي يحتاجون إليها لتوفير الغذاء، لكنها تحولت الآن إلى وسيلة بدائية لمحاولة حماية الخيام من الغرق، في ظل تكرار الفيضانات خلال فصول الشتاء السابقة.
وتعكس هذه الممارسات حجم النقص في مواد الإيواء المناسبة، واضطرار السكان إلى إعادة استخدام ما يتوافر لديهم من أدوات بسيطة لمواجهة الظروف الجوية القاسية، في ظل عدم قدرتهم على توفير مساكن أكثر متانة وأمانًا.
وتتزامن هذه الاستعدادات مع استمرار المخاطر المرتبطة بالحصول على المساعدات الإنسانية، إذ أشار التقرير إلى مقتل مدنيين أثناء سعيهم للحصول على الإغاثة، ما يضيف تحديات جديدة أمام الأسر التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.
مليونا شخص بحاجة إلى مساعدات إيواء
ووفقًا للمنظمة الدولية للهجرة، لا يزال نحو مليوني شخص في قطاع غزة بحاجة إلى مساعدات الإيواء، في وقت بدأت فيه الأمطار بالهطول، وسط توقعات باستمرار الظروف الجوية التي قد تزيد معاناة النازحين خلال فصل الشتاء.
ونقل تقرير الأمم المتحدة عن كارل بيكر، المنسق الإقليمي للأزمات والمسؤول عن استجابة المنظمة في غزة، تحذيره من أن حجم المساعدات التي يمكن إدخالها إلى القطاع لن يكون كافيًا لتلبية احتياجات السكان.
وأوضح بيكر أن الإمدادات المتاحة، إلى جانب المواد التي يخطط الشركاء الإنسانيون لتوفيرها، لا تغطي سوى نحو 17% من احتياجات الإيواء الخاصة بفصل الشتاء، وهو ما يثير مخاوف بشأن قدرة العائلات النازحة على مواجهة البرد والأمطار في ظل استمرار النقص.
وأشار إلى أن التمويل المخصص للعمليات الإنسانية في غزة بدأ يتراجع منذ عدة أشهر، ما أثر في قدرة المنظمات على تأمين المواد الضرورية وتوفيرها في الوقت المناسب، مضيفًا أن التمويل بدأ يصل مؤخرًا، لكنه لا يزال دون المستوى المطلوب.
كما حذر من أن استمرار الصراع الإقليمي واضطراب المسارات التجارية يؤديان إلى تأخير وصول المساعدات إلى المحتاجين، ويزيدان صعوبة توفير الإمدادات اللازمة للاستعداد لفصل الشتاء.
950 ألف نازح مهددون بالفيضانات
وتزداد المخاوف الإنسانية مع وجود نحو 950 ألف نازح في مناطق معرضة لخطر الفيضانات داخل قطاع غزة، بحسب البيانات الواردة في التقرير، في ظل تقلص المساحات المتاحة للسكان نتيجة النزوح وتدمير مساحات واسعة من القطاع.
وأوضح بيكر أن المناطق التي لا تزال متاحة لاستقرار أعداد كبيرة من السكان أصبحت محدودة، ما أدى إلى تكدس النازحين في مساحات ضيقة تفتقر إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية، ووصف الوضع بأنه تحول إلى مخيم نزوح واسع النطاق.
وتزيد إقامة الخيام في المناطق المنخفضة من احتمالات تعرضها لتجمع مياه الأمطار، خصوصًا مع تدهور شبكات تصريف المياه والصرف الصحي، وغياب وسائل الحماية المناسبة من الظروف الجوية.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الاستعدادات لفصل الشتاء لا تقتصر على توفير الخيام والأغطية، بل تتطلب أيضًا تأمين مواقع إيواء أكثر أمانًا، وتحسين تصريف المياه، وتوفير حلول تحمي النازحين من الفيضانات والمخاطر الصحية المرتبطة بها.
أكثر من 4 آلاف مبنى مهدد بالانهيار
ولا تقتصر المخاطر على الخيام والملاجئ المؤقتة، إذ يواجه أكثر من 4 آلاف مبنى في قطاع غزة خطر الانهيار، وفقًا لما أورده التقرير نقلًا عن إحاطة قدمها رامز الأكبروف، القائم بأعمال منسق الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، أمام مجلس الأمن الدولي.
وأشار الأكبروف إلى أن الأمم المتحدة تعمل مع المجتمعات المحلية لإخلاء المباني غير الآمنة، غير أن نقص البدائل يجعل كثيرًا من العائلات مضطرة إلى الاختيار بين مغادرة الأماكن التي عادت إليها أو البقاء في مبانٍ متضررة قد تشكل خطرًا مباشرًا على حياتها.
واستعاد المسؤول الأممي مشهد رجل كان يبكي وهو يشاهد هدم منزل عائلته الذي أمضى سنوات في بنائه، في صورة تعكس حجم الخسارة التي يتكبدها السكان، ليس فقط بفقدان المأوى، بل أيضًا بفقدان المنازل التي تمثل حصيلة سنوات طويلة من العمل والاستقرار.
وشدد الأكبروف على ضرورة عدم ترك سكان غزة يواجهون شتاءً آخر دون مأوى آمن وخدمات أساسية، محذرًا من أن استمرار الظروف الراهنة يضع العائلات أمام خيارات بالغة الصعوبة، في ظل محدودية الإمكانات المتاحة لإعادة تأهيل المباني وتوفير مساكن بديلة.
حديد الأنقاض يتحول إلى هياكل للخيام
وفي خان يونس جنوبي قطاع غزة، يحاول محمد برهوم وأبناؤه الاستفادة من قضبان الحديد المستخرجة من الأنقاض لتدعيم خيمة تؤوي عائلتهم النازحة من مدينة رفح، استعدادًا لمواجهة الأمطار والرياح خلال الشتاء.
ويأتي هذا الحل رغم المخاطر التي تحيط بعمليات استخراج المواد من المباني المدمرة، بما في ذلك احتمالات انهيار أجزاء من الحطام أو التعرض لمخلفات الحرب المتفجرة.
وقال برهوم إن المنطقة التي يقيم فيها تتعرض للفيضانات كل عام بسبب الأمطار الغزيرة، موضحًا أن العائلة قررت تدعيم خيمتها بقضبان حديدية، في محاولة لتحسين قدرتها على الصمود أمام الظروف الجوية، على أمل أن يكون الشتاء المقبل أقل قسوة من سابقه.
وتكشف هذه المحاولات عن اعتماد النازحين على مواد مستخرجة من المباني المدمرة لتوفير الحد الأدنى من الحماية، في ظل نقص البدائل الجاهزة وارتفاع الحاجة إلى مواد بناء أكثر متانة.
قيود على إدخال مواد الإيواء المتينة
وفي ما يتعلق بأسباب النقص، أوضح بيكر أن غالبية مواد الإيواء المتينة التي تستخدمها المنظمة الدولية للهجرة في حالات الطوارئ تندرج ضمن قائمة المواد المصنفة على أنها ذات استخدام مزدوج، التي وضعتها السلطات الإسرائيلية عام 2008.
وأضاف أن المنظمة تجري اتصالات متكررة مع السلطات الإسرائيلية للتفاوض بشأن السماح بإدخال هذه المواد إلى قطاع غزة، إلا أن كثيرًا من المستلزمات الأكثر متانة لا يزال خاضعًا للقيود المرتبطة بالمخاوف الأمنية، ما يحول دون إدخالها، بحسب المسؤول الأممي.
وأشار إلى أن المواد المؤقتة التي يُسمح بدخولها لا تتجاوز مدة صلاحيتها نحو ستة أشهر، الأمر الذي يحد من قدرتها على توفير حماية طويلة الأمد، خصوصًا في ظل تعرض العائلات للنزوح المتكرر.
وأوضح التقرير أن بعض الأسر اضطرت إلى النزوح أكثر من ثماني مرات، ما يؤدي إلى تلف مستلزمات الإيواء أو تركها وراءها عند الانتقال إلى أماكن أخرى بحثًا عن الأمان، ويزيد الحاجة إلى توفير مواد جديدة بصورة مستمرة.
وتؤدي هذه الظروف إلى تفاقم أزمة الإيواء، إذ لا يقتصر التحدي على توفير الخيام، بل يمتد إلى ضمان جودتها وقدرتها على مقاومة الأمطار والرياح، وتأمين بدائل مستقرة للعائلات التي فقدت منازلها.
المنظمات الإنسانية تكثف استعداداتها للشتاء
وأكد بيكر أن الوكالات الأممية والمنظمات غير الحكومية، إلى جانب دول من بينها مصر والإمارات العربية المتحدة، تبذل جهودًا لتوفير الدعم اللازم للفلسطينيين استعدادًا لفصل الشتاء، رغم القيود التي تواجه عمليات الإغاثة ونقص التمويل والإمدادات.
وشدد على أهمية دور الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، سواء من خلال دعم الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي للأزمة أو عبر توفير التمويل اللازم للمنظمات الإنسانية العاملة على الأرض.
وأضاف أن العاملين في المجال الإنساني داخل غزة يحاولون إيجاد وسائل تساعد السكان على الاستعداد للشتاء وتجاوز تداعياته، في ظل ظروف استثنائية تجعل تأمين الاحتياجات الأساسية مهمة شديدة الصعوبة.
وتضع التحذيرات الأممية أزمة الإيواء في صدارة التحديات الإنسانية التي تواجه قطاع غزة مع دخول موسم الأمطار، في ظل احتياج نحو مليوني شخص إلى المساعدة، وتعرض مئات الآلاف من النازحين لمخاطر الفيضانات، إلى جانب تهديد انهيار آلاف المباني المتضررة.
ومع محدودية الإمدادات واستمرار القيود على دخول مواد الإيواء المتينة، تبقى قدرة العائلات على مواجهة الشتاء مرتبطة بتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية، وتوفير التمويل الكافي، وتأمين مواد أكثر ملاءمة للظروف الجوية، إلى جانب إيجاد أماكن إقامة آمنة تحمي النازحين من البرد والأمطار ومخاطر انهيار المباني.
موقع أخبار الأمم المتحدة







