تل أبيب - تُظهر مواقف الأحزاب الإسرائيلية المتنافسة في الانتخابات انقسامًا بشأن المكانة القانونية لوثيقة الاستقلال، وإمكانية تعديل قانون القومية، وطبيعة العلاقة بين تعريف إسرائيل دولة يهودية وبين مبادئ الديمقراطية والمساواة. ففي حين تدفع أحزاب نحو إرساء دستور يستند إلى قيم الوثيقة ويحدد صلاحيات سلطات الحكم ويضمن الحقوق المدنية، ترفض أحزاب من اليمين المتطرف منحها قوة قانونية ملزمة، وتؤكد أن الهوية اليهودية للدولة تتقدم على غيرها من الاعتبارات.
وجاءت هذه المواقف ردًا على أسئلة وجهتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» إلى الأحزاب بشأن منح وثيقة الاستقلال مكانة قانونية ملزمة واعتمادها أساسًا لدستور مستقبلي، وتعديل قانون القومية، وكيفية التعامل مع أي تعارض محتمل بين الطابعين اليهودي والديمقراطي للدولة.
واختارت خمسة أحزاب عدم الرد على الأسئلة، من بينها الليكود وشاس ويهدوت هتوراه وعمخا يسرائيل، وفق المعطيات الواردة في التقرير.
أحزاب تدعو إلى دستور يستند إلى وثيقة الاستقلال
قال حزب «يَشار»، بقيادة غادي آيزنكوت، إن الاعتراف بقيم وثيقة الاستقلال سيكون أحد شروط تشكيل الحكومة بعد الانتخابات، لكنه أوضح أن ذلك لا يعني بالضرورة منح الوثيقة مباشرة مكانة دستورية وقانونية ملزمة.
واقترح الحزب التعبير عن الالتزام بالوثيقة باعتبارها النص المؤسس للدولة، من خلال إحالة قانونية مشابهة للصيغة المعتمدة في «قانون أساس: كرامة الإنسان وحريته». وبشأن قانون القومية، دعا إلى تشكيل طاقم مشترك يضم يهودًا ودروزًا وممثلين عن فئات أخرى، لبحث تعديلات تصريحية وتشريعية على القانون.
أما حزب «بياحد»، برئاسة نفتالي بينيت، فقال إن وثيقة الاستقلال ينبغي أن تشكل الفصل الافتتاحي لدستور إسرائيل، على أن يجمع الدستور بين تعريف الدولة بوصفها الوطن القومي للشعب اليهودي وضمان المساواة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع المواطنين، من دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو الجنس.
وأعلن الحزب كذلك تأييده سن «قانون أساس: التشريع»، بهدف تحديد صلاحيات الكنيست والحكومة والمحكمة، ووضع قواعد دستورية تنظم العلاقة بين سلطات الحكم.
من جهته، دعا حزب «يسرائيل بيتينو» إلى وضع دستور كامل ينظم عمل السلطات ويشمل ميثاقًا للحقوق الفردية، بما في ذلك الحق في التحرر من الإكراه الديني. واعتبر أن وثيقة الاستقلال ومبادئها يجب أن تشكل الأساس المعياري للدستور، الذي سيحل، وفق مقترحه، محل قوانين الأساس القائمة، على أن يُطرح في نهاية المسار للاستفتاء الشعبي.
غانتس يدعو إلى توافق دستوري واسع
وقال حزب «كاحول لافان»، برئاسة بني غانتس، إن منح وثيقة الاستقلال مكانة دستورية ملزمة يجب أن يأتي ضمن مسار أوسع يحظى بتوافق سياسي ومجتمعي واسع.
ويرى الحزب أن الخطوة الأولى ينبغي أن تتمثل في سن «قانون أساس: التشريع»، بما يحدد قواعد العلاقة بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وفي ما يتعلق بالتوازن بين يهودية الدولة وديمقراطيتها، رفض الحزب منح أي من المبدأين أولوية ثابتة على الآخر، داعيًا إلى وضع ضوابط وآليات لمعالجة حالات التعارض بين القيم الأساسية.
أما حزب «الديمقراطيون»، فأعلن سعيه إلى تحويل مبادئ وثيقة الاستقلال إلى أساس دستوري ملزم، يضمن الحقوق التي يرى أنها ضرورية للنظام الديمقراطي، وفي مقدمتها المساواة وحرية التعبير وحرية الدين.
ووفق موقف الحزب، ينبغي أن تشكل القيم الديمقراطية التي قامت عليها الدولة أساسًا دستوريًا ناظمًا لعمل مؤسساتها وعلاقتها بالمواطنين.
اليمين المتطرف يرفض الإلزام القانوني للوثيقة
في المقابل، رفض حزب «عوتسما يهوديت»، برئاسة إيتمار بن غفير، منح وثيقة الاستقلال قوة قانونية ملزمة، معتبرًا أنها وثيقة تاريخية وتصريحية وأخلاقية وتأسيسية، وليست دستورًا.
وقال الحزب إن الوثيقة لم تُصغ بلغة قانونية ولم يكن المقصود منها أن تكون نصًا دستوريًا ملزمًا، مضيفًا أن قوانين الأساس التي أقرها الكنيست تعكس مبادئها.
وفي حال تعارض الطابعين اليهودي والديمقراطي، شدد الحزب على أن إسرائيل قامت، وفق رؤيته، بوصفها البيت القومي والسيادي للشعب اليهودي، معتبرًا أن الديمقراطية وسيلة للحكم وإدارة الدولة وضمان الحريات المدنية، وليست هوية قومية موازية للهوية اليهودية.
واتخذ تحالف «الصهيونية الدينية–زهوت» موقفًا مشابهًا، إذ اعتبر أن وثيقة الاستقلال وثيقة تاريخية وليست قانونية، وحذّر حزب الصهيونية الدينية من أن منحها مكانة قانونية ملزمة قد يوسع صلاحيات القضاة في تفسير المبادئ الدستورية.
كما قال الحزب إنه لا يرى تعارضًا بين قانون القومية ومبدأ المساواة، ودعا إلى عدم إقرار مبادئ دستورية إضافية قبل حسم مسألة الرقابة القضائية.
أما حزب «زهوت»، برئاسة موشيه فيغلين، فتبنى موقفًا أكثر تشددًا، مؤكدًا أن إسرائيل دولة يهودية، وأن الطابع اليهودي للدولة ليس مبدأً ينبغي وضعه في مرتبة موازية لمبدأ آخر.
القائمة المشتركة تربط الدستور بالمساواة المدنية والقومية
على الجانب الآخر، أعلنت القائمة المشتركة تأييدها وضع دستور يكرّس القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطن، ويضمن قيام نظام حكم وثقافة سياسية قائمين على المساواة الكاملة.
لكنها شددت على رفض منح أي وثيقة قوة قانونية ملزمة ما لم تضمن المساواة الكاملة في الحقوق المدنية والقومية للمواطنين العرب، الذين وصفتهم بأنهم أقلية قومية أصلانية في البلاد.
وأكدت القائمة أن ممارسة اليهود حق تقرير المصير لا ينبغي أن تأتي على حساب الطابع الديمقراطي للدولة أو حقوق المواطنين العرب.
ويعكس هذا الموقف ربط القائمة بين أي إطار دستوري مستقبلي وبين الاعتراف المتساوي بالحقوق الفردية والجماعية، بدل الاكتفاء بتثبيت تعريف الدولة وهويتها القومية.
الموحدة تؤيد تعديل قانون القومية
أما القائمة العربية الموحدة، فأعلنت تأييدها منح وثيقة الاستقلال مكانة قانونية ملزمة باعتبارها الوثيقة المؤسسة للدولة والمرجعية التي تستند إليها قيمها. كما أيدت تعديل «قانون أساس: القومية» بما يكرّس مبدأ المساواة لجميع المواطنين بصورة صريحة.
وقالت القائمة إنها لا ترى تناقضًا حتميًا بين تعريف إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي وبين كونها دولة ديمقراطية تضمن المساواة الكاملة لجميع مواطنيها، مشددة على أن الهوية اليهودية للدولة لا يمكن أن تكون مبررًا للتمييز أو الانتقاص من حقوق المواطنين العرب.
وتختلف مقاربة الموحدة عن موقف القائمة المشتركة في تأكيد إمكانية الجمع بين التعريف القومي للدولة والمساواة الكاملة، فيما تربط المشتركة منح الوثائق التأسيسية قوة قانونية بضرورة تكريس المساواة المدنية والقومية للعرب بصورة واضحة.
الهوية الدستورية في قلب التنافس الانتخابي
تكشف المواقف المعلنة عن خلاف يتجاوز الصياغات القانونية لوثيقة الاستقلال أو قانون القومية، ليشمل طبيعة النظام الدستوري الذي تسعى الأحزاب إلى إرسائه، وحدود صلاحيات القضاء، وموقع المساواة في تعريف الدولة وهويتها.
فبينما تدعو أحزاب إلى دستور يحدد صلاحيات السلطات ويكرّس الحقوق الفردية، تختلف الأحزاب بشأن مدى إلزامية وثيقة الاستقلال، وما إذا كان ينبغي تعديل قانون القومية، وكيفية التعامل مع التوتر بين الهوية اليهودية والمبادئ الديمقراطية.
وتطرح القائمتان العربيتان بدورهما رؤيتين تتفقان على أهمية المساواة، لكنهما تختلفان في طريقة صياغة العلاقة بين الهوية القومية للدولة والحقوق المدنية والقومية للمواطنين العرب.
وبذلك، تبرز المسألة الدستورية بوصفها أحد محاور الخلاف السياسي في الانتخابات الإسرائيلية، في ظل تباين واضح بين من يدفع نحو تثبيت المساواة والحقوق في إطار دستوري ملزم، ومن يتمسك بأولوية التعريف اليهودي للدولة ويرفض تحويل وثيقة الاستقلال إلى مرجعية قانونية أعلى.






