رؤى قنن – شبكة مصدر الإخبارية
لم تترك ثلاث سنوات من الحرب أثرها على بيوت الغزيين ومصادر رزقهم فقط، بل غيّرت أيضًا البيئة التي يعيشون فيها ويواجهون فيها المرض يوميًا، مع النزوح والازدحام ونقص المياه وتدهور خدمات الصرف الصحي وتراجع وسائل النظافة.
وفي الخيام والمباني المتضررة، تتداخل هذه العوامل لتجعل العدوى أكثر قابلية للانتشار، فيما يجد المرضى أنفسهم أمام ظروف قد تعيد إنتاج المرض بعد تلقي العلاج.
المرض يبدأ من مكان السكن
تظهر التهابات الجهاز التنفسي الحادة، والإسهال المائي الحاد، والأمراض الجلدية والطفيليات ضمن أبرز الحالات التي تتعامل معها المرافق الصحية.
وبحسب بيانات أممية، شكّلت الأمراض المعدية 19% من أكثر من 280 ألف استشارة صحية خلال الأسبوع المنتهي في 26 سبتمبر، وكانت التهابات الجهاز التنفسي الحادة في مقدمة الحالات، تلتها أمراض الجلد والطفيليات ثم الإسهال المائي الحاد.
وشكّلت التهابات الجهاز التنفسي خلال 2026، 43.2% من الأمراض المعدية المبلّغ عنها، بينما أظهرت بيانات صحية تسجيل نحو 81 ألف حالة من الإسهال المائي الحاد خلال يناير وفبراير، بينها أكثر من 36 ألف حالة لأطفال دون الخامسة.
كما برزت الأمراض الجلدية والطفيليات في أماكن النزوح، إلى جانب ارتفاع حالات الجدري المائي، التي بلغت نحو 9300 حالة خلال أسبوعين في أكثر من 130 مرفقًا صحيًا.
«كل فترة يظهر معنا شيء جديد»
وتقول عبير أبو الندى، وهي نازحة تقيم مع أسرتها في وسط القطاع، إن المرض أصبح يتكرر داخل الأسرة بصورة لافتة.
وتضيف لشبكة مصدر الإخبارية: "قبل الحرب كنا نمرض ونذهب إلى الطبيب وتنتهي المشكلة. الآن أحيانًا نعالج الطفل من شيء، وبعد فترة قصيرة يرجع له المرض أو يصاب أخوه بالشيء نفسه. المياه قليلة، والاستحمام صعب، والخيمة لا تحمي من البرد والرطوبة".
وتشير إلى أن إصابة الأطفال تبقى الأكثر إثارة للقلق، خصوصًا مع صعوبة عزل المصاب داخل مكان سكن ضيق.
المشكلة لا تنتهي عند باب العيادة
ويقول الدكتور محمد المصري، طبيب رعاية أولية في أحد المراكز الصحية في القطاع، إن المشكلة لم تعد في المرض وحده، وإنما في البيئة التي تساعد على تكراره وانتقاله.
وأوضح لشبكة مصدر الإخبارية أن الطفل قد يتلقى العلاج، لكنه يعود إلى خيمة مزدحمة لا تتوفر فيها مياه كافية للنظافة، ما يبقي احتمالية عودة العدوى قائمة.
ويؤكد أن الوقاية من هذه الأمراض تحتاج إلى أكثر من العلاج الدوائي، وتشمل توفير مياه آمنة، وصرف صحي، وتهوية جيدة، وتقليل الاكتظاظ، وتأمين مواد النظافة والأدوية.
المياه.. أحد أخطر مسارات العدوى
ويؤكد مدير دائرة صحة البيئة والسلامة المهنية في وزارة الصحة، أيمن الرملاوي، أن الحرب خلّفت تدهورًا متراكمًا في البيئة الصحية، نتيجة تدمير شبكات المياه والصرف الصحي، وتراكم النفايات والركام، والنزوح، ونقص المياه ومواد التعقيم.
ويقول الرملاوي لشبكة مصدر الإخبارية إن هذه الظروف رفعت مخاطر تلوث المياه وانتقال العدوى المعوية، بما فيها الإسهال، والإسهال المائي الحاد، والزحار، والتيفوئيد، والتهاب الكبد الوبائي A، إلى جانب تفاقم بعض الأمراض الجلدية نتيجة نقص المياه وصعوبة النظافة.
وخلال النصف الأول من 2026، فحصت دائرة صحة البيئة 4902 عينة مياه، أظهرت 14.3% منها وجود القولونيات البرازية، فيما رُصدت بكتيريا الإشريكية القولونية في 5.5%، وكانت 75.5% من العينات غير مطابقة لمعيار الكلور الحر المتبقي.
ويشدد الرملاوي على أن هذه الأرقام تعكس وجود بؤر تلوث وفجوة في الحماية الوقائية للمياه، لكنها لا تمثل نسب إصابة السكان بالأمراض ولا مسحًا شاملًا لكل مياه القطاع.
كما يوضح أن تجمع مياه الصرف وتراكم النفايات والاكتظاظ يزيد فرص انتقال الملوثات إلى الأيدي والطعام ومصادر المياه، بينما يؤدي نقص المياه إلى إضعاف القدرة على النظافة الشخصية.
ثلاث سنوات.. والبيئة جزء من المشكلة
وبينما تتعدد الأمراض، يجمع الشاهد والطبيب والمسؤول الصحي على نقطة واحدة: المرض في غزة لم يعد منفصلًا عن المكان الذي يعيش فيه الناس.
فالمياه الملوثة، والصرف الصحي المتدهور، والاكتظاظ، والنفايات، ونقص النظافة، والبرد والرطوبة، كلها عوامل تتداخل في زيادة مخاطر العدوى وتكرارها.
ويؤكد الرملاوي أن الحرب لم ترفع المخاطر البيئية فحسب، بل أضعفت أيضًا القدرة على مواجهتها، مع تدمير مختبر الصحة العامة وفقدان معدات الفحص ونقص مواد الكلورة وصعوبة الوصول إلى مواقع التلوث.
وبعد ثلاث سنوات، تبدو المعادلة الصحية في غزة أبعد من مجرد علاج المرض؛ إذ إن الحد من تكراره يبدأ من البيئة التي يعيش فيها المريض، ومن توفير المياه الآمنة والصرف الصحي والنظافة والمأوى الملائم.







