وكالات - تواجه البنوك المركزية حول العالم معضلة جديدة مع عودة أسواق الطاقة إلى إرسال إشارات قوية على اضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف الوقود، بعدما تجاوزت العقود الآجلة لخام برنت مستوى 100 دولار للبرميل، بينما صعدت أسعار الديزل والغاز الطبيعي بوتيرة أسرع، ما يهدد بزيادة الضغوط التضخمية على الاقتصادات العالمية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة مع اقتراب فصل الشتاء، إذ تتزايد المخاوف بشأن أسعار أنواع الوقود المستخدمة في تدفئة المنازل وتشغيل المصانع ونقل البضائع، في وقت أصبحت فيه هوامش التكرير، وهي الفارق بين تكلفة النفط الخام وسعر المنتجات المكررة، عاملاً أكثر تأثيراً في تحديد أسعار الوقود.
وخلال الفترة الأولى من حرب إيران، تمكن محافظو البنوك المركزية من التعامل مع صدمة إمدادات الطاقة باعتبارها مؤقتة، بعدما جرى تجنب بعض السيناريوهات الأكثر حدة. إلا أن عودة أسعار النفط إلى الارتفاع، بالتزامن مع صعود أسعار الديزل والغاز، بدأت تغير هذه الحسابات، خصوصاً مع غياب مؤشرات واضحة على قرب انتهاء الحرب، وسط إشارات من طرفي الصراع إلى الاستعداد لمواجهة طويلة الأمد.
وسلط البنك المركزي الأوروبي الضوء على ارتفاع أسعار النفط والغاز باعتباره أحد المخاطر التي يمكن أن تدفع توقعات التضخم إلى مستويات أعلى خلال الأشهر المقبلة.
هوامش التكرير تدخل حسابات البنوك المركزية
وقالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، عقب الإعلان عن زيادة كانت متوقعة على نطاق واسع في تكلفة الاقتراض، إن مفهوم هوامش التكرير أو ما يعرف بفارق التكسير أصبح أكثر حضوراً في النقاشات الاقتصادية مقارنة بما كان عليه قبل ستة أشهر.
وفي بريطانيا، قدم محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي شرحاً أمام مشرعين بشأن تطورات سوق النفط، مشيراً إلى أن ارتفاع هوامش التكرير يضيف ضغوطاً جديدة على أسعار المنتجات النفطية، بعدما أصبحت شركات التكرير تحقق علاوات مرتفعة عند تحويل الخام إلى منتجات مثل البنزين والديزل.
وتتوقع الأسواق في الوقت الحالي زيادتين في أسعار الفائدة بحلول فبراير، في محاولة للحد من الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع تكاليف الطاقة.
أسواق الطاقة أمام خيارات أقل مع اقتراب الشتاء
تجاوزت العقود الآجلة للديزل في بعض الأسواق مستوى 200 دولار للبرميل، بينما يدفع بعض المستهلكين، بعد احتساب الضرائب، أكثر من 300 دولار. وفي أوروبا، ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي إلى أعلى مستوياتها منذ أواخر عام 2022، بالتزامن مع بقاء المخزونات عند مستويات منخفضة قبل دخول موسم الطقس البارد.
كما سجلت أسعار الديزل في الولايات المتحدة مستويات قياسية، في وقت لا تزال فيه أسواق الطاقة بعيدة عن بعض أسوأ السيناريوهات التي كانت مطروحة عند اندلاع الصراع الإيراني في نهاية فبراير.
وكانت الصين أحد المحركات الرئيسية لموجة ارتفاع الأسعار خلال الأسابيع الماضية، فيما يظل مستقبل نشاط مصافي التكرير الصينية محل متابعة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف التشغيل.
ويرى متعاملون ومنتجون أن الطلب العالمي على النفط سيظل مرتفعاً مع اقتراب الشتاء، في حين تواجه طاقة التكرير قيوداً متزايدة، ما يعني استمرار الضغوط على أسعار الوقود.
وتسببت الهجمات الأوكرانية على مصافي التكرير الروسية في انخفاض صادرات موسكو من الديزل إلى مستويات قياسية، بينما لا تزال منشآت التكرير في الشرق الأوسط تتعافى من الهجمات التي تعرضت لها خلال المراحل الأولى من حرب إيران.
كما لا تزال التدفقات عبر مضيق هرمز أقل من مستويات ما قبل الحرب، علماً بأن المضيق كان يمر عبره قبل اندلاع الصراع نحو خمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.
وفي الوقت ذاته، بدأت الأدوات التي استخدمتها أسواق الطاقة للتعامل مع اضطرابات الإمدادات تفقد قدرتها على امتصاص الصدمة، مع تباطؤ عمليات السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، في وقت تواصل فيه الصين زيادة مشترياتها من النفط وتتراجع المخزونات تدريجياً.
وزادت هجمات الحوثيين في اليمن على السعودية من المخاوف بشأن استقرار الإمدادات، فيما أوقفت المملكة، بشكل احترازي، خط أنابيب شرق-غرب عقب عدة هجمات يوم الخميس، وهو أحد المسارات الرئيسية البديلة لمضيق هرمز لتصدير النفط السعودي.
وتعكس سوق النفط حالياً مستويات مرتفعة من الاضطراب، إذ تجاوزت تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة لمدة يوم واحد مليون دولار في بعض الحالات، فيما ارتفعت علاوات تأمين الإمدادات الفورية بصورة كبيرة.
وقال الشيخ خالد الصباح، العضو المنتدب للتسويق العالمي في مؤسسة البترول الكويتية، خلال مؤتمر هذا الأسبوع، إن شمال أوروبا مقبل على شتاء بالغ الصعوبة، مشيراً إلى أن التطورات الحالية قد تكون مجرد بداية لمزيد من الضغوط.
أوروبا أمام شتاء صعب بسبب تراجع مخزونات الغاز
وتتركز كميات كبيرة من الغاز في منطقة الخليج، بينما يواجه المتعاملون الأوروبيون حالة من عدم اليقين بشأن قدرتهم على تأمين احتياجات الشتاء، في ظل انخفاض المخزونات مقارنة بالمستويات المعتادة لهذا الوقت من العام.
وأحجمت الحكومات والشركات عن تعزيز مشترياتها خلال الصيف، إلا أن تقديرات بنوك كبرى وشركات استشارية تشير إلى أن حجم الغاز الذي تحتاج أوروبا إلى تأمينه خلال الشتاء قد يدفع الأسعار مجدداً إلى أكثر من 100 يورو لكل ميغاواط/ساعة، وهو مستوى يزيد بنحو 25% عن الأسعار الحالية.
ولا تقتصر تداعيات ارتفاع أسعار الغاز على قطاع الطاقة، إذ تنتقل آثارها إلى القطاعات الصناعية، بما يرفع تكاليف الإنتاج ويضغط على قدرة الشركات على الحفاظ على مستويات نشاطها.
وقال إيفانغيلوس ميتيلينيوس، الرئيس التنفيذي لمجلس إدارة شركة ميتلين اليونانية، إن الظروف الحالية صعبة، مشيراً إلى أن أسعار الكهرباء وصلت إلى مستويات تجعل إنتاج الألمنيوم أكثر صعوبة بالنسبة إلى الشركات التي لم تستعد بالشكل الكافي.
الديزل يتحول إلى نقطة اختناق جديدة
في سوق النفط الخام، بلغ المؤشر العالمي الرئيسي لأسعار البراميل الفعلية 120 دولاراً للمرة الأولى منذ يونيو، في إشارة إلى استعداد المصافي لدفع أسعار مرتفعة للحصول على أي كميات من الخام يمكن تأمينها.
وفي المقابل، لا تزال أرباح إنتاج الوقود، خصوصاً الديزل، عند مستويات مرتفعة تاريخياً، وهو ما يعزز المخاوف من تحول الديزل إلى أحد أبرز مصادر الضغط على الاقتصادات.
وحذرت لاغارد من أهمية الديزل بالنسبة إلى قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي، مشيرة إلى أنه أصبح بمثابة عنق زجاجة إضافي بالنسبة للاقتصاد.
وتحدث متعاملون خلال مؤتمر نفطي في سنغافورة عن التحديات الكبيرة التي تواجه أسواق الوقود العالمية، فيما لجأت بعض الدول الأوروبية، بينها إيطاليا، إلى تخفيضات ضريبية بهدف الحد من تأثير ارتفاع الأسعار على المستهلكين.
غير أن استمرار ارتفاع أسعار الديزل قد يجعل هذه الإجراءات أكثر كلفة على الحكومات، خصوصاً إذا امتدت موجة ارتفاع الأسعار إلى فترة طويلة.
صدمة الطاقة تعيد معضلة التضخم وتكاليف المعيشة
وقالت وكالة الطاقة الدولية إن عام 2026 قد يشهد أكبر انخفاض في الطلب على النفط منذ جائحة كورونا، في ظل التأثير المتزايد لارتفاع أسعار الديزل، خصوصاً على الاستهلاك.
وأوضحت الوكالة أن المخزونات أدت حتى الآن دوراً رئيسياً في الحد من ارتفاع الأسعار، إلا أن هذه الهوامش الاحتياطية بدأت تتقلص، بينما تعمل منظومة التكرير العالمية بالقرب من أقصى طاقتها.
وحذرت من أن استمرار الحرب في إيران والحرب الروسية الأوكرانية من دون إحراز تقدم قد يؤدي إلى مزيد من التشدد في أسواق النفط، بما يرفع مخاطر حدوث صدمة طاقة جديدة خلال الأشهر المقبلة.
وقد يفرض هذا الوضع على الحكومات اتخاذ إجراءات إضافية لتخفيف تكاليف المعيشة، في الوقت الذي تواجه فيه البنوك المركزية ضغوطاً لرفع أسعار الفائدة بهدف احتواء التضخم.
ولا تقتصر المخاطر على الطاقة، إذ ساهمت الهجمات على موانئ البحر الأسود أيضاً في دفع أسعار المواد الغذائية إلى أعلى مستوياتها في نحو أربع سنوات.
وفي هذا السياق، أعلنت المجر يوم الجمعة أنها ستقدم دعماً لمالكي السيارات بهدف المساعدة في تحمل ارتفاع تكاليف الوقود.
وقالت آن-صوفي كوربو، الباحثة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، إن هناك مخاوف متزايدة من ارتفاع الأسعار بصورة أكبر، مرجحة تصاعد الدعوات إلى تدخل الحكومات لحماية المستهلكين، مع اختلاف قدرة كل دولة على التحرك بحسب أوضاعها المالية.
وبذلك، تعود صدمة الطاقة لتضع البنوك المركزية أمام معادلة أكثر تعقيداً: مواجهة التضخم من خلال تشديد السياسة النقدية، في وقت يؤدي فيه ارتفاع تكاليف الوقود والطاقة إلى زيادة الأعباء على الأسر والشركات وتهديد النمو الاقتصادي.






