القدس - كشفت شهادات أربعة جنود في جيش الاحتلال الإسرائيلي، خدموا في وحدات الاستخبارات ومنظومة الطائرات المسيّرة، عن تغييرات واسعة في قواعد إطلاق النار وتحديد الأهداف خلال الحرب على قطاع غزة، شملت تخفيف معايير الاستهداف وتوسيع استخدام الذخائر الثقيلة، وفق ما نقلته صحيفة «هآرتس» العبرية، اليوم الاثنين.
وبحسب الشهادات، أتاحت التغييرات استهداف أشخاص ذوي مستويات تنظيمية منخفضة في حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، مع قبول احتمالات مرتفعة لسقوط ضحايا مدنيين تحت تصنيف «الأضرار الجانبية». في المقابل، نفى الجيش الإسرائيلي بعض ما ورد في روايات الجنود، مؤكدًا أن تقديراته للخسائر المدنية قبل الهجمات لم تصل إلى الأعداد التي ذكروها.
إخفاق استخباراتي وتوسيع دائرة الاستهداف
وقال الجنود إن التغييرات بدأت بعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ظل إخفاق استخباراتي دفع الجيش إلى البحث عن أهداف جديدة داخل قطاع غزة.
وأوضح أحدهم أن شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان» كانت قد أوقفت، قبل الحرب بنحو عام، جمع المعلومات عن عناصر «حماس» الذين تقل رتبهم عن مستوى قائد لواء، بعدما استبعدت القيادة العسكرية احتمال شن هجوم واسع على إسرائيل.
وأضافت الشهادات أن الجيش استعان بعد اندلاع الحرب بجنود احتياط لتحديد الأهداف، رغم افتقار بعضهم إلى الخبرة الاستخباراتية اللازمة. وذكر أحد الجنود أن أشخاصًا صُنّفوا أهدافًا لمجرد نشرهم رموزًا مرتبطة بـ«حماس» على حساباتهم في «فيسبوك» أو إعلان انتمائهم إلى الحركة.
وأشار جندي آخر إلى أن دائرة الاستهداف شملت عناصر منخفضة المستوى، بينهم سائقون يعملون لدى الحركة، مع استخدام كميات كبيرة من الذخائر في بعض الهجمات.
غارة جباليا وتقديرات الخسائر المدنية
وتناولت الشهادات الغارة الإسرائيلية على مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي استهدفت إبراهيم البياري، قائد كتيبة وسط جباليا في «حماس».
وقال أحد الجنود إن الاستخبارات الإسرائيلية اعتقدت أن البياري موجود داخل نفق أسفل مبانٍ سكنية، لكنها لم تتمكن من تحديد موقعه بدقة. ووفق روايته، دفع ذلك القيادة إلى اتخاذ قرار بقصف عدة مبانٍ مأهولة من دون إخلاء السكان، خشية أن يؤدي الإخلاء إلى تمكين المستهدف من الفرار.
وأضاف جندي شارك في المهمة أن التقديرات الاستخباراتية أشارت إلى احتمال سقوط ما بين 250 و300 ضحية مدنية، ما استدعى إحالة قرار الهجوم إلى رئيس هيئة الأركان للموافقة عليه.
وبحسب الشهادة، أظهر تقييم نتائج الغارة مقتل نحو 250 شخصًا. وأعرب الجندي عن صدمته من تدمير مبانٍ مكتظة بالسكان بهدف اغتيال قائد كتيبة، قال إن الجيش لم يكن يعتبره، قبل أسابيع من الهجوم، هدفًا لجمع المعلومات الاستخباراتية.
في المقابل، رفض الجيش الإسرائيلي هذه الرواية، مؤكدًا أن تقديرات الخسائر المدنية قبل الغارة لم تصل إلى المئات، وأن التخطيط للهجوم أُعيد أكثر من مرة بهدف تقليص الأضرار المتوقعة. كما عزا انهيار مبانٍ إضافية إلى وجود أنفاق لم تكن القوات على علم بها، وشدد على أن الموافقة على الغارات تخضع لتقييمات تتعلق بمبدأ التناسب وفق القانون الدولي الإنساني.
مستويات للاستهداف وحدود الخسائر المدنية
ووفق شهادات الجنود، اعتمدت منظومة الطائرات المسيّرة مستويات متعددة لسياسة إطلاق النار، تراوحت بين استهداف التهديدات المباشرة وتوسيع دائرة الأشخاص الذين يمكن استهدافهم على أساس ارتباطهم السابق أو الحالي بحركة «حماس».
وتحدثت الشهادات عن درجات مختلفة لتقدير ما يصنفه الجيش «أضرارًا جانبية». ووفق ما نقلته «هآرتس»، سمحت إحدى هذه الدرجات بتنفيذ غارات قد تؤدي إلى إصابة ما يصل إلى 20 مدنيًا من دون الرجوع إلى مسؤول رفيع خارج غرفة الاستهداف، فيما خُصصت درجات أخرى لهجمات قد تتسبب في سقوط ما يصل إلى 40 ضحية مدنية، مع إحالة الغارات التي تتجاوز تلك الحدود إلى مستويات قيادية أعلى.
وتشير هذه الروايات إلى أن تقدير الخسائر المدنية المحتملة كان أحد العوامل المستخدمة في تحديد مستوى الموافقة المطلوب لتنفيذ الهجمات، فيما لم يقدم النص تفاصيل مستقلة تسمح بالتحقق من جميع الإجراءات التي وصفها الجنود أو نطاق تطبيقها خلال الحرب.
استهداف أشخاص قرب القوات ومنازل مهجورة
وتطرقت الشهادات إلى تعليمات ميدانية اعتبرت اقتراب أي شخص لمسافة 300 متر من القوات الإسرائيلية تهديدًا يستدعي استهدافه، رغم ما وصفه الجنود من صعوبة التمييز بين المدنيين والمسلحين عند مراقبتهم من الجو.
كما أفادوا بأن فلسطينيين دخلوا منازل مهجورة لجمع الطعام والأثاث صُنّفوا باعتبارهم تهديدًا محتملًا. وذكر أحد الجنود أن قائدًا هدد بإقصاء الجنود الذين اعترضوا على تصنيف هؤلاء الأشخاص أهدافًا عسكرية.
وتسلط هذه الإفادات الضوء على مخاوف تتعلق بمعايير التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وبكيفية تطبيق قواعد الاشتباك في بيئة مكتظة بالسكان، خصوصًا عندما تعتمد قرارات الاستهداف على المراقبة الجوية أو معلومات لا تحسم هوية الشخص المستهدف.
محاولة اغتيال علي قاضي واعتراضات داخل الجيش
وتناولت الشهادات أيضًا محاولة اغتيال علي قاضي، قائد سرية في وحدة النخبة التابعة لـ«حماس». وقال أحد الجنود إن الجيش قصف منزل قاضي أثناء وجوده مع عائلته، ثم أعلن مقتله، رغم نجاته من الغارة ومقتل أشخاص لم تكن لهم صلة بالهدف، قبل أن يُقتل في هجوم لاحق، وفق رواية الجندي.
وأشار جندي آخر إلى أن استئناف الحرب في مارس/آذار 2025 زاد من اعتراضاته الأخلاقية على عمليات الاستهداف، في ظل استمرار الهجمات على عناصر من الحركة.
وروى الجندي أن فريقه ألغى في اللحظات الأخيرة غارة كانت تستهدف أحد عناصر «حماس»، بعدما شاهده يقف مع أفراد عائلته في حديقة المنزل، وقال: «شعرت بأننا نصل إلى حدودنا الأخلاقية».
وتعكس هذه الشهادة، بحسب ما ورد في التقرير، وجود اعتراضات لدى بعض الجنود على قرارات استهداف اتُّخذت خلال الحرب، ولا سيما عندما كان احتمال إصابة أفراد من عائلات المستهدفين أو مدنيين آخرين مرتفعًا.
«كسر الصمت» تدعو إلى محاسبة المسؤولين
من جانبه، اعتبر نداف فايمان، المدير العام لمنظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية، أن السماح باحتمال مقتل 300 مدني بهدف اغتيال قائد كتيبة، أو سقوط 20 مدنيًا مقابل استهداف سائق يعمل لدى «حماس»، يتعارض مع تصريحات الجيش بشأن اتخاذ إجراءات لتجنب إيذاء المدنيين.
ودعا فايمان إلى محاسبة المسؤولين عن وضع التعليمات والقواعد التي تحدث عنها الجنود، بدلًا من ملاحقة الأشخاص الذين كشفوا تفاصيل تنفيذها.
وتعيد الشهادات، التي نشرتها «هآرتس»، طرح تساؤلات بشأن آليات تحديد الأهداف العسكرية، وحدود الخسائر المدنية التي تؤخذ في الحسبان قبل تنفيذ الغارات، ومدى الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين بموجب القانون الدولي الإنساني.







