القدس - تستعد المناطق الزراعية في الضفة الغربية لبدء موسم قطاف الزيتون خلال الأيام المقبلة، في وقت تشير فيه التقديرات الفلسطينية إلى أن محصول عام 2026 قد يكون من أفضل المواسم خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب وزارة الزراعة الفلسطينية، من المتوقع أن يبلغ إنتاج الزيتون نحو 125 كيلوغرامًا للدونم، أي ما يعادل ضعف الإنتاج أو أكثر مقارنة بالموسم السابق، نتيجة ظاهرة «المعاومة» التي تجعل الأشجار تنتج محصولًا وفيرًا في عام، قبل أن يتراجع إنتاجها في العام التالي.
لكن وفرة المحصول لا تمثل العامل الوحيد الذي يحدد مصير الموسم بالنسبة للمزارعين الفلسطينيين، إذ يتزامن بدء القطاف مع مخاوف متزايدة من اعتداءات المستوطنين، واقتلاع الأشجار، وسرقة الزيتون، إضافة إلى القيود المفروضة على وصول أصحاب الأراضي إلى بساتينهم.
ويشير تقرير لصحيفة «هآرتس» إلى أن موسم قطاف الزيتون يمثل تقليديًا فترة تتصاعد فيها اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، وأن الموسم السابق شهد مستويات غير مسبوقة من العنف وفق البيانات التي جمعتها الأمم المتحدة.
364 حادثة خلال موسم القطاف السابق
سجل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 364 حادثة عنف خلال الفترة الممتدة من أكتوبر/تشرين الأول إلى منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
وشملت الحوادث اعتداءات على فلسطينيين، وإحراق ممتلكات وبساتين، وسرقة محاصيل، وقتل حيوانات وقطع أشجار.
وتشير البيانات إلى أن وتيرة العنف واصلت الارتفاع خلال العام الحالي؛ إذ تم توثيق أكثر من 1600 حادثة عنف نفذها مستوطنون ضد فلسطينيين خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، وأسفرت هذه الحوادث عن إصابات أو أضرار في الممتلكات.
ويأتي ذلك قبل بدء موسم القطاف الجديد، ما يثير مخاوف من استمرار التصعيد خلال الأسابيع المقبلة.
ووفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، اقتُلعت نحو 28 ألف شجرة وشجيرة فلسطينية في الضفة الغربية بين موسم قطاف الزيتون في أكتوبر 2025 وسبتمبر 2026، وكانت غالبية الأشجار المتضررة من أشجار الزيتون.
المزارعون بين المحصول والاعتداءات
يواجه المزارعون الفلسطينيون وضعًا معقدًا مع اقتراب الموسم، إذ يمثل الزيتون مصدر دخل أساسيًا لمئات آلاف السكان في المناطق الريفية بالضفة الغربية.
وتزايد الاعتماد على الزراعة خلال الفترة الأخيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية، خصوصًا بعد إلغاء إسرائيل الغالبية العظمى من تصاريح العمل التي كان يحصل عليها العمال الفلسطينيون من الضفة الغربية، إلى جانب استمرار احتجاز واقتطاع أموال الضرائب الفلسطينية، وفق التقرير.
وفي الموسم الماضي، أدى الجمع بين ضعف المحصول والخوف من اعتداءات المستوطنين إلى امتناع بعض المزارعين عن الوصول إلى أراضيهم وقطاف ثمارهم.
أما في الموسم الحالي، فتبدو المعادلة مختلفة من الناحية الاقتصادية، إذ تشير التوقعات إلى محصول وفير، ما يزيد أهمية الوصول إلى البساتين وحماية الأشجار والمحاصيل بالنسبة إلى العائلات التي تعتمد على الزيتون كمصدر رئيسي للدخل.
مستوطنات وبؤر جديدة توسع نطاق المخاطر
يرتبط تصاعد المخاوف أيضًا بالتوسع في عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.
وبحسب التقرير، أُقيمت أكثر من 30 بؤرة استيطانية في مناطق B، التي تقع فيها الصلاحيات المدنية تحت إدارة السلطة الفلسطينية وفق ترتيبات أوسلو، بينها 12 بؤرة أقيمت منذ بداية العام الحالي.
كما وافقت الحكومة الإسرائيلية على تنظيم أوضاع 104 مستوطنات، إضافة إلى 127 مستوطنة كانت قائمة عند تشكيل الحكومة، فيما تنتشر أكثر من 300 بؤرة استيطانية في مراحل مختلفة من إجراءات التنظيم.
ويرى التقرير أن زيادة عدد البؤر الاستيطانية أدت إلى توسيع نطاق الاحتكاك مع الأراضي الزراعية الفلسطينية، بعدما أصبحت مساحات من البساتين تقع ضمن مجال الرؤية أو الحركة من مواقع استيطانية جديدة أقيمت على التلال المحيطة بالقرى الفلسطينية.
وفي بعض المناطق، أصبحت حركة المزارعين إلى أراضيهم أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تقع البساتين بالقرب من البؤر الاستيطانية أو الطرق التي يستخدمها المستوطنون.
ترمسعيا وأبو فلاح.. بؤر استيطانية قرب البساتين
وتبرز المنطقة الممتدة بين المغير وأبو فلاح وترمسعيا مثالًا على التغيرات التي شهدتها خريطة الاستيطان.
وتوجد في المنطقة، وفق التقرير، أربع بؤر استيطانية على الأقل، فيما أصبحت الهجمات على المركبات الفلسطينية في الطرق الرابطة بين القرى أمرًا متكررًا.
كما يواجه المزارعون صعوبات في الوصول إلى كروم الزيتون الواقعة في المناطق المفتوحة المحيطة بالبؤر.
ونقل التقرير عن أحد سكان أبو فلاح قوله إن سكان المنطقة يخشون في بعض الأحيان التوجه بمفردهم إلى أراضيهم، ويفضلون انتظار حضور ناشطين في مجال حقوق الإنسان.
وأشار إلى أن الاعتداءات لم تقتصر على منع الوصول إلى الأراضي، بل شملت أيضًا إلقاء الحجارة ورش غاز الفلفل وقطع الأشجار وسرقة الممتلكات، وفق روايته.
وبحسب التقرير، قدم سكان القرية عشرات الشكاوى للشرطة وأرفقوا بها وثائق تثبت ملكيتهم للأراضي، لكنهم يقولون إن البؤر الاستيطانية بقيت قائمة واستمر النشاط فيها.
اقتلاع الأشجار والاستيلاء على الأراضي
رصدت منظمة «كرم نبوث» أضرارًا واسعة لحقت بأشجار الزيتون في المنطقة الممتدة بين أبو فلاح والمغير وترمسعيا، إلى جانب عمليات اقتلاع واسعة في منطقة وادي شيلو.
ووفق التقرير، نُفذت بعض عمليات الاقتلاع ليلًا باستخدام الجرافات، قبل أن يجري حرث الأراضي واستغلالها زراعيًا، بما أدى إلى السيطرة على عشرات الدونمات من الأراضي الفلسطينية الخاصة، بحسب المنظمة.
ويقول التقرير إن ظاهرة اقتلاع الأشجار لم تعد مقتصرة على المستوطنين، إذ ينفذ الجيش الإسرائيلي أيضًا عمليات اقتلاع في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.
أوامر عسكرية لاقتلاع الأشجار
تجري بعض عمليات الاقتلاع التي ينفذها الجيش بموجب ما يسمى «أوامر اتخاذ إجراءات أمنية»، التي يوقعها قائد المنطقة الوسطى.
ومن الأمثلة التي أوردها التقرير عملية اقتلاع مئات أشجار الزيتون في أراضي قرية قريوت جنوب نابلس خلال ديسمبر/كانون الأول الماضي، بهدف شق طريق أمني حول مستوطنة عيلي.
وبحسب مجلس القرية، تجاوزت مساحة الأراضي التي طالتها عمليات الاقتلاع المساحة المحددة في الأمر العسكري، كما تضررت جذور الأشجار بدرجة حالت دون إعادة زراعتها.
كما أدى الطريق الأمني إلى تقييد وصول أصحاب الأراضي إلى أشجار أخرى في المنطقة.
وتستخدم السلطات الإسرائيلية هذه الأوامر أيضًا في مناطق قريبة من الجدار والطرق، حيث تقول إن إزالة الأشجار تهدف إلى منع استخدامها للاختباء من قبل مسلحين.
شمال الضفة.. منطقة رئيسية لزراعة الزيتون
وتكتسب التطورات في شمال الضفة أهمية خاصة، إذ تضم محافظات جنين وطوباس وطولكرم ونابلس وقلقيلية نحو 70% من بساتين الزيتون في الضفة الغربية، بحسب التقرير.
وتوجد بعض هذه البساتين على أراضٍ صُنفت من قبل السلطات الإسرائيلية على أنها «أراضي دولة»، وهو تصنيف يرتبط، وفق التقرير، بعدم وجود أدلة على الاستخدام الزراعي المستمر للأرض.
ويشير التقرير إلى أن الفلسطينيين واصلوا منذ عام 1967 زراعة مساحات واسعة من الأراضي وغرس أشجار الزيتون فيها، فيما قد يؤدي التوسع الاستيطاني إلى فرض قيود جديدة على وصولهم إليها.
وقد ظهرت بالفعل خلال الأيام الأخيرة تقارير عن مستوطنين وصلوا حديثًا إلى بعض المناطق وقطفوا الزيتون من بساتين محلية.
الجيش الإسرائيلي: لا تغيير في الإجراءات
ومع اقتراب انطلاق موسم القطاف، يقول الجيش الإسرائيلي إن «لا تغيير في الإجراءات»، وإنه سيعمل على تمكين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم وقطاف الزيتون.
لكن المزارعين لا يزالون يخشون أن تتحول وفرة المحصول هذا العام إلى عامل يزيد من حدة التوتر حول البساتين، في ظل تصاعد عدد البؤر الاستيطانية وارتفاع أعداد الاعتداءات المسجلة خلال العام.
وبذلك يدخل موسم الزيتون الفلسطيني لعام 2026 مرحلة حساسة، إذ يتزامن محصول متوقع أن يكون وفيرًا مع واقع أمني وسياسي يفرض تحديات إضافية على المزارعين، الذين يعتمدون على الوصول إلى أراضيهم وحماية أشجارهم لضمان مصدر رزقهم السنوي.







