البندقية - عرض مهرجان البندقية السينمائي، اليوم الخميس، فيلمًا وثائقيًا إسرائيليًا يتحدى الرواية الرسمية بشأن طبيعة العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، متناولًا ما يقول مخرجاه إنه إدراج روتيني لخسائر كبيرة محتملة بين المدنيين ضمن قرارات استهداف الأهداف العسكرية.
ويحمل الفيلم عنوان «نازا»، وهو مصطلح عسكري إسرائيلي يشير إلى الخسائر الجانبية المتوقعة، وأخرجه الصحفيان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراحيل تسور. ويعتمد العمل بصورة أساسية على شهادات ضباط مخابرات وجنود إسرائيليين شاركوا في الحرب، تحدثوا إلى صناع الفيلم دون الكشف عن هوياتهم.
وحظي العرض الأول للفيلم في المهرجان بتصفيق حار استمر 25 دقيقة، في أطول فترة تصفيق يشهدها المهرجان حتى الآن هذا العام، وفقًا لما ورد في التقرير.
شهادات عن استهداف المدنيين
يقدم الفيلم، وفقًا لمخرجيه، صورة مختلفة عن الرواية الإسرائيلية التي تؤكد بذل جهود كبيرة لتجنب سقوط ضحايا من المدنيين.
وقال أحد ضباط المخابرات الذين تمت مقابلتهم في الفيلم، دون الكشف عن هويته، إن ما شاهده خلال الحرب تمثل في «قتل جماعي بصورة ممنهجة».
وقال أبراهام لرويترز إن الفيلم يعرض، بحسب وصفه، نظام استهداف «مصممًا لاستهداف الأشخاص في أماكن مدنية، داخل منازل عائلاتهم».
وأضاف أن عدد الخسائر الجانبية المتوقعة قد يصل في بعض الحالات إلى 500 شخص، وهو ما قال إنه قد يعني تدمير قرى أو أحياء بأكملها.
وتأتي هذه الشهادات في وقت تقول فيه السلطات الصحية في غزة إن أكثر من 73 ألف فلسطيني قتلوا خلال الحملة العسكرية الإسرائيلية التي بدأت عقب هجوم السابع من أكتوبر تشرين الأول 2023، الذي نفذته حماس وفصائل مسلحة أخرى، وأسفر عن مقتل نحو 1200 شخص في إسرائيل، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
وتقول إسرائيل إنها اتخذت إجراءات واسعة لتجنب سقوط ضحايا بين المدنيين، بينما تتهم حماس باستخدام المدنيين دروعًا بشرية في المناطق المكتظة بالسكان، وهو اتهام تنفيه الحركة.
الذكاء الاصطناعي في منظومة تحديد الأهداف
ويتناول الفيلم كذلك ما وصفه ضباط مخابرات إسرائيليون بأنه نظام مدعوم بالذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف، بالاعتماد على بيانات جرى جمعها من آلاف الهواتف المحمولة التي تم اختراقها.
وبحسب الشهادات الواردة في الوثائقي، يمكن لمعلومات بسيطة يتم التقاطها من الهواتف أن تدخل في عملية تحديد الأهداف. وذكر الضباط مثالًا على عبارة مثل «أبي في المنزل» قد يتم التقاطها من هاتف طفل، باعتبارها معلومة يمكن أن تستخدم في توجيه غارة جوية.
وتسلط هذه الشهادات الضوء على الجدل المتعلق باستخدام الأنظمة الآلية والذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، ولا سيما عندما تتعلق عملية تحديد الأهداف بمناطق مأهولة بالسكان.
اتهامات بشأن مناطق حظر الدخول
وتحدث الضباط الذين ظهروا في الفيلم أيضًا عن سقوط مدنيين في مناطق قالت إسرائيل إنها مناطق يحظر الدخول إليها، من بينها مناطق قريبة من مراكز توزيع المساعدات.
وبحسب الفيلم، لم تكن مواقع بعض هذه المناطق المحظورة معلنة بوضوح للسكان، ونقل عن أحد الضباط قوله إن المدنيين «عليهم أن يتعلموا بالدم».
وأشار التقرير إلى أن الأمم المتحدة قالت العام الماضي إن أكثر من 400 فلسطيني قتلوا أثناء محاولتهم الحصول على مساعدات.
وكانت إسرائيل قد أقرت بتعرض مدنيين للأذى في مناطق توزيع المساعدات، وقالت إنها أجرت تعديلات على قواعد الاشتباك الخاصة بها.
مقارنات مع دروس المحرقة
ويتناول الفيلم كذلك ما وصفه عدد من ضباط المخابرات الذين تمت مقابلتهم بأنه أوجه تشابه بين ما شاهدوه خلال الحرب وأنماط تاريخية مرتبطة بتجريد الإنسان من إنسانيته.
ويشير بعض المشاركين في الفيلم إلى دروس مستخلصة من المحرقة النازية، أو الهولوكوست، في سياق حديثهم عن الحرب في غزة.
وقال أبراهام إن هذا الربط جاء من الجنود أنفسهم، مضيفًا أن استحضار ذكرى المحرقة لتبرير بعض التصرفات الإسرائيلية في غزة يجعل من المهم، بحسب رأيه، استخلاص نتائج أوسع من التجربة.
تصوير المقابلات في تل أبيب
اختار مخرجا الفيلم تصوير جميع المقابلات فوق أسطح مبانٍ في تل أبيب خلال الليل، بينما لم تظهر مشاهد الدمار في قطاع غزة إلا لفترة وجيزة في نهاية الفيلم.
وأوضح المخرجان أن هذا الأسلوب كان مقصودًا لإظهار التباين بين الحياة اليومية في العاصمة التجارية لإسرائيل وبين الدمار الذي يقولان إنه يجري على بعد نحو 60 كيلومترًا فقط.
وقالت تسور إنهما أرادا إظهار «كيف تمضي الحياة في تل أبيب»، في وقت تستمر فيه الحرب في غزة.
وتسور وأبراهام سبق أن فازا بجائزة الأوسكار العام الماضي عن فيلمهما الوثائقي «لا أرض أخرى»، الذي تناول عمليات الهدم الإسرائيلية في الضفة الغربية.
انتقادات لغياب التعاطف مع المدنيين الفلسطينيين
وقالت تسور إن جزءًا كبيرًا من المجتمع الإسرائيلي، بحسب تقديرها، لا يشعر بالتعاطف تجاه المدنيين الفلسطينيين، مشيرة إلى وجود شريحة، على حد وصفها، تقول صراحة إنه «لا يوجد أبرياء في غزة».
وأضافت أن بعض الضباط الذين ظهروا في الفيلم ينتمون إلى وحدات نخبة، ولا يتطابقون بالضرورة مع الصورة النمطية للمتشددين، موضحة أن بعضهم يصف نفسه بأنه من اليسار.
وقالت إن المفارقة، بحسب ما يطرحه الفيلم، تكمن في أن هؤلاء الضباط قد يكونون أنفسهم ممن شاركوا في تنفيذ جزء كبير من العمليات التي أوقعت قتلى.
دعوات إلى المساءلة
وأعرب أبراهام عن شكوكه في إمكانية أن تحيل إسرائيل عسكريين إلى المحاكمة بسبب قتل مدنيين، ما لم تتعرض لضغوط خارجية.
وقال إنه يأمل في تحقيق العدالة والمساءلة عن الجرائم التي يتحدث عنها الفيلم، معتبرًا أن ذلك يعتمد على محاسبة المسؤولين وعلى ما وصفه بالإرادة السياسية لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
ولم يرد الجيش الإسرائيلي على طلب من رويترز للتعليق على الفيلم الوثائقي أو الاتهامات والشهادات التي يتضمنها.
منافسة على الأسد الذهبي
ويشارك فيلم «نازا» ضمن 21 فيلمًا تتنافس على جائزة الأسد الذهبي، أرفع جوائز مهرجان البندقية السينمائي، على أن يتم الإعلان عن الفيلم الفائز يوم السبت.
ويضع الفيلم، من خلال شهادات عسكريين إسرائيليين سابقين أو حاليين وتصوير متعمد للتباين بين الحياة اليومية في تل أبيب والدمار في غزة، قضية استهداف المدنيين والآليات المستخدمة في تحديد الأهداف في صدارة النقاش السينمائي والسياسي المصاحب للمهرجان.







