متابعات - حذّر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد»، الخميس، من الانهيار غير المسبوق الذي أصاب اقتصاد قطاع غزة، واصفًا الأزمة الاقتصادية التي يعيشها القطاع بأنها الأشد من نوعها على مستوى العالم، في ظل الدمار الواسع الذي طال المنشآت الاقتصادية وتوقف قطاعات الإنتاج وفقدان مئات الآلاف من الوظائف.
وقال القائم بأعمال الأمين العام لـ«أونكتاد»، بيدرو مانويل مورينو، خلال مؤتمر صحافي عقده في جنيف، إن الانهيار الاقتصادي في غزة يمثل «أشد أزمة اقتصادية مسجلة في العالم»، مشيرًا إلى أن الحرب أدت إلى ضياع مكاسب تنموية تراكمت على مدى عقود.
وجاءت تصريحات مورينو خلال استعراض تقرير المنظمة الأممية حول التطورات الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والذي يرصد التداعيات الاقتصادية للحرب على قطاع غزة، إلى جانب الأزمة المالية والاقتصادية المتفاقمة في الضفة الغربية المحتلة.
تدمير واسع للمنشآت الاقتصادية
وبحسب التقرير، تضررت أو دُمّرت 92% من المنشآت الاقتصادية في قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، في مؤشر على حجم الضرر الذي أصاب القاعدة الإنتاجية والتجارية للقطاع.
ويشير التقرير إلى أن الدمار الاقتصادي لم يقتصر على المنشآت التجارية والصناعية، بل امتد إلى مختلف القطاعات الإنتاجية، بما أدى إلى تعطيل النشاط الاقتصادي وتراجع القدرة على توفير فرص العمل والدخل للسكان.
وتأتي هذه الخسائر في وقت يعيش فيه قطاع غزة، الذي يقطنه نحو مليوني نسمة، تداعيات حرب واسعة النطاق تسببت في دمار كبير للبنية التحتية والمباني والمنشآت، إلى جانب نزوح الغالبية العظمى من السكان.
212 دولارًا فقط نصيب الفرد من الناتج المحلي
وأظهر تقرير «أونكتاد» حجم التراجع الحاد في مستوى النشاط الاقتصادي، مشيرًا إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في غزة بلغ 212 دولارًا خلال عام 2025، بما يعادل نحو 0.58 دولار يوميًا للفرد.
ويعكس هذا الرقم، وفق معطيات التقرير، الانكماش الشديد الذي أصاب الاقتصاد المحلي وتراجع القدرة الإنتاجية والدخل، في وقت تعتمد فيه أعداد كبيرة من سكان القطاع على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
انهيار الزراعة والصناعة
وقال منسق برنامج مساعدة الشعب الفلسطيني لدى «أونكتاد»، معتصم الأقرع، إن ثلثي سكان غزة كانوا يعانون من الفقر قبل الحرب، بينما أصبح جميع سكان القطاع، وفق تعبيره، يعانون حاليًا من «الفقر متعدد الأبعاد».
وأشار الأقرع إلى أن الإنتاج الزراعي في القطاع تراجع بنسبة 94%، موضحًا أن ما تبقى من الأراضي الزراعية الصالحة للاستخدام والتي يمكن الوصول إليها لا يتجاوز 1.5%.
ولم يكن القطاع الصناعي بمنأى عن الانهيار؛ إذ أفاد الأقرع بأن الإنتاج الصناعي انخفض بدوره بنسبة 94%.
وأشار إلى أن سكان القطاع باتوا يعتمدون بشكل كامل على المساعدات الغذائية الإنسانية، في ظل تعطل قطاعات الإنتاج وتدمير مساحات واسعة من البنية الاقتصادية والزراعية والصناعية.
أكثر من 90% من السكان في سن العمل بلا وظائف
ورصد تقرير «أونكتاد» تداعيات الانهيار الاقتصادي على سوق العمل، مشيرًا إلى فقدان مئات الآلاف من الوظائف منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ووفق التقرير، أصبح أكثر من 90% من السكان في سن العمل دون وظائف، في ظل توقف قطاعات واسعة من الاقتصاد وتدمير المنشآت وتعطل النشاط التجاري والإنتاجي.
ويزيد فقدان فرص العمل من حدة الأزمة الإنسانية، إذ أدى انهيار مصادر الدخل إلى اتساع نطاق الفقر والاعتماد على المساعدات، في وقت تراجعت فيه قدرة الاقتصاد المحلي على استيعاب العمالة أو توفير فرص جديدة.
خسائر تنموية تراكمت على مدى عقود
وقال مورينو إن الحرب أدت إلى فقدان مكاسب تنموية تراكمت على مدى عقود، معتبرًا أن حجم الضرر الاقتصادي يتجاوز الخسائر المباشرة في المنشآت والممتلكات، ليطال القدرة الإنتاجية ومستقبل التنمية الاقتصادية في القطاع.
ويشير التقرير، في هذا السياق، إلى أن إعادة بناء اقتصاد غزة لن تقتصر على إعادة تأهيل المباني والمنشآت المدمرة، وإنما ستتطلب استعادة قطاعات الإنتاج وفرص العمل والبنية الاقتصادية التي تضررت بشدة خلال الحرب.
الأزمة لا تقتصر على غزة
ولم يقتصر تقرير «أونكتاد» على قطاع غزة، بل تناول أيضًا التطورات الاقتصادية والمالية في الضفة الغربية المحتلة.
ويوثق التقرير، بحسب المنظمة الأممية، تراجع إمكانية الوصول إلى الأراضي والموارد الطبيعية، في سياق مرتبط بتوسع المستوطنات الإسرائيلية.
كما حذّر التقرير من تداعيات الأزمة المالية التي تواجه الحكومة الفلسطينية، وما تسببه من ضغوط متزايدة على القطاع المصرفي والاقتصاد الفلسطيني عمومًا.
مخاطر على القطاع المصرفي الفلسطيني
وقال الأقرع إن الحكومة الفلسطينية اضطرت إلى الاقتراض من البنوك الخاصة لتغطية احتياجاتها المالية، وهو ما عرّض القطاع المصرفي لما وصفه بـ«مخاطر مزدوجة»، من بينها احتمال التعثر عن السداد.
وحذّر من أن تفاقم هذه المخاطر قد يؤدي إلى أزمة تتجاوز القطاع المالي، وتمتد آثارها إلى الاقتصاد الفلسطيني بمختلف مكوناته.
وقال إن مثل هذه الأزمة يمكن أن تؤثر في «كافة جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتجارية».
اقتصاد غزة أمام تحديات إعادة الإعمار
وتأتي تحذيرات «أونكتاد» في ظل أزمة اقتصادية وإنسانية واسعة النطاق خلّفتها الحرب في قطاع غزة، حيث أدى الدمار الواسع والنزوح وتعطل قطاعات الإنتاج إلى تقليص القدرة الاقتصادية للسكان والمؤسسات على حد سواء.
وبينما تتركز الجهود الدولية على معالجة الاحتياجات الإنسانية العاجلة، تبرز الأرقام التي أوردها التقرير حجم التحدي الاقتصادي طويل الأمد، بدءًا من إعادة بناء المنشآت والبنية الإنتاجية، وصولًا إلى استعادة فرص العمل وتحريك الزراعة والصناعة والتجارة.
ويشير التقرير بذلك إلى أن التداعيات الاقتصادية للحرب لا تتوقف عند الخسائر الحالية، وإنما تمتد إلى مسار التنمية وفرص التعافي الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في ظل الحاجة إلى موارد وإجراءات واسعة لإعادة بناء ما دُمّر واستعادة النشاط الاقتصادي.







