مصطفى إبراهيم - مصدر الإخبارية
تكشف التغطية السياسية الإسرائيلية هذا الأسبوع مفارقة الانتخابات المقبلة: تراجع واضح في قوة ائتلاف بنيامين نتنياهو، يقابله قلق وخلافات داخل معسكر التغيير، الذي يتقدم في بعض استطلاعات الرأي، لكنه لا يزال عاجزاً عن ضمان تشكيل الحكومة.
يلخص محلل الشؤون الحزبية في "هآرتس" يوسي فارتر المشهد بالقول إن ائتلاف نتنياهو، الذي قد يخسر نحو 16 مقعداً مقارنة بالكنيست الحالية، يحتفل باحتمال عدم الحسم، بينما يعيش معسكر التغيير حالة من الاكتئاب السياسي رغم أن رصيده، مع القائمتين العربيتين، يمكن أن يرتفع من 52 إلى 68 مقعداً.
وفي استطلاع القناة 13 الأخير، تقدم معسكر نتنياهو للمرة الأولى على معسكر آيزنكوت، بـ54 مقعداً مقابل 52، فيما حصلت القائمتان العربيتان على 14 مقعداً. وتراجع الليكود إلى 18 مقعداً، مقابل 22 لـ"يشار"، وفي استطلاعات أخرى تتراوح قوة الليكود بين 19 و20 مقعداً. هذه الأرقام لا تعني أن نتنياهو استعاد قوته، لكنها تكشف أن تراجع الليكود لا يتحول تلقائياً إلى أغلبية لخصومه.
وتزداد أهمية الأحزاب القريبة من نسبة الحسم. فبحسب المحللين، الاكتئاب مبكر جداً، وبالتأكيد ليس خطة عمل. فما زالت لدى حزبي هندل ــ زليخا وعوفر وينتر فرصة أكبر في ألا يتجاوزا نسبة الحسم من فرص نجاحهما في تجاوزها. في الانتخابات الأخيرة كان الحد الفاصل لتجاوز نسبة الحسم نحو 156 ألف صوت. وفي الانتخابات المقبلة، بسبب إضافة نصف مليون ناخب جديد وارتفاع نسبة التصويت في المجتمع العربي، قد يصل العدد إلى 175 ــ 180 ألف صوت. وليس من السهل حصد هذا العدد من الأصوات. أما إذا تجاوزا النسبة، فقد تبقى الخريطة معلقة، بما يفتح الباب أمام سيناريوهات أخرى، بينها حكومة وحدة أو انتخابات جديدة.
ولهذا يستطيع نتنياهو أن ينظر إلى عدم الحسم باعتباره مكسباً مؤقتاً. فإذا جرت جولة انتخابية ثانية، فستُجرى في مارس/آذار ــ أبريل/نيسان. ومع احتساب الفترة اللازمة للمفاوضات الائتلافية، نصل إلى مايو/أيار ــ يونيو/حزيران، مع بقاء الحكومة الحالية في الحكم، وهو ما يفسر حديثاً داخل الائتلاف عن استمرار الوزراء في مناصبهم.
لكن المشكلة الأساسية ليست داخل معسكر نتنياهو، وإنما في معسكر التغيير نفسه. الخلاف الأبرز يدور بين غادي آيزنكوت ونفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان ويائير غولان حول قيادة الحكومة المقبلة.
آيزنكوت يريد قواعد واضحة قبل الانتخابات، بحيث يكون رئيس القائمة الأكبر في المعسكر مرشحاً لرئاسة الحكومة.
أما بنيت وليبرمان فيفضلان ترك القرار إلى ما بعد الانتخابات، حين تتضح خريطة الكنيست. بالنسبة إلى آيزنكوت، هذا الغموض يضعف المعسكر ويجعل الناخب لا يعرف لمن سيصوت فعلياً لرئاسة الحكومة. وبالنسبة إلى خصومه، فإن منحه هذا الالتزام مسبقاً يعني حسم معركة القيادة قبل أن يقول الناخب كلمته. ولا يتوقف الخلاف عند القيادة، بل يمتد إلى شكل الحكومة نفسها.
أصبح احتمال تشكيل حكومة أقلية تعتمد على دعم أو امتناع الأحزاب العربية أحد أكثر الملفات إثارة للخلاف. آيزنكوت يطرح إمكانية حكومة ذات "أغلبية صهيونية واضحة"، بينما يتحفظ بنيت وليبرمان على هذا الخيار. وهنا تظهر مفارقة مهمة في النقاش الإسرائيلي: الأحزاب العربية قد تكون ضرورية حسابياً للوصول إلى أغلبية، لكنها تظل عبئاً انتخابياً على بعض قوى معسكر التغيير التي تريد في الوقت نفسه استقطاب ناخبين من اليمين واليمين المحافظ.
ويستذكر المحللون الإسرائيليون تجربة حكومة بنيت ــ لابيد، التي اعتمدت على دعم القائمة العربية الموحدة بزعامة منصور عباس، ويطرح بعضهم سؤالاً عن سبب اعتبار التعاون مع العرب مشكلة، بينما يمكن التعاون مع الأحزاب الحريدية رغم الخلافات العميقة حول الجيش والدولة والمجتمع.
والمسألة هنا ليست فقط عدد المقاعد، وإنما حدود معسكر التغيير نفسه ومن يمكن أن يكون شريكاً فيه.
تظهر الخلافات أيضاً في محاولة آيزنكوت جذب أصوات من اليمين من خلال شخصيات محافظة ودينية في قائمته. هذه الخطوة تثير تحفظاً لدى يائير غولان، كما يخشى داخل "يشار" من أن يؤدي استمرار الخلاف إلى إضعاف الحزب نفسه.
بينما يرى أنصار آيزنكوت أن بنيت وليبرمان لا يقدمان بديلاً واضحاً، خصوصاً عندما يقول بنيت إن رؤساء الأحزاب سيجتمعون بعد الانتخابات ليقرروا من سيكون رئيس الحكومة.
وهكذا أصبح السؤال داخل المعسكر: هل هو تحالف انتخابي لإسقاط نتنياهو، أم كتلة سياسية تملك تصوراً مشتركاً للحكم؟ حتى الآن، يبدو أن الإجابة لم تحسم. من هنا يمكن فهم حالة "الاكتئاب" التي تحدث عنها بعض المحللين الإسرائيليين. فمعسكر التغيير يواجه حكومة تحمل وراءها ثلاث سنوات من الحرب والأزمات والإخفاقات، وكان يمكن أن تمنحه هذه الظروف أفضلية واضحة. لكنه يجد نفسه منشغلاً بالخلاف على القيادة، وبالعلاقة مع الأحزاب العربية، وبكيفية استقطاب اليمين، وبشكل الحكومة المقبلة.
في المقابل، لم يعد الاستقطاب الانتخابي يدور حول ملفات سياسية تقليدية فحسب، بل يتركز أساساً حول إدارة الأزمات الأمنية الممتدة ومستقبل التسويات الإقليمية، وهي المعادلة التي تضغط على الجمهور لدى الطرفين، وتجعل القدرة على الحسم أكثر تعقيداً. ولا يحتاج نتنياهو بالضرورة إلى الفوز بعدد أكبر من المقاعد، بل يكفيه في بعض السيناريوهات أن يمنع خصومه من تحويل مقاعدهم إلى أغلبية حاكمة.
لذلك فإن التعادل الذي تكشفه الانتخابات ليس بالضرورة تعادلاً في عدد المقاعد، بل هو تعادل في القدرة على تشكيل الحكومة. وقد يكون هذا هو السؤال الأهم في الانتخابات المقبلة: ليس فقط من سيتراجع ومن سيتقدم، وإنما من يستطيع تحويل تقدمه الانتخابي إلى سلطة سياسية؟







