تل أبيب - جدّد حزب الليكود الإسرائيلي، اليوم الأربعاء، دفاعه عن رواية رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بشأن هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مؤكدًا أنه لم يتلقَّ تحذيرًا مسبقًا من هجوم وشيك انطلاقًا من قطاع غزة، ومحمّلًا الأجهزة الأمنية مسؤولية الإخفاق في رصد المؤشرات والاستعداد للهجوم.
وجاء موقف الحزب في الذكرى الثالثة للهجوم، وسط استمرار الجدل داخل إسرائيل بشأن المسؤولية السياسية والأمنية عن الإخفاقات التي سبقته، وبعد نشر تقارير صحفية إسرائيلية وأميركية تحدثت عن تحذيرات وصلت إلى مسؤولين إسرائيليين، من بينهم نتنياهو أو مكتبه، قبل وقوع الهجوم.
وقال الليكود، في بيان، إن نتنياهو لم يتلقَّ أي إنذار مسبق بشأن هجوم لحماس من قطاع غزة، واتهم القناة 12 الإسرائيلية بنشر ما وصفه بأنه «دعاية سياسية كاذبة» تستهدف رئيس الحكومة والحزب، معتبرًا أن الغاية منها إسقاط حكم اليمين وإقامة حكومة تؤيد قيام دولة فلسطينية.
واستند الحزب إلى محاضر ووثائق قال إن نتنياهو قدّمها إلى مراقب الدولة، زاعمًا أن قادة الأجهزة الأمنية أكدوا قبل الهجوم أن حماس مردوعة وتسعى إلى الحفاظ على الهدوء في القطاع والتوصل إلى ترتيبات لتثبيت الاستقرار.
ومن بين الوثائق التي أشار إليها الليكود تقرير استخباري مؤرخ في 31 أيار/مايو 2023، ورد فيه أن حماس تبحث عن جبهات جديدة للحفاظ على استقرار غزة، وتقرير آخر بتاريخ 23 تموز/يوليو من العام نفسه، رجّح أن يتركز خطر التصعيد في الجبهة اللبنانية.
ونقل البيان عن رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، عميت ساعر، قوله في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إن رئيس حماس في غزة آنذاك، يحيى السنوار، يرغب في العودة إلى الهدوء. كما استشهد بوثيقة للشاباك مؤرخة في 3 تشرين الأول/أكتوبر، تحدثت عن إمكانية الحفاظ على الاستقرار في القطاع لفترة طويلة مقابل تقديم تسهيلات.
وزعم الليكود أن نتنياهو تلقى أول تحديث بشأن الهجوم عند الساعة 06:29 صباح السابع من أكتوبر، مضيفًا أن جهات رصدت مؤشرات خلال ساعات الليل السابقة للهجوم لكنها لم تتخذ الإجراءات اللازمة، ولم تبلغ الشرطة أو فرق الحراسة أو سكان البلدات المحاذية لغزة أو الجنود المنتشرين على السياج أو المشاركين في مهرجان «نوفا».
واعتبر الحزب أنه لو أُبلغ رئيس الحكومة بالمؤشرات في الوقت المناسب، لكان مسار الأحداث مختلفًا، في محاولة لتأكيد أن المسؤولية عن عدم التعامل مع الإنذارات تقع على الأجهزة الأمنية.
تقارير تتحدث عن تحذيرات إسرائيلية وعربية
في المقابل، تتعارض رواية الليكود مع تقارير نشرتها خلال الأشهر الماضية وسائل إعلام إسرائيلية وأميركية، بينها «هآرتس» و«يديعوت أحرونوت» و«نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» و«ذا أتلانتيك»، وتناولت تحذيرات من احتمال اندلاع مواجهة أو هجوم انطلاقًا من غزة، إضافة إلى تنبيهات بشأن تأثير الانقسام الداخلي الإسرائيلي على تقديرات خصوم إسرائيل.
وبحسب تقرير لصحيفة «هآرتس»، أجرى رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد اتصالًا بنتنياهو قبل نحو أسبوع ونصف من الهجوم، استمر قرابة 45 دقيقة، وحذره خلاله من أن السنوار يخطط لخطوة كبيرة ضد إسرائيل، قد تؤدي تداعياتها إلى زعزعة استقرار المنطقة والإضرار باتفاقيات أبراهام.
ووفقًا للتقرير، أبدى نتنياهو اعتقادًا بأن حماس قد تتجه إلى التحرك في الضفة الغربية، وقال إن إسرائيل مستعدة لمختلف السيناريوهات، فيما لم يُطلع، بحسب الرواية المنشورة، رؤساء الأجهزة الأمنية على مضمون المكالمة.
وأشارت تقارير لاحقة، نقلًا عن مصدرين تحدثا إلى «نيويورك تايمز»، إلى ما يدعم جوهر الكشف بشأن المحادثة مع بن زايد، بينما لم تنفِ الإمارات حدوثها. في المقابل، وصف نتنياهو تقرير «هآرتس» بأنه «كذب مطلق»، واتخذ إجراءات قانونية ضد الصحيفة بتهمة التشهير.
كما كشفت وثائق رسمية، بحسب التقارير المنشورة، أن نتنياهو تلقى أربعة تقارير تحذيرية من شعبة الاستخبارات العسكرية بين آذار/مارس وتموز/يوليو 2023، تناولت تداعيات الانقسام الداخلي الإسرائيلي وتراجع التماسك الاجتماعي والعسكري على نظرة خصوم إسرائيل إليها.
وأفادت إحدى الوثائق بأن أطرافًا في المنظومة الأمنية رأت أن إسرائيل تمر بأزمة حادة وغير مسبوقة تهدد تماسكها، وأن إيران وحزب الله وحماس قد ينظرون إلى هذه الأزمة باعتبارها فرصة لتعميق نقاط الضعف. ونُقل عن ساعر تحذيره من أن خصوم إسرائيل يدرسون ما إذا كانوا سيتركونها تواصل إضعاف نفسها أم سيتخذون خطوات تزيد أزمتها.
تحذيرات من الشاباك والاستخبارات المصرية
وتناولت تقارير أخرى تحذيرات من رئيس الشاباك السابق رونين بار، الذي قيل إنه أبلغ نتنياهو في 21 أيار/مايو 2023 بأن حماس تمثل التحدي المقبل، وأن مواجهة في قطاع غزة قد تصبح حتمية.
وبحسب الرواية المنشورة، رد نتنياهو حينها بالقول إن هناك ميزان ردع قويًا في مواجهة حماس. لكن مكتب رئيس الحكومة نفى لاحقًا هذه الرواية، وقال إن بار نفسه شدد خلال الاجتماع على أن الحركة مردوعة وتسعى إلى الحفاظ على الاستقرار في القطاع.
وفي تموز/يوليو 2023، وجّه بار، وفق تقارير إسرائيلية، تحذيرًا آخر من خطر اندلاع حرب، مشيرًا إلى أنه لا يستطيع تحديد يومها أو ساعتها. وذكرت التقارير أن نتنياهو وافق على إطلاع رئيس المعارضة آنذاك، يائير لبيد، على التحذير.
وقال بار لاحقًا إنه حذّر نتنياهو من كارثة وإن التحذير جرى تجاهله، معلنًا عزمه مقاضاة رئيس الحكومة على خلفية ما وصفه بحملة تحريض ضده.
وامتدت التقارير عن التحذيرات إلى مسؤولين عرب، إذ ذكرت مجلة «ذا أتلانتيك» أن رئيس الاستخبارات المصرية آنذاك، عباس كامل، زار إسرائيل قبل 11 يومًا من هجوم 7 أكتوبر، محذرًا من استعداد حماس لشن هجوم كبير. ونقل التقرير، استنادًا إلى مصادر إسرائيلية ومصرية وعربية وأميركية وأوروبية، أن كامل أشار إلى تضاؤل الفرصة المتاحة لمنع كارثة، محذرًا من أن غزة قد تنفجر في وجه إسرائيل إذا لم تغيّر سياستها.
وفي تقرير منفصل، نقلت «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين مصريين أن كامل اتصل بنتنياهو مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2023، وحذره من هجوم وشيك من قطاع غزة، وذلك بعد تحذيرين مصريين سابقين، بحسب التقرير، من مؤشرات إلى هجوم محتمل.
لكن مكتب نتنياهو نفى أن يكون رئيس الحكومة قد تلقى تحذيرًا من كامل، وقال إنه لم يلتقِ به ولم يتحدث معه خلال الأشهر التي سبقت الهجوم، كما نفى نقل أي تحذير استخباراتي من هذا النوع إلى نتنياهو.
الجدل حول المسؤولية ولجنة التحقيق
وبالتوازي مع نفي المسؤولية عن الإخفاقات، استعرض الليكود في بيانه ما وصفه بإنجازات نتنياهو خلال الحرب، بما شمل العمليات العسكرية في قطاع غزة ورفح والاغتيالات التي نفذتها إسرائيل في غزة ولبنان وإيران. كما اتهم الحزب القناة 12 بمحاولة التأثير على الرأي العام في سياق الصراع السياسي الداخلي.
ويأتي ذلك فيما لا يزال تحديد المسؤولية عن هجوم 7 أكتوبر موضع خلاف داخل إسرائيل، وسط مطالبات بتشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة تتمتع بصلاحيات كاملة لفحص القرارات والإخفاقات على المستويين السياسي والأمني.
ويركز جانب من الجدل على طبيعة التحذيرات التي سبقت الهجوم، والجهات التي تلقتها، ومدى وضوحها، وما إذا كانت قد وصلت إلى صناع القرار في الوقت المناسب، إضافة إلى الإجراءات التي اتُّخذت بناءً عليها. وفي ظل تضارب الروايات بين مكتب نتنياهو ومسؤولين أمنيين سابقين وما ورد في التقارير الصحفية، تبقى هذه المسائل محورًا أساسيًا في النقاش بشأن إخفاقات ذلك اليوم.







