غزة - بعد عام على سريان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لا يزال أكثر من 20 ألف مريض وجريح ينتظرون السماح لهم بالسفر لتلقي العلاج خارج القطاع، في ظل استمرار القيود المفروضة على المعابر، ما يهدد حياة آلاف الفلسطينيين الذين يحتاجون إلى تدخلات طبية عاجلة لا تتوفر داخل غزة.
وقال مدير مجمع الشفاء الطبي، محمد أبو سلمية، إن أكثر من 1344 مريضًا وجريحًا توفوا منذ بدء سريان الاتفاق في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أثناء انتظارهم العلاج أو التحويل الطبي إلى الخارج، بينهم أطفال ونساء ومسنون، ولا سيما مرضى السرطان والقلب وأمراض الدم والفشل الكلوي.
وأوضح أبو سلمية، في تصريح لوكالة الأناضول، أن الأوضاع الصحية في القطاع لا تزال «كارثية»، مؤكدًا أن وقف إطلاق النار لم يحقق انفراجة حقيقية في المنظومة الصحية، في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية والنقص الحاد في الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية.
وأضاف أن الهجمات الإسرائيلية استمرت رغم الاتفاق، وأسفرت حتى 7 سبتمبر/أيلول الماضي عن استشهاد 1344 فلسطينيًا وإصابة نحو خمسة آلاف آخرين. وأشار إلى أن عدد المرضى والجرحى الذين فقدوا حياتهم أثناء انتظار العلاج أو التحويل الطبي إلى الخارج يوازي عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا جراء الهجمات الإسرائيلية منذ بدء الاتفاق، أو يزيد عليه.
وشدد أبو سلمية على أن أكثر من 20 ألف مريض وجريح بحاجة إلى العلاج خارج القطاع، بينما تسمح سلطات الاحتلال بخروج أعداد محدودة لا تتناسب مع حجم الاحتياجات الطبية، محذرًا من أن استمرار إغلاق المعابر يفاقم المخاطر التي تهدد حياة المرضى والمصابين.
قوائم الانتظار تتجاوز 20 ألف حالة
تكشف بيانات وزارة الصحة في غزة عن فجوة واسعة بين أعداد المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج في الخارج، وأعداد الذين تمكنوا من المغادرة منذ إعادة فتح الجانب الفلسطيني من معبر رفح البري بصورة محدودة في 2 فبراير/شباط 2026.
ووفق إحصائية الوزارة، بلغ عدد المرضى والجرحى المدرجين على قوائم انتظار السفر للعلاج 20 ألفًا و719 شخصًا، بينهم 6052 حالة مصنفة ضمن الأولوية، ونحو خمسة آلاف طفل، وقرابة 1800 مسن.
وأظهرت البيانات أن إجمالي المرضى والجرحى الذين تمكنوا من السفر خلال الفترة من 2 فبراير/شباط إلى 2 سبتمبر/أيلول 2026 بلغ 2480 شخصًا، بمتوسط حسابي يقارب 12 مريضًا وجريحًا يوميًا، وهو عدد يقل كثيرًا عن حجم الاحتياجات الطبية المتراكمة في القطاع.
وكانت الترتيبات المتفق عليها تقضي بخروج 50 مريضًا و50 مرافقًا يوميًا، غير أن سلطات الاحتلال قلصت حركة السفر، بعد نحو ثلاثة أشهر من إعادة فتح المعبر بصورة محدودة، إلى ثلاثة أيام أسبوعيًا، بحسب أبو سلمية.
وأشار مدير مجمع الشفاء إلى أن الاحتلال يعزو هذا التقليص إلى إجراءات مرتبطة بمنظمة الصحة العالمية، دون صدور تعقيب رسمي من المنظمة بشأن ذلك، وفق المصدر.
ولا تقتصر معاناة المرضى على محدودية أعداد المغادرين، إذ يواجهون إجراءات أمنية مشددة خلال عبور المعبر، تشمل التفتيش الدقيق وساعات من التحقيق، بحسب إفادات وتقارير عن حركة السفر.
وكان فتح معبر رفح أمام المرضى والجرحى أحد الاستحقاقات الإنسانية المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن تنفيذه تأخر عدة أشهر، ثم اقتصر على أعداد محدودة، فيما بقي آلاف المرضى داخل القطاع بانتظار فرصة للعلاج، وسط تراجع قدرة المستشفيات على تقديم الخدمات التخصصية.
وطالب أبو سلمية الدول العربية والوسطاء بممارسة الضغط على الاحتلال لفتح المعابر وإدخال المستلزمات الطبية إلى غزة، مؤكدًا ضرورة التحرك للحفاظ على حياة المرضى والجرحى.
مستشفيات عاجزة عن تقديم العلاج التخصصي
تتفاقم أزمة إجلاء المرضى في ظل استمرار تداعيات تدمير المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية خلال الحرب الإسرائيلية، إلى جانب النقص الحاد في الأدوية والأجهزة والمستلزمات الطبية والكوادر المتخصصة.
ووفق معطيات وزارة الصحة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أخرجت الحرب 25 مستشفى من أصل 38 عن الخدمة، فيما بقيت 13 مستشفى تعمل بصورة جزئية وفي ظروف بالغة الصعوبة.
كما دمر جيش الاحتلال 103 مراكز للرعاية الصحية الأولية من أصل 157 مركزًا، بينما واصلت المراكز الـ54 المتبقية العمل بصورة جزئية.
وبعد عام على وقف إطلاق النار، لا تزال مستشفيات القطاع عاجزة عن توفير عدد من الخدمات التخصصية، تشمل جراحات الأعصاب والقلب والأوعية الدموية والمسالك البولية والعظام والعيون، إلى جانب علاجات متخصصة في أمراض الأورام والكلى وباطنة الأطفال، وفق بيانات وزارة الصحة.
ويحتاج آلاف الجرحى إلى تدخلات جراحية متتابعة وبرامج إعادة تأهيل وعلاجات غير متوفرة داخل غزة، بينما يحتاج مرضى الأمراض المزمنة والخطيرة إلى متابعة منتظمة وأدوية متخصصة، ما يجعل استمرار منعهم من الوصول إلى المراكز الطبية خارج القطاع خطرًا متزايدًا على حياتهم.
ولا تقتصر التداعيات على الحالات الحرجة التي تحتاج إلى تدخل عاجل، إذ يواجه مرضى آخرون خطر تدهور أوضاعهم الصحية بسبب تأخر التشخيص والعلاج، وتعذر إجراء الفحوصات اللازمة أو استكمال البروتوكولات العلاجية.
نقص الأدوية يضاعف معاناة المرضى
في 3 أغسطس/آب الماضي، حذرت وزارة الصحة في غزة من استمرار النقص الحاد في الأدوية والمستهلكات الطبية ومواد الفحص المخبري، ووصفت تداعيات الحرمان من الأدوية بأنها «إبادة صامتة تحصد المزيد من أرواح المرضى».
وقالت الوزارة إن نسبة العجز في الأدوية بلغت 47%، فيما وصل العجز في المستهلكات الطبية إلى 58%، وفي مواد الفحص المخبري إلى 85%.
وبحسب بيانات الوزارة، تصدرت أدوية السرطان وأمراض الدم قائمة العجز الدوائي بنسبة 61%، وسط تحذيرات من أن توقف البروتوكولات العلاجية يعرض المرضى لمضاعفات خطيرة تهدد حياتهم.
كما بلغ العجز في أدوية الرعاية الصحية الأولية 55%، وفي أدوية الكلى والغسل الدموي نحو 46%، وفي أدوية الصحة النفسية والأعصاب قرابة 35%، فيما وصل إلى 33% في أدوية الطوارئ والعناية المركزة، و39% في مستلزمات الجراحة.
وأكدت الوزارة أن هذا النقص ينعكس مباشرة على قدرة الطواقم الطبية على إنقاذ حياة المرضى وتقديم العلاج اللازم، في ظل محدودية الإمكانات وتزايد الاحتياجات الناجمة عن الحرب.
وتتداخل أزمة نقص الأدوية مع أزمة إجلاء المرضى؛ فالأشخاص الذين يتعذر عليهم السفر يواجهون صعوبة في الحصول على العلاج داخل القطاع، بينما يبقى المحتاجون إلى تدخلات طبية غير متوفرة محليًا رهائن الانتظار، مع استمرار القيود المفروضة على المعابر.
عام على وقف إطلاق النار ومعاناة المرضى مستمرة
منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، يواجه قطاع غزة تداعيات الحرب الإسرائيلية التي خلفت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، ودمارًا واسعًا في المستشفيات والبنية التحتية، فضلًا عن تراجع القدرة على تقديم الرعاية الطبية.
ورغم مرور عام على وقف إطلاق النار، لم تنتهِ معاناة آلاف المرضى الذين ينتظرون فرصة للعلاج خارج القطاع، في ظل محدودية حركة السفر ونقص الأدوية وتعطل الخدمات التخصصية.
وتعكس قوائم الانتظار، التي تضم أكثر من 20 ألف مريض وجريح، حجم الاحتياجات الطبية غير الملباة، فيما يظل فتح المعابر وتسهيل الإجلاء وإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية من أبرز المطالب لإنقاذ حياة المرضى والحد من تدهور أوضاعهم الصحية.







