تل أبيب - أثار اتساع القيود الأوروبية على التجارة المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية نقاشًا اقتصاديًا داخل إسرائيل بشأن تداعيات هذه الإجراءات على الشركات وسلاسل التوريد، ولا سيما مع تزايد أهمية منشأ السلعة في قرارات الشراء والامتثال داخل الأسواق الأوروبية.
وتزامن ذلك مع دخول قرار هولندي حيز التنفيذ في 22 سبتمبر/أيلول، يحظر استيراد وشراء وبيع السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى جانب حظر خدمات الوساطة التجارية المرتبطة بهذه السلع ومحاولات التحايل على القيود. وأوضحت السلطات الهولندية أن القرار لا يشمل السلع الإسرائيلية المنتجة داخل الحدود المعترف بها دوليًا لإسرائيل.
هولندا في صدارة الوجهات الأوروبية
وتكتسب الإجراءات الهولندية أهمية إضافية بالنسبة للاقتصاد الإسرائيلي، بالنظر إلى حجم العلاقات التجارية بين البلدين.
وبحسب بيانات التجارة الإسرائيلية التي يستند إليها التحليل المنشور في موقع «كالكاليست»، بلغت صادرات السلع الإسرائيلية إلى هولندا نحو 1.8 مليار دولار خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى أغسطس/آب، لتحتل هولندا المرتبة الأولى بين الوجهات الأوروبية للصادرات الإسرائيلية خلال هذه الفترة، سواء باحتساب الماس أو من دونه.
وتأتي هذه التطورات في وقت تمثل فيه أوروبا سوقًا رئيسية للتجارة الإسرائيلية؛ إذ شكل الاتحاد الأوروبي 31.7% من إجمالي تجارة إسرائيل في السلع خلال عام 2025، وفق بيانات المفوضية الأوروبية التي أوردتها تحليلات حديثة حول قيود التجارة مع المستوطنات.
القيود لا تستهدف إسرائيل ككل
ولا ينص القرار الهولندي على مقاطعة شاملة للسلع الإسرائيلية، إذ يقتصر نطاقه على المنتجات التي يكون منشؤها مستوطنات إسرائيلية في الأراضي المحتلة.
وبموجب القرار، يُحظر إدخال هذه السلع إلى السوق الهولندية، كما يُمنع شراؤها أو بيعها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إضافة إلى تقديم خدمات الوساطة المتعلقة بها أو اتخاذ إجراءات تهدف إلى الالتفاف على الحظر.
وتفرض السلطات الهولندية كذلك متطلبات تتعلق بإثبات منشأ السلع، ويمكن للجمارك طلب مستندات تثبت أن المنتجات القادمة من إسرائيل لا تعود في منشئها إلى مستوطنة مشمولة بالقرار.
وتشير هذه الآلية إلى أن مسألة تحديد منشأ المنتج قد تتحول من إجراء جمركي تقني إلى عنصر أكثر أهمية في قرارات الشركات الأوروبية بشأن الموردين، خصوصًا مع اتساع نطاق الإجراءات الوطنية في عدد من الدول.
من حظر منتجات المستوطنات إلى «مخاطر إسرائيلية»
يركز التحليل الاقتصادي الإسرائيلي على ما يعرف بـ«الأثر المُثبِّط» أو Chilling Effect، أي احتمال أن تدفع زيادة متطلبات التدقيق والامتثال بعض الشركات الأوروبية إلى تفضيل موردين لا يواجهون المخاطر نفسها، حتى عندما لا يكون المنتج نفسه صادرًا من مستوطنة.
ولا يعني ذلك أن الشركات الأوروبية ستتوقف بالضرورة عن التعامل مع المنتجات الإسرائيلية، لكن زيادة تكلفة التحقق من منشأ السلع وسلاسل التوريد قد تصبح عاملًا إضافيًا عند اختيار الموردين.
وتتزايد هذه المخاوف مع اتساع عدد الدول الأوروبية التي أعلنت نيتها فرض قيود على التجارة مع منتجات المستوطنات. ففي سبتمبر/أيلول أعلنت 12 دولة، بينها بريطانيا وفرنسا وكندا، نيتها فرض قيود وطنية أو دعم إجراءات أوروبية بشأن التجارة مع منتجات المستوطنات، أو دراسة اتخاذ مثل هذه الإجراءات.
نقل الإنتاج إلى الخارج
ومن السيناريوهات التي يطرحها التحليل احتمال أن تتجه بعض الشركات الإسرائيلية إلى نقل جزء من عمليات الإنتاج إلى دول أخرى، بدلًا من إعادة هيكلة أنشطتها داخل إسرائيل لتلبية متطلبات المنشأ المختلفة.
وفي هذه الحالة، يمكن للشركة أن تبقي الإدارة أو البحث والتطوير والملكية الفكرية في إسرائيل، بينما تنتج السلعة أو بعض مكوناتها في دولة أخرى وتبيعها مباشرة من هناك إلى الأسواق الخارجية.
ويشير التحليل إلى أن مثل هذه التحركات لا يمكن تفسيرها بالقيود التجارية وحدها، إذ توجد عوامل اقتصادية أخرى تدفع بعض الصناعات إلى الخارج، من بينها قوة الشيكل وتكاليف العمالة والإنتاج والضرائب والتنظيم، إلى جانب رغبة الشركات في الاقتراب من أسواق المستهلكين.
وكان بنك إسرائيل قد أشار إلى أن الشيكل ارتفع بنحو 5.9% أمام الدولار و6.6% أمام اليورو خلال الربع الثاني من عام 2026، ما يعكس أحد العوامل النقدية التي تؤثر في القدرة التنافسية للشركات الإسرائيلية في الأسواق الخارجية.
40% من صادرات السلع لا تمر عبر الحدود
ويستند التحليل إلى تغير لافت في طريقة تسجيل بعض صادرات السلع الإسرائيلية.
ففي الربع الثاني من عام 2026، بلغت قيمة السلع المباعة في الخارج من جانب شركات مقيمة في إسرائيل، من دون أن تمر السلعة نفسها عبر الحدود الإسرائيلية، نحو 11.2 مليار دولار، وفق الأرقام التي يستند إليها التقرير.
وتشمل هذه العمليات حالات تنتقل فيها ملكية السلعة من شركة أو مقيم إسرائيلي إلى عميل أجنبي، بينما يتم الإنتاج أو التسليم أو جزء من سلسلة التوريد خارج إسرائيل، ولذلك لا تظهر السلعة بالضرورة في بيانات الجمارك التقليدية بوصفها سلعة دخلت إسرائيل ثم خرجت منها.
وتشير تقديرات التقرير إلى أن هذه العمليات أصبحت تمثل قرابة 40% من صادرات السلع، مقارنة بنحو 9% فقط في عام 2023، مع تسجيل الزيادة الأكبر ابتداءً من الربع الثالث من ذلك العام.
وتظهر بيانات اقتصادية أخرى أن صادرات السلع والخدمات الإسرائيلية شهدت في الربع الثاني من 2026 تغيرات كبيرة في مكوناتها، فيما ارتفعت الصادرات العابرة للحدود المرتبطة بصورة رئيسية بنشاط شركات التكنولوجيا إلى 11.2 مليار دولار، مقابل 8.9 مليار دولار في الربع الأول و5.7 مليار دولار قبل عام.
نمو التجارة الخارجية خارج الحدود الإسرائيلية
ويشير التحليل إلى أن الزيادة في صادرات السلع خلال الفترة الأخيرة لم تأتِ بالكامل من إنتاج فعلي داخل إسرائيل، إذ أصبحت الشركات تعتمد بدرجة أكبر على سلاسل توريد وإنتاج خارجية.
ومنذ الربع الثالث من عام 2023، ارتفعت قيمة صادرات السلع وفق المعطيات التي يستند إليها التقرير، لكن جزءًا محدودًا فقط من هذه الزيادة جاء من سلع كان مصدرها الفعلي إسرائيل.
وتتداخل في تفسير هذا التحول عوامل عدة، من بينها التغيرات في سلاسل الإنتاج العالمية، والتحولات الجيو-اقتصادية، وقوة العملة المحلية، إلى جانب قرارات الشركات المتعلقة بمواقع الإنتاج والتوزيع.
تداعيات محتملة على الوظائف والصناعة
ويطرح هذا التحول تحديات تتجاوز أرقام التجارة الخارجية، إذ إن انتقال الإنتاج إلى الخارج يمكن أن يبقي الملكية والأرباح وبعض الوظائف عالية المهارة في إسرائيل، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى نقل جزء من الوظائف الصناعية إلى الدول التي تستضيف خطوط الإنتاج.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الصناعات التقليدية التي تعتمد بصورة أكبر على العمالة والإنتاج المادي داخل المصانع.
وفي المقابل، لا توجد مؤشرات تسمح بإرجاع انتقال الإنتاج الإسرائيلي إلى الخارج إلى القيود الأوروبية وحدها، إذ تتداخل فيه عوامل تتعلق بالتكاليف والإنتاجية والضرائب وأسعار الصرف والوصول إلى الأسواق.
أوروبا توسع نطاق القيود
وتأتي الإجراءات الهولندية ضمن مسار أوروبي أوسع، إذ أعلنت دول عدة خلال سبتمبر/أيلول توجهها نحو فرض قيود على التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية.
وتشمل القائمة بريطانيا وفرنسا وكندا وإيرلندا وإسبانيا وبلجيكا ودولًا أوروبية أخرى، مع اختلاف طبيعة الإجراءات ومواعيد دخولها حيز التنفيذ.
وبحسب تحليل حديث لصحيفة «فايننشال تايمز»، فإن التأثير المباشر لهذه الإجراءات على حجم التجارة الإسرائيلية قد يكون محدودًا في الوقت الحالي، نظرًا إلى صغر قيمة صادرات المستوطنات مقارنة بإجمالي التجارة الإسرائيلية مع أوروبا، إلا أن المخاوف تتركز بدرجة أكبر على الآثار طويلة المدى المرتبطة بالمخاطر التجارية والامتثال وسلاسل التوريد.
وبذلك، لا يقتصر النقاش الاقتصادي على حجم السلع القادمة مباشرة من المستوطنات التي قد تُمنع من دخول الأسواق الأوروبية، بل يمتد إلى كيفية تعامل الشركات الأوروبية والإسرائيلية مع مسألة المنشأ، وتكاليف الامتثال، ومواقع الإنتاج، واحتمال إعادة توزيع جزء من النشاط الصناعي خارج إسرائيل.







