طلال عوكل - مصدر الإخبارية
لا يمكن لدولة راسخة، ذات هوية وحدود تنتمي إلى حضارة وتاريخ أن تشهد تسونامي كالذي تشهده إسرائيل بسبب فيلم وثائقي إلا إن كانت كما يقال أوهن من بيت العنكبوت.
الفيلم الوثائقي الذي أخرجه صحفيان إسرائيليان هما يوفال أبراهام وراحيل شور، وحصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، في مهرجان البندقية، وحظي بتصفيق عارم استمر لخمس وعشرين دقيقة، ترك في إسرائيل قلقاً شديداً، واضطراباً واسعاً، ربما يضاهي مرحلة الاحكام التي صدرت عن محكمة الجنايات الدولية بحق نتنياهو وغالانت.
الفيلم، يحمل اسم الأضرار الجانبية في إشارة إلى ذريعة تستخدمها إسرائيل لتبرير قتل عشرات، ومئات الفلسطينيين المدنيين، خلال حرب الإبادة التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة.
جوهر الذريعة أن لكل دواء، أعراض أو أضرار جانبية، لكنها لا تصل حد الامتناع عن تناول الدواء، في إشارة إلى أن الجيش الإسرائيلي لا يستهدف المدنيين من الأطفال والنساء، وأن القتل عرضي بذريعة تعمد المقاومة الفلسطينية استعمال المدنيين دروعاً بشرية لحماية المستهدفين ممن تصفهم إسرائيل بالإرهابيين.
إذا كانت المشاهد التي نقلتها وتنقلها وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ومواقع التواصل الاجتماعي، ليست كافية لإقناع الرأي العام العالمي وحتى الإسرائيلي بأن الجيش يرتكب مجازر وجرائم حرب وإبادة وتجويع فإن الأرقام الحقيقية قد أقنعت الكثيرين إلا غالبية المجتمع الإسرائيلي.
كيف تبرر إسرائيل قتل نحو 75 ألفاً، بينهم نحو 20 ألفاً من الأطفال، وتصيب نحو 175 ألفاً كأضرار جانبية تعادل أعدادهم 7 أضعاف عدد المقاتلين الفلسطينيين الذين يستهدفهم الجيش، والذي يصل إلى نحو 40 ألفا وفق إعلانات إسرائيلية متكررة ومعلنة؟
الفيلم بالنسبة لإسرائيل، ينطوي على أكاذيب، لأنه يمس سمعة الجيش الذي يدعون انه الأكثر أخلاقية في العالم، بما أن من قدموا شهاداتهم جنود وضباط شاركوا في حرب الإبادة. حين يجري الحديث عن الجيش فإنه يُشكل درة التاج الإسرائيلي، ولأن الطعن بسلوكه يشكل طعناً في الدولة كلها، حكومة ومجتمعاً، ومؤسسات بل إنه يشكل طعناً في هوية الكيان برمته.
من قام بإخراج الفيلم هما بطلان في نظر الرأي العام العالمي، وهما مجرمان وخونه في نظر المجتمع الإسرائيلي وليس فقط في نظر الجيش والحكومة وكل الطبقة السياسية والإعلامية.
في استطلاع أخير نشرته الصحافة الإسرائيلية ويتعلق بالانتخابات التي ستجري بعد أقل من ستة أسابيع، يفيد 68٪ من المستطلعين أنهم لا يصدقون ما ورد في الفيلم وفقط 13٪ يصدقون.
هذه النسبة المرتفعة من غير المصدقين ليسوا مضللين بقدر ما انهم يشكلون القاعدة الاجتماعية التي تستند إليها السياسة الإسرائيلية ما يعني أن القضية لا تخص فئة محدود من الجيش أو الحكومة وإنما تعني دولة إسرائيل كلها مع استثناءات محدودة.
هنا تكمن المصيبة، بالنسبة لإسرائيل، والتي تجعل وزير الثقافة يطالب بسحب الجنسية من الصحفيين، وتجعل الجيش يفتح تحقيقا ويصف الشهادات بأنها كاذبة ومزورة، وتشويه متعمد واتهامات خطيرة للتشهير بالضباط والجيش.
نتنياهو يحاول توظيف الفيلم في التحريض على المعارضة التي يحملها المسؤولية عن الاتهامات التي وردت في الفيلم، ويتهم اليسار وآيزنكوت بالوقوف خلف الفيلم، للتاثير على المصوتين للإسرائيليين في الانتخابات.
يعود نتنياهو لاستخدام أسطوانة مشروخة لمخاطبة جمهوره من الناخبين بعد أن انهارت أمام الرأي العام العالمي، فيدعي أن إسرائيل تشكل جزيرة من التقدم والتسامح والأمن في منطقة لا توجد فيها رحمة ولا قبولاً بل الكثير من العداء والتطرف واضطهاد الآخر والقضاء عليه. يتجاهل نتنياهو دعوات وزرائه لقتل الفلسطينيين بالجملة وهو ما وقع فعلاً، وبعضهم طالب باستخدام السلاح النووي لإبادة سكان قطاع غزة، الذي قال وزير الحرب كاتس مؤخراً أن إخراجهم من غزة ضمن الملفات الجوهرية لمستقبل القطاع.
يضع نتنياهو الفيلم في إطار هجوم دولي للنيل من سمعة الجيش، ويتعهد بتحطيم الأكاذيب والدفاع عن الجنود في مواجهة ذلك الهجوم. وإذا كانت مفاعيل الفيلم لم تظهر بعد على مستوى الرأي العام العالمي، حيث من المنتظر أن تعزز التحولات الجارية في غير صالح دولة الاحتلال، فإن 44 منظمة حقوقية عربية ويهودية في إسرائيل أصدرت بياناً يعلن تضامنها مع مخرجي الفيلم، الأمر الذي سيحفز الكثير من المنظمات الحقوقية في العالم، لملاحقة مجرمي الحرب، وتعزير منطق المحاسبة.







