تل أبيب - كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية عن تفاصيل مقترح لصفقة شاملة بين إسرائيل وحركة «حماس» طُرح في يوليو/تموز 2024، بعد نحو 9 أشهر من اندلاع الحرب في قطاع غزة، وكان يتضمن إطلاق الأسرى الإسرائيليين، ووقف الحرب، والإفراج عن أسرى فلسطينيين، إلى جانب ترتيبات محتملة تتعلق بمذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق مسؤولين إسرائيليين وقادة من «حماس».
وبحسب ما نقلته الصحيفة عن مصادر سياسية في تل أبيب، فإن الأطراف وافقت مبدئيًا على المقترح، الذي جرى بوساطة قطرية وبمشاركة «منتدى عائلات الأسرى الإسرائيليين»، قبل أن يتراجع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عنه في اللحظة الأخيرة، وسط ضغوط نُسبت إلى وزيري اليمين المتطرف بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.
وكتب الصحافي ناحوم بارنياع، أحد كبار كتاب «يديعوت أحرونوت»، أن المقترح لم تُكشف جميع تفاصيله في حينه، وأنه تضمن، وفق المصادر التي استند إليها، مسارًا محتملًا للعفو عن نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق يوآف غالانت، مقابل خطوات نحو وقف الحرب وإحلال السلام.
ووفق التقرير، كان المقترح يتضمن أيضًا إلغاء مذكرات الاعتقال الصادرة بحق قادة «حماس» يحيى السنوار ومحمد الضيف وإسماعيل هنية، في إطار ترتيبات وصفتها الصحيفة بأنها تهدف إلى تحقيق التوازن بين الأطراف.
ونقل بارنياع عن مصدر إسرائيلي مطلع على المفاوضات قوله إن كريم خان، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية آنذاك، كان يواجه اتهامات بالتحرش الجنسي من موظفة في المحكمة، وهي اتهامات ينفيها. وأضاف المصدر أن خان افترض أن جهة إسرائيلية، ربما جهاز «الموساد»، تقف وراء الشكوى، وأنه ربما اعتقد أن اتخاذ خطوات بشأن مذكرات الاعتقال سيؤدي إلى اختفاء القضية سريعًا.
وكان خان قد زار منطقة غلاف غزة في مطلع ديسمبر/كانون الأول 2023، وأبدى استعدادًا للاستماع إلى مزيد من شهادات الإسرائيليين بشأن هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه. وذكر التقرير أن «منتدى عائلات الأسرى» تكفل بنقل أصحاب الشهادات جوًا إلى لاهاي، لكن المفاوضات المتعلقة بالمقترح لم تنته إلى اتفاق.
وأشار التقرير إلى أن الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية صوّتت في يوليو/تموز الماضي على إقالة خان على خلفية اتهامات بسوء السلوك الجنسي، التي ينفيها.
خلافات الائتلاف وتعطيل المفاوضات
وفي تحليله لأسباب انهيار المقترح، قال بارنياع إن رئيسي جهازي «الشاباك» و«الموساد» آنذاك، رونين بار وديفيد بارنياع، إلى جانب المسؤول العسكري عن ملف الأسرى والرهائن نيتسان ألون، كانوا يتعاملون مع العقبات التي تظهر خلال المفاوضات بوصفها مشكلات تستدعي حلولًا، بينما رأى نتنياهو، بحسب الكاتب، في كل عقبة فرصة لتأجيل الاتفاق.
وأضاف أن الأسرى الإسرائيليين وعائلاتهم تحملوا كلفة استمرار الحرب والمفاوضات المتعثرة، إذ قُتل بعض المحتجزين، فيما بقي آخرون في الأنفاق لفترات أطول.
وتساءل بارنياع عن سبب الكشف عن تفاصيل المقترح في هذا التوقيت، معتبرًا أنها تسلط الضوء على آلية صنع القرار داخل الحكومة الإسرائيلية. وقال إن معلومات كانت تتسرب من مكتب نتنياهو إلى سموتريتش خلال مراحل التفاوض، وإن الأخير كان يهدد بإسقاط الحكومة إذا أُبرمت صفقة، قبل أن يكرر بن غفير التهديد نفسه.
وبحسب الكاتب، كان نتنياهو يشرح للمسؤولين الأميركيين أنه لا يملك أغلبية في الكنيست تتيح تمرير الاتفاق، وأن إبرامه قد يؤدي إلى سقوط حكومته.
لكن بارنياع اعتبر أن التهديدات المتكررة بانهيار الائتلاف كانت، وفق تقديره، جزءًا من مناورة سياسية، ورأى أن سموتريتش وبن غفير لم يكونا مستعدين فعليًا لمغادرة الحكومة في وقت كانا يسعيان فيه إلى تنفيذ سياساتهما، خصوصًا في ملف الاستيطان بالضفة الغربية.
توقيت الصفقة وحسابات نتنياهو السياسية
وطرح بارنياع عدة تفسيرات محتملة لرفض نتنياهو المقترح، موضحًا أن الصفقة جاءت متأخرة بالنسبة إلى الأسرى وعائلاتهم، لكنها جاءت مبكرة من وجهة نظر رئيس الحكومة، إذ كان من الممكن تفسيرها على أنها نهاية للحرب بعد 9 أشهر فقط من هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأشار إلى أن إبرام اتفاق في ذلك الوقت كان سيطرح تساؤلات داخل إسرائيل بشأن مصير الهدف الذي أعلنته الحكومة، والمتمثل في تحقيق «النصر المطلق».
وأضاف أن الصفقة كانت ستضع نتنياهو أمام صعوبة سياسية أخرى، تتمثل في تفسير ترتيبات محتملة بشأن مذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، خصوصًا إذا ظهرت تلك الترتيبات وكأنها جرت بالتوازي مع تفاوض مع قادة «حماس» والمدعي العام للمحكمة.
وربط الكاتب موقف نتنياهو أيضًا بالتطورات السياسية في الولايات المتحدة خلال صيف 2024، حين أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن انسحابه من السباق الرئاسي، فيما تحسنت علاقة نتنياهو بالرئيس الأميركي المنتخب لاحقًا دونالد ترمب، بعد فترة من التوتر.
ورأى بارنياع أن نتنياهو لم يكن راغبًا في إبرام صفقة يمكن أن تعزز موقف بايدن ونائبته كامالا هاريس سياسيًا. وأضاف أن التحولات اللاحقة في المشهد الأميركي غيّرت حسابات رئيس الحكومة الإسرائيلية، حتى بات أكثر استعدادًا لقبول اتفاق في مرحلة لاحقة.
ووفق التقرير، فإن عودة ترمب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، وما رافقها من تغيرات في العلاقات الأميركية الإسرائيلية، أسهمت في تبدل الظروف السياسية المحيطة بالمفاوضات.
حصيلة الحرب ومآلات الانتظار
وأشار بارنياع إلى أن نتنياهو قد يرى أن الانتظار أتاح لإسرائيل تحقيق بعض الأهداف التي سعت إليها خلال الحرب، من بينها اغتيال قادة «حماس» يحيى السنوار ومحمد الضيف وإسماعيل هنية، إلى جانب انتخاب ترمب رئيسًا للولايات المتحدة وموافقته على ضرب إيران.
لكنه اختتم تحليله بتساؤلات عن حصيلة الحرب، معتبرًا أن تحقق هذه التطورات لا يحسم الجدل بشأن الأهداف المعلنة للحرب، ولا بشأن التراجع الذي قال إن مكانة إسرائيل الدولية شهدته.
ويعيد التقرير، الذي نشرته «يديعوت أحرونوت»، فتح النقاش بشأن فرص التوصل إلى اتفاق مبكر لتبادل الأسرى ووقف الحرب، ودور الحسابات السياسية الداخلية والعلاقات مع الولايات المتحدة في مسار المفاوضات، مستندًا إلى روايات مصادر لم تُكشف هويات معظمها وإلى تحليل الصحافي ناحوم بارنياع.







