سماح شاهين- مصدر الإخبارية
لم تكن المعلمة سحر أبو شبيكة تتخيل أن ينتهي درس العلوم الذي كانت تشرحه لطلابها داخل خيمة في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، برصاصة تخترق جسدها وتتركها عاجزة عن الحركة من شدة الألم، فيما يركض الأطفال مذعورين بين المقاعد البسيطة، ويحملون حقائبهم وكتبهم بعيدًا عن الدماء التي غطت معلمتهم.
في دقائق قليلة، تحولت الخيمة التي جاءت إليها لتمنح الأطفال فرصة للتعلم وسط الحرب والنزوح، إلى مشهد جديد من الخوف، وبقيت سحر على أرض الصف، بين ألم الإصابة وقلقها على طلابها.
في 30 سبتمبر/أيلول الماضي، كانت سحر، وهي أم لخمسة أطفال، بينهم توأم لم يتجاوزا الرابعة من العمر، تقف أمام طلابها في مدرسة "إشراقة الأمل" بمنطقة حي الأمل في خان يونس، وتشرح درس العلوم داخل صف مؤقت أقيم من الشوادر، في محاولة لاستمرار العملية التعليمية رغم الدمار الذي طال المدارس في القطاع.
لم يكن في المشهد ما يوحي بأن لحظة عادية كهذه ستنتهي بكارثة أطفال يجلسون أمام معلمتهم، ودرس تحاول أن تمنحهم من خلاله شيئًا من الحياة الطبيعية التي سلبتهم إياها الحرب، وسبورة ودفاتر تحاول أن تحفظ مكانًا للتعليم في مدينة أنهكها النزوح والقصف، لكن صوتًا مفاجئًا وألمًا حادًا باغتا سحر، لتجد نفسها في مواجهة خطر لم تستطع في البداية استيعاب مصدره.
في تلك الخيمة، لم تكن سحر تحمل سلاحًا أو تبحث عن مواجهة كانت تحمل درسًا وكتبًا، وتقف أمام أطفال جاؤوا إلى المدرسة ليحصلوا على حقهم في التعلم ومع ذلك، انتهى اليوم الدراسي برصاصة في جسدها، وأطفال مذعورين، ومعلمة تنتظر أن تُفتح أمامها نافذة للعلاج.
تروي سحر من سريرها في المستشفى لـ"شبكة مصدر الإخبارية" أنها شعرت فجأة بأن شيئًا غير طبيعي يحدث، قبل أن تحاول التحرك لحماية الأطفال وإبعادهم عن الخطر لم يكن تفكيرها الأول منصبًا على إصابتها أو على ما أصاب جسدها، بل على الطلاب الذين كانوا أمامها، والذين لم يدركوا في اللحظات الأولى ما الذي جرى.
تقول: "فجأة، في لحظة، شعرت أن هناك شيئًا ليس على ما يرام شعرت بألم حاد وسمعت صوتًا، فحاولت حماية الطلاب وإبعادهم حتى لا يتعرضوا للخطر".
كانت سحر تحاول أن تتصرف كمعلمة اعتادت أن تكون مسؤولة عن عشرات الأطفال، حتى في ظروف لا تشبه المدرسة التي عرفتها قبل الحرب، فالإصابة كانت أشد من قدرتها على الاحتمال، وما إن رأى الطلاب الدماء حتى تبدل المشهد أمامهم لم تعد معلمتهم تقف لتشرح لهم درسًا، بل باتت مصابة تنزف أمام أعينهم، بينما يملؤهم الخوف ولا يعرفون إلى أين يذهبون.
تستعيد سحر تلك اللحظات قائلة: "حاولت أن أحميهم، لكن عندما رأى الطلاب أنني مغطاة بالدماء خافوا وأصيبوا بالهلع، ولم أعد قادرة على السيطرة عليهم، لأنني كنت أنا أيضًا منهكة ومصابة بشدة".
فالرصاصة وحدها لم تترك أثرها في ذلك الصف كان هناك أيضًا خوف الأطفال، وارتباكهم أمام إصابة معلمتهم، والعجز الذي شعرت به سحر وهي ترى طلابها في حالة ذعر، من دون أن تستطيع مواصلة حمايتهم أو تهدئتهم كما اعتادت أن تفعل في كل يوم دراسي.
رصاصة في الحوض
دخلت الرصاصة من كتف سحر، ثم شقت طريقها إلى أسفل الجهة اليسرى من ظهرها، قبل أن تستقر في منطقة الحوض، بالقرب من نهاية الجهاز الهضمي، في موضع بالغ التعقيد.
ومنذ إصابتها، تعاني آلامًا شديدة في ساقها ومنطقة الحوض، تجعل يومها محكومًا بالأوجاع والانتظار، نُقلت إلى مجمع ناصر الطبي بعدما سمعت مديرة المدرسة صرخات الأطفال وصوت سحر، لكن وصولها إلى المستشفى لم يكن نهاية الخطر، إذ بقيت الرصاصة داخل جسدها، فيما واجه الأطباء صعوبة في التعامل معها بسبب موقعها الحساس.
تقول سحر إن الأطباء أوضحوا لها أن إزالة الرصاصة تنطوي على مخاطر، في حين أن بقاءها في مكانها ليس آمنًا أيضًا، بسبب المشكلات التي يمكن أن تسببها والألم المستمر الذي تعانيه.
وتضيف أن حالتها ليست جيدة، وأنها تعيش بين احتمالين كلاهما يثير القلق رصاصة لا تزال مستقرة داخل جسدها، وعملية إخراجها التي تحتاج إلى إمكانات طبية متخصصة لا تتوافر بالقدر المطلوب في ظل الظروف التي يعيشها القطاع.
لا تعرف سحر على وجه اليقين مصدر الرصاصة التي أصابتها ترجح أنها جاءت من جهة الأبراج أو الرافعات العسكرية، وتشير إلى أن أقرب مصدر محتمل لإطلاق النار يقع في الجهة الشرقية، قرب الحدود، على مسافة تقدر بنحو أربعة أو خمسة كيلومترات.
أما بالنسبة إليها، فإن السؤال عن مصدر الرصاصة لا يلغي السؤال الأكثر إلحاحًا كيف يمكنها التخلص منها، واستعادة قدرتها على الحركة، والعودة إلى أطفالها وحياتها التي توقفت فجأة عند ذلك الدرس؟.
خيمة يفترض أن تكون مدرسة
لم تكن المدرسة مبنى مجهزًا بجدران صلبة ونوافذ وأبواب تحمي من في داخله كانت خيمة، لا تفصل الأطفال عن العالم الخارجي سوى طبقات من القماش والشوادر وفي المكان الذي يفترض أن يحفظ لهم شيئًا من طفولتهم، لم تكن الحماية مضمونة، ولم يكن الدرس بعيدًا عن الخطر.
بعد الحادثة، عاد بعض الأطفال إلى المكان، وأخذوا يتفحصون الثقب الذي أحدثته الرصاصة في الخيمة ويلمسونه، وكأنهم يحاولون فهم ما حدث، وكيف استطاعت رصاصة أن تقطع تلك المسافة لتصل إلى معلمتهم وهي تشرح لهم الدرس.
ربما كان الثقب بالنسبة إليهم أكثر من أثر في قطعة قماش علامة مادية على لحظة لم يفهموها تمامًا، وعلى خوف رأوه في عيون بعضهم بعضًا، وعلى معلمة اعتادوا أن يجدوها واقفة أمامهم، فإذا بها تغيب عن الصف مصابة، تنتظر علاجًا يعيدها إليهم.
وفي غزة، لم تعد الخيام مجرد مأوى للعائلات التي فقدت منازلها، بل باتت أيضًا صفوفًا دراسية وعيادات وأماكن للعمل، ومساحات تحاول فيها الحياة أن تستمر رغم كل ما يهددها لكن هذه المساحات المؤقتة، مهما حملت من محاولات للتكيف، لا تستطيع أن تعوض الأمان الذي يفترض أن توفره المدارس، ولا أن تحمي من فيها من كل المخاطر.
التعليم يواجه مخاطر جديدة
تأتي إصابة سحر في وقت يواصل فيه الطلاب والمعلمون في قطاع غزة محاولاتهم لاستئناف التعليم وسط دمار واسع طال البنية التحتية التعليمية، ونزوح مئات الآلاف من العائلات، ونقص الإمكانات الأساسية.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن 93% من مباني المدارس في القطاع تحتاج إلى إصلاح كلي أو جزئي حتى تتمكن من العمل، فيما تحولت مبانٍ مدرسية أخرى إلى ملاجئ للنازحين، ما دفع الطلاب والمعلمين إلى مواصلة التعليم في خيام وأماكن مؤقتة.
وفي تقرير نشره في سبتمبر/أيلول 2026، أشار المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إلى أن أكثر من 830 معلمًا فقدوا حياتهم حتى يوليو/تموز من العام نفسه جراء الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة، إلى جانب 20,051 طالبًا.
وأشار التقرير كذلك إلى أن مئات الآلاف من الطلاب عانوا انقطاعًا طويلًا عن التعليم بسبب النزوح والمجاعة والقصف، وفقدان أفراد من عائلاتهم، وتدمير المنازل، وانقطاع الكهرباء والإنترنت، وانهيار الخدمات الأساسية.
ولا تقتصر آثار هذا الواقع على فقدان المباني المدرسية أو توقف الدروس فالتعليم الذي ينتقل من مدرسة إلى خيمة يخسر جزءًا من مقوماته، ويصبح استمرار المعلم والطالب فيه مرهونًا بما يتوافر من مساحة ودفاتر ومقاعد، وبقدرة العائلات على الوصول إلى مكان الدراسة، وبإمكانية توفير الحد الأدنى من الحماية.
ومع ذلك، كانت سحر تذهب إلى صفها، وتقف أمام الأطفال، وتحاول أن تجعل من درس العلوم فرصة لاستعادة شيء من الحياة التي عرفوها قبل الحرب لم تكن الخيمة بديلًا حقيقيًا عن المدرسة، لكنها كانت مساحة يتمسك فيها الأطفال بحقهم في التعلم، ويتمسك فيها المعلمون بدورهم رغم النزوح والإنهاك والخوف.
إلا أن الرصاصة التي أصابت سحر كشفت هشاشة هذه المحاولة، وأعادت المعلمة نفسها إلى موقع الحاجة إلى الرعاية، بعدما كانت هي التي تقدم المعرفة وتحاول حماية طلابها من الخوف.
أطفال ينتظرون عودة أمهم
لم تصل سحر إلى خان يونس من حياة مستقرة أو مكان آمن. فقد سبق أن نزحت من مدينة رفح بعدما أُرغمت على مغادرتها، تاركة وراءها ما كانت تملكه، لتبدأ رحلة أخرى برفقة زوجها وأطفالها الخمسة.
تقول إن النزوح كان قاسيًا، وإنها وصلت من دون ممتلكاتها تقريبًا، ولم تحمل معها سوى الملابس التي كانت ترتديها كان عليها أن تبدأ من جديد، وأن تحاول تدبير حياة عائلتها في ظروف قاسية، فيما يكبر أطفالها وسط الخوف وعدم الاستقرار.
وبعد النزوح، عادت سحر إلى التعليم عادت إلى الدفاتر والكتب والطلاب، وكأن الوقوف أمام الصف محاولة لاستعادة شيء من حياتها، ووسيلة لمواصلة دورها رغم كل ما خسرته عائلتها، ولم تكن تعرف أن المكان الذي عادت إليه لتعمل وتعلّم الأطفال سيصبح محطة جديدة من محطات الألم.
لم تعد سحر تقف أمام السبورة، ولم تعد تشرح درسًا أو تتابع إجابات طلابها إنها ترقد في المستشفى، تحاول احتمال ألم الرصاصة، وتنتظر فرصة للعلاج خارج القطاع.
وفي الوقت الذي تحتاج فيه إلى الرعاية الطبية، تبقى مسؤوليتها تجاه أطفالها حاضرة في تفاصيل يومها فهي أم لخمسة أطفال، بينهم طفلان توأم في الرابعة من العمر، يحتاجون إلى وجودها ورعايتها، وتحتاج هي إلى استعادة صحتها وقدرتها على الحركة والعودة إلى منزلها وعائلتها.
وتناشد سحر وزارة الصحة في غزة بالنظر في ملفها الطبي والعمل على ترتيب نقلها إلى خارج القطاع، حتى تتمكن من إزالة الرصاصة والحصول على العلاج المتخصص الذي تحتاج إليه.







