تل أبيب - أعاد تحقيق نشرته «واي نت» فتح ملف الأموال القطرية التي كانت تدخل إلى قطاع غزة، من خلال فحص وثائق استخباراتية ووثيقة قدمها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى مراقب الدولة بشأن الأحداث التي سبقت هجوم 7 أكتوبر.
ويتركز الجدل حول روايتين متباينتين. الأولى، وفق التحقيق، ترى أن أجهزة أمنية واستخباراتية حذرت على مدى سنوات من مخاطر تحويل الأموال القطرية إلى غزة واحتمال وصول جزء منها بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الجناح العسكري لحركة حماس. أما الرواية التي قدمها نتنياهو ومكتبه فتؤكد أن الأموال كانت موجهة للاحتياجات المدنية والإنسانية، وأن رئيس الوزراء لم يتلقَّ تحذيرات تثبت أن المنحة نفسها أصبحت مصدرًا رئيسيًا لتمويل القدرات العسكرية لحماس.
وثيقة الموساد.. قراءة مختلفة للتحذير
ويستند التحقيق إلى وثيقة أعدتها مديرية الاستخبارات في الموساد في سبتمبر/أيلول 2023، ووصلت إلى نتنياهو في 21 سبتمبر، وتناولت سياسة حماس في زيادة الضغط على حدود قطاع غزة بهدف الحصول على مكاسب مدنية واقتصادية من إسرائيل ومصر وقطر.
وكان نتنياهو قد استشهد بجزء من الوثيقة في روايته للأحداث السابقة لهجوم 7 أكتوبر، مشيرًا إلى أن التقييم الاستخباراتي آنذاك رأى أن قيادة حماس كانت حذرة وتسعى إلى تجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل.
لكن «واي نت» يقول إن قراءة الوثيقة كاملة تقدم صورة أكثر تعقيدًا، إذ تشير إلى أن الحركة كانت تسعى في الوقت نفسه إلى زيادة الضغط تدريجيًا للحصول على مكاسب اقتصادية ومدنية، وأن استمرار تقديم التنازلات لها قد يعزز اعتقادها بفاعلية هذا الأسلوب.
وبحسب التحقيق، تضمنت الوثيقة تحذيرًا من أن استمرار تقديم مكاسب سريعة لحماس عبر قنوات الوساطة قد يشجع الحركة على مواصلة سياسة الضغط، بينما أوصت، في المقابل، بالإصرار على إعادة الوضع إلى ما كان عليه ورفض تقديم مكاسب إضافية إلى حين توقف العنف.
ويؤكد التحقيق أن الوثيقة لم تكن تحذيرًا من هجوم 7 أكتوبر تحديدًا، وأن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أخفقت، إلى جانب أجهزة أمنية أخرى، في توقع الهجوم وخطة يحيى السنوار. لكنه يعتبر أن مضمون الوثيقة يتعارض مع تقديم الوضع في غزة آنذاك باعتباره مستقرًا بالكامل.
الخلاف حول طبيعة الأموال القطرية
ويعود الجدل إلى عام 2018، عندما بدأت آلية إدخال الأموال القطرية إلى قطاع غزة بهدف دعم الاحتياجات المدنية، بما في ذلك دفع رواتب موظفين وتقديم مساعدات للسكان.
وبحسب التحقيق، عارض مسؤولون في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية آلية تحويل الأموال نقدًا، وطالبوا بإيجاد بدائل أكثر خضوعًا للرقابة، من بينها تحويل الأموال عبر السلطة الفلسطينية أو تقديم المساعدة في صورة سلع ووقود.
ويشير التحقيق إلى أن رئيس جهاز الموساد السابق ديدي برنياه كان من بين المسؤولين الذين أبدوا تحفظات على الآلية، بينما استقال وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك أفيغدور ليبرمان عام 2018 بعد خلافات مع نتنياهو حول سياسة التعامل مع حماس وتحويل الأموال إلى قطاع غزة.
كما يستشهد التحقيق بمواقف منسوبة إلى رئيس الموساد السابق يوسي كوهين، الذي قيل إنه خلص لاحقًا إلى أن آلية الأموال القطرية خرجت عن السيطرة، وأن جزءًا منها وصل إلى الجناح العسكري لحماس.
وثائق استخباراتية عن تحويل الأموال
ومن أبرز ما يستند إليه التحقيق وثائق استخباراتية تعود إلى عامي 2020 و2021، قال إنها أشارت إلى تحويل حماس نحو 4 ملايين دولار شهريًا من ميزانيتها العامة لتمويل جناحها العسكري خلال فترة محددة.
وبحسب «واي نت»، فإن وثائق الشاباك والاستخبارات العسكرية تحدثت كذلك عن مخاطر مرتبطة بوصول أموال قطرية إلى عناصر أو قنوات مرتبطة بالجناح العسكري للحركة.
ويقول التحقيق إن هذه المعطيات وصلت إلى المستوى السياسي، وإن نتنياهو طلب في إحدى الحالات توضيحات بشأن المعلومات المتعلقة بتحويل الأموال.
لكن مجرد وجود تقارير استخباراتية حول تحويل الأموال لا يثبت، بمفرده، أن كامل المنحة القطرية كانت مخصصة لتمويل الجناح العسكري، كما أن حجم الأموال التي وصلت إلى الجناح العسكري وطريقة استخدامها يظل موضوعًا لخلاف بين الروايات الإسرائيلية المختلفة.
وثيقة نتنياهو أمام مراقب الدولة
ويخصص التحقيق جزءًا أساسيًا من عرضه لوثيقة قدمها نتنياهو إلى مراقب الدولة، والتي تتضمن روايته للأحداث التي سبقت 7 أكتوبر.
ويقول التحقيق إن الوثيقة ليست محضرًا كاملًا لاجتماعات الحكومة أو مجلس الوزراء، وإنما رد قدمه رئيس الوزراء على أسئلة مراقب الدولة، ويتضمن أجزاء اختار نتنياهو السماح بنشرها.
ويرى معدو التحقيق أن نشر صفحات محددة من الوثيقة قد يعطي انطباعًا مختلفًا عن قراءة الوثيقة كاملة، مشيرين إلى أن صفحات لاحقة تتضمن اعترافات بوجود تحويلات مالية إلى الجناح العسكري لحماس، إلى جانب الإشارة إلى تحذيرات استخباراتية ومقترحات لتغيير آلية تحويل الأموال.
الجدل حول الـ60 مليون دولار
ومن بين الأرقام التي يناقشها التحقيق مبلغ يقارب 60 مليون دولار، قال إن وثيقة نتنياهو تشير إلى تحويله بصورة غير مباشرة إلى الجناح العسكري لحماس خلال الفترة بين مارس/آذار 2020 ومايو/أيار 2021، بمعدل يقارب 4 ملايين دولار شهريًا.
ويجادل التحقيق بأن مقارنة هذا الرقم بإجمالي الأموال التي دخلت قطاع غزة خلال الفترة نفسها لا تعكس بالضرورة أهميته بالنسبة إلى ميزانية الجناح العسكري لحماس، لأن المقارنة تشمل جميع الأموال الموجهة إلى الاقتصاد المدني في القطاع.
ويضيف التحقيق أن مصادر استخباراتية قدمت تقديرات تفيد بأن الأموال التي وصلت عبر هذا المسار شكلت نسبة كبيرة من ميزانية الجناح العسكري خلال تلك السنوات، إلا أن هذه النسب والتقديرات تظل منسوبة إلى مصادر التحقيق ولا تمثل رقمًا رسميًا منشورًا من جهة مستقلة.
رواية الليكود ومكتب نتنياهو
وجاء التحقيق في أعقاب حملة رد إعلامية من جانب الليكود ومكتب رئيس الوزراء، بعد نشر تحقيقات حول الأموال القطرية.
وبحسب «واي نت»، نشر المتحدث باسم الليكود جاي ليفي مقتطفًا من وثيقة نتنياهو، معتبرًا أن الوثائق تظهر أن رئيس الوزراء عارض إدخال الأموال القطرية وأن مسؤولين في المؤسسة الأمنية حذروه من أن وقفها قد يؤدي إلى تصعيد في قطاع غزة.
ورد التحقيق بأن قراءة الوثيقة كاملة، وفق روايته، لا تؤيد هذا الاستنتاج بصورة كاملة، وأن بعض الصفحات التي لم تُنشر في الحملة الإعلامية تتضمن إشارات إلى مطالب أمنية بتغيير آلية تحويل الأموال بدلًا من وقف المساعدات المدنية بصورة شاملة.
مكتب نتنياهو يرفض الاتهامات
في المقابل، رفض مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ما ورد في التحقيق، ووصفه بأنه إعادة طرح لادعاءات سبق الرد عليها.
وقال المكتب إن جميع رؤساء المؤسسة الأمنية دعموا المنحة القطرية باعتبارها موجهة للاحتياجات المدنية والإنسانية، وإن الأموال لم تكن مخصصة لتمويل الجناح العسكري لحماس.
كما تمسك مكتب نتنياهو بأن المنحة القطرية شكلت نسبة محدودة جدًا من إجمالي الأموال التي دخلت قطاع غزة، معتبرًا أن حماس كانت تمتلك مصادر تمويل أخرى وأنها استخدمت تلك المصادر لبناء قدراتها العسكرية.
وبذلك يبقى جوهر الخلاف قائمًا حول نقطتين أساسيتين: مدى معرفة المستوى السياسي الإسرائيلي بتحويل أجزاء من الأموال إلى الجناح العسكري لحماس، ومدى تأثير استمرار آلية التمويل القطرية على بناء القوة العسكرية للحركة قبل هجوم 7 أكتوبر.
ويعيد نشر هذه الوثائق النقاش إلى مسألة أوسع تتعلق بالسياسة التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تجاه قطاع غزة، بين تقديم مساعدات مدنية عبر قنوات قطرية بهدف الحفاظ على الهدوء، وبين التحذيرات الأمنية من أن استمرار هذه الآلية قد يوفر لحماس موارد يمكن إعادة توجيهها لأغراض عسكرية.
وفي ظل استمرار الخلاف حول تفسير الوثائق وتقدير حجم الأموال التي وصلت إلى الجناح العسكري، تبقى القراءة الكاملة للوثائق وشهادات المسؤولين والنتائج الرسمية لأي تحقيقات مستقبلية عناصر أساسية لتحديد المسؤوليات بدقة.







