القاهرة - كشف الوزير الفلسطيني السابق والأسير المحرر سفيان أبو زايدة تفاصيل قناة خلفية غير معلنة جمعت بين حركة حماس وإسرائيل، بهدف التفاوض بشأن صفقة لتبادل الأسرى، مؤكدًا أن الاتصالات بدأت في مارس/آذار 2022 واستمرت لأكثر من عام، وشهدت لقاءات أمنية ومفاوضات بشأن أسماء الأسرى والقوائم والمطالب المتبادلة.
وجاءت تفاصيل القناة الخلفية في وثائقي عرضته قناة «الغد» مساء الخميس 24 سبتمبر/أيلول، بعنوان «قبل الزلزال.. القناة الخلفية للمفاوضات بين حماس وإسرائيل»، تناول مسار الاتصالات غير المعلنة التي سبقت هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وصولًا إلى لقاء جمع أبو زايدة بقائد حركة حماس في غزة يحيى السنوار قبل نحو ثلاثة أسابيع من الهجوم.
بداية القناة الخلفية في مارس 2022
وقال أبو زايدة إن عضو المكتب السياسي لحركة حماس غازي حمد تواصل معه في منتصف مارس/آذار 2022، وطلب منه المساعدة في تحريك ملف الأسرى وإمكانية التوصل إلى صفقة تبادل.
وأوضح أن حمد أبلغه بأن المفاوضات المتعلقة بالملف متعثرة منذ أكثر من سبع سنوات، ولم تحقق تقدمًا ملموسًا، مشيرًا إلى أنه لم يوافق على الدخول في هذه القناة قبل التأكد من أن حمد يملك تفويضًا من قيادة الحركة.
وبحسب رواية أبو زايدة، فقد سأله بشكل مباشر عما إذا كان يحمل تفويضًا للتحدث في هذا الملف، فأجابه حمد بأنه حصل على موافقة يحيى السنوار، المعروف داخل الحركة باسم «أبو إبراهيم»، للتواصل معه وطلب مساعدته في تحريك الملف.
وقال أبو زايدة إن حمد زاره في منزله بعد عودته إلى غزة، وأبلغه بأن ملف الأسرى وصل إلى طريق مسدود، وأن الحركة تريد الاستعانة بخبرته في هذا المجال.
اختيار أبو زايدة كوسيط في الاتصالات
وأوضح أبو زايدة أن اختياره للمهمة ارتبط بخبرته السابقة في ملف الأسرى، إذ أمضى سنوات في السجون الإسرائيلية قبل الإفراج عنه، ثم شارك بعد اتفاق أوسلو في مفاوضات مرتبطة بقضايا الأسرى، وتولى لاحقًا منصب وزير شؤون الأسرى الفلسطينيين.
وبعد حصوله على تأكيد من حماس بشأن التفويض، قال أبو زايدة إنه تواصل مع مسؤول أمني إسرائيلي متقاعد كان قد تولى في السابق مسؤولية المفاوضات ويمثل جهاز الشاباك، وطلب منه إيصال رسالة إلى الجانب الإسرائيلي بشأن استعداد حماس لتحريك ملف الأسرى.
وأضاف أن المسؤول الإسرائيلي أجرى اتصالاته بالفعل، وبعد نحو يومين أبلغه بأن الرسالة وصلت وأن الجانب الإسرائيلي سيتواصل معه.
أول لقاء أمني في عسقلان
وفق رواية أبو زايدة، عُقد بعد ذلك أول لقاء أمني في عسقلان، حيث سأله مسؤول من مكتب رئيس جهاز الشاباك عما إذا كان مكلفًا رسميًا من حركة حماس، ومن الجهة التي منحته التفويض.
وقال أبو زايدة إنه أوضح للمسؤول الإسرائيلي أن التفويض صادر من يحيى السنوار، وأن غازي حمد كان يتواصل معه نيابة عنه.
ومع استمرار الاتصالات، انتقلت القناة الخلفية إلى مرحلة أكثر جدية، وشملت لقاءات مباشرة بين مسؤولين وشخصيات مرتبطة بملف الأسرى من الجانبين.
السنوار يحدد أولويات صفقة الأسرى
وقال أبو زايدة إنه التقى يحيى السنوار في يوليو/تموز 2022، بحضور غازي حمد وروحي مشتهى، وناقش معه الأولويات التي تريدها حماس في أي صفقة محتملة لتبادل الأسرى.
وبحسب أبو زايدة، وصف السنوار الصفقة بأنها «صفقة إنسانية»، وقال إن أولوياتها تشمل الإفراج عن جميع النساء والأسرى الذين تقل أعمارهم عن 18 عامًا، إضافة إلى أسرى صفقة جلعاد شاليط، مع إعطاء أولوية للمرضى والأسرى الفلسطينيين القدامى الذين أمضوا فترات طويلة داخل السجون الإسرائيلية.
وأضاف أبو زايدة أن السنوار شدد على أن أي اتفاق لن يحظى بموافقته ما لم يتضمن الإفراج عن عدد من الأسرى القدامى الذين قضوا سنوات طويلة في السجون.
لقاء مع رئيس الشاباك رونين بار
وأشار أبو زايدة إلى أن رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» رونين بار طلب لاحقًا لقاءه للاستماع بشكل مباشر إلى محددات حماس بشأن صفقة الأسرى.
وقال أبو زايدة إنه نقل خلال اللقاء مطالب الحركة، وفي مقدمتها إعطاء أولوية للأسرى القدامى، إلى جانب رفع القيود الإسرائيلية على الإفراج عن أسرى فلسطينيين متهمين بقتل إسرائيليين أو محكومين بأحكام مرتفعة.
وبحسب روايته، تحدث المسؤول الإسرائيلي كذلك عن إمكانية تقديم تسهيلات لقطاع غزة في حال إغلاق ملف الأسرى، بما يشمل إدخال العمال، وإعادة تأهيل شبكة الكهرباء، ودعم البنية التحتية وإعادة الإعمار.
تبادل أسماء وقوائم الأسرى
وقال أبو زايدة إن المفاوضات دخلت لاحقًا مرحلة عملية، إذ بدأ الطرفان في تبادل الأسماء والقوائم، مع وجود موافقات على بعض الأسماء واعتراضات على أسماء أخرى.
وأوضح أن اللقاءات والمفاوضات استمرت من سبتمبر/أيلول 2022 حتى سبتمبر/أيلول 2023، وشهدت فترات من التقدم والتعثر والتوقف، إلا أن قناة الاتصال ظلت مفتوحة طوال تلك الفترة.
وبحسب أبو زايدة، كانت الفجوة بين الطرفين لا تزال كبيرة؛ إذ اعتبرت قيادة حماس أن ما عُرض عليها لم يصل إلى الحد الذي يمكن أن يدفعها للموافقة على الصفقة، في حين رأت إسرائيل أن ما يمكن تقديمه في ذلك الوقت يمثل أقصى ما يمكن طرحه مقابل جثتي جنديين إسرائيليين واثنين من الإسرائيليين الذين دخلوا قطاع غزة بشكل منفصل.
لقاء 14 سبتمبر ورسالة «الزلزال»
وقال أبو زايدة إن أحد أبرز اللقاءات جرى في 14 سبتمبر/أيلول 2023، عندما التقى السنوار في غزة قبل أقل من شهر على هجوم 7 أكتوبر.
وأوضح أن اللقاء بدأ بمناقشة قضايا مرتبطة بقطاع غزة، بما في ذلك إعادة الإعمار والمشروعات، قبل الانتقال إلى ملف الأسرى. وأضاف أن السنوار أبلغه بوجود تقدم في المفاوضات، لكنه اعتبر أن هذا التقدم غير كافٍ لإبرام الصفقة.
وبحسب رواية أبو زايدة، طلب السنوار منه نقل رسالة إلى الجانب الإسرائيلي، مفادها أن الحركة ستضع قبل نهاية سبتمبر أوراقًا على الطاولة من شأنها إحداث «زلزال» في مسار المفاوضات، وأن على إسرائيل الاستعداد لما وصفه بـ«تبييض السجون».
وأكد أبو زايدة أن السنوار طلب منه نقل الرسالة كما قالها، مشيرًا إلى أنه نقلها إلى الجانب الإسرائيلي باللغتين العربية والعبرية لتجنب أي اختلاف في الترجمة أو نقل المعنى.
إسرائيل تطلب توضيحات عاجلة
قال أبو زايدة إن الجانب الإسرائيلي تواصل معه بعد أقل من نصف ساعة من نقل الرسالة، للتأكد من أن السنوار هو بالفعل صاحب الرسالة، قبل أن يطلب منه عقد اجتماع عاجل في صباح اليوم التالي.
وأضاف أنه التقى في التاسعة والنصف صباحًا بمدينة عسقلان قائد المنطقة الجنوبية ومسؤول طاقم المفاوضات الإسرائيلي، حيث سأله المسؤولون عن المقصود بعبارة «الزلزال» والأوراق التي تحدث عنها السنوار.
وبحسب أبو زايدة، سأله المسؤولون الإسرائيليون كذلك عن سياق الرسالة وما إذا كان السنوار غاضبًا أو مستفزًا أثناء اللقاء، إلا أنه أكد لهم أن السنوار كان هادئًا خلال الاجتماع.
ووصف أبو زايدة اللقاء الذي عقد في أعقاب الرسالة بأنه كان عمليًا آخر جلسة مرتبطة بمسار المفاوضات، مشيرًا إلى أنه أبلغ غازي حمد وروحي مشتهى بما جرى وبوصول رسالة السنوار إلى الجانب الإسرائيلي.
عودة أبو زايدة إلى غزة قبل 7 أكتوبر
وقال أبو زايدة إنه عاد إلى غزة من رام الله يوم الخميس 5 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وكان من المقرر أن يلتقي يحيى السنوار مجددًا يوم 8 أكتوبر.
وأضاف أن نهاية سبتمبر مرت من دون أن تظهر الأوراق التي تحدث عنها السنوار، كما لم يتم التوصل إلى صفقة تبادل أسرى.
وختم أبو زايدة روايته بالإشارة إلى أن معنى «الزلزال» ظل غير واضح حتى وقوع هجوم 7 أكتوبر، الذي جاء بعد 22 يومًا من لقائه بالسنوار في 14 سبتمبر/أيلول 2023.
ويعرض الوثائقي، من خلال شهادة أبو زايدة، تفاصيل مسار اتصالات استمر أكثر من عام، وانتقل من قناة خلفية غير معلنة إلى مفاوضات حول أسماء الأسرى وشروط الصفقة، قبل أن يتوقف المسار دون التوصل إلى اتفاق قبيل اندلاع أحداث 7 أكتوبر.







