غزة - على الرغم من أن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، المعلن في أكتوبر/تشرين الأول 2025، نص على السماح بدخول السلع الغذائية والمساعدات بصورة متواصلة، لا يزال سكان القطاع يواجهون أوضاعًا إنسانية واقتصادية وصحية بالغة الصعوبة، في ظل محدودية تدفق المساعدات، وارتفاع أسعار السلع، وانهيار قطاعات واسعة من الاقتصاد، إلى جانب استمرار الاحتياجات الطبية المتزايدة.
وقال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، في بيان صحافي الثلاثاء، إن القطاع يشهد ما وصفها بـ"سياسة التجويع الصامت"، متهمًا إسرائيل بمنع دخول المساعدات أو السماح بإدخال كميات محدودة منها لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات السكان.
وأوضح المكتب أن أكثر من 95 في المائة من سكان غزة يعتمدون بشكل كامل على المساعدات، فيما فقد أكثر من 90 في المائة منهم قدرتهم الشرائية، الأمر الذي يجعل شريحة واسعة من السكان تعتمد على ما يصل من مساعدات لتوفير احتياجاتها الغذائية الأساسية.
وبحسب المكتب، فإن إسرائيل تسمح بإدخال نحو 35 في المائة فقط من الكميات التي جرى الاتفاق عليها، مشيرًا إلى أنه خلال 330 يومًا من اتفاق وقف إطلاق النار دخلت إلى القطاع 69,387 شاحنة مساعدات وغذاء من أصل نحو 198 ألف شاحنة قال إن الاتفاق كان يفترض دخولها.
وطالب المكتب الإعلامي الحكومي المجتمع الدولي ومجلس الأمن والوسطاء والجهات الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار بممارسة ضغوط فورية على إسرائيل لضمان تدفق المساعدات والسلع، كما دعا المؤسسات والمنظمات الدولية إلى توضيح حجم الأزمة الإنسانية التي يعيشها القطاع.
أسعار تتجاوز مستويات ما قبل الحرب
اقتصاديًا، قال مدير العلاقات العامة والإعلام في غرفة تجارة وصناعة غزة، خليل عطاالله، إن الوضع الاقتصادي في القطاع لا يزال هشًا للغاية، في ظل استمرار القيود المفروضة على القطاع الخاص وحركة المعابر والأفراد.
ووصف عطاالله الواقع الاقتصادي بأنه أقرب إلى محاولة للبقاء على قيد الحياة منه إلى اقتصاد طبيعي، مشيرًا إلى أن قطاعات عديدة تعرضت للدمار، بينما لا تزال القيود تعرقل إدخال مستلزمات الإنتاج والتشغيل اللازمة لإعادة النشاط الاقتصادي.
وأوضح أن مؤشر أسعار السلع الاستهلاكية ارتفع بأكثر من 200 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، بالتزامن مع وصول معدل البطالة إلى نحو 80 في المائة.
وأضاف أن الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة، إلى جانب محدودية فرص الحصول على دخل، انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنشآت التجارية على الاستمرار وعلى حركة الأسواق.
وأشار عطاالله إلى أن حصر عمليات الاستيراد في عدد محدود من التجار، يتراوح بين 10 و13 تاجرًا بعد أن كان عدد المستوردين يقارب 2000 مستورد قبل الحرب، أسهم في خلق بيئة تساعد على الاحتكار ورفع الأسعار.
وبيّن أن نحو 95 في المائة من السلع المسموح بإدخالها تتركز في المواد الغذائية والاستهلاكية، بينما لا تزال القيود مشددة على إدخال مدخلات الإنتاج والمواد الخام، ما يعيق إعادة تشغيل المنشآت واستعادة الدورة الاقتصادية.
ورغم محاولات بعض منشآت القطاع الخاص استئناف نشاطها، فإن شح الإمكانيات وارتفاع تكاليف التشغيل والقيود المفروضة على حركة البضائع أدت إلى تراجع أنشطة اقتصادية وإغلاق عدد من المنشآت والمطاعم التي لم تعد قادرة على تحمل الأعباء المالية.
10 آلاف مصاب بحاجة إلى التأهيل
وفي القطاع الصحي، تتزايد الاحتياجات الناجمة عن حجم الإصابات التي خلفتها الحرب، إذ قالت وزارة الصحة في غزة إن القطاع سجل نحو 5 آلاف حالة بتر، إلى جانب 300 حالة إصابة عصبية ونخاعية.
وأوضحت الوزارة أن نحو 10 آلاف مصاب يحتاجون إلى برامج تأهيل مكثفة وطويلة الأمد، في وقت تواجه فيه خدمات العلاج الطبيعي والتأهيل الطبي نقصًا كبيرًا في الإمكانيات.
وأضافت أن استهداف المؤسسات الصحية وخروج معظم مراكز التأهيل المتخصصة عن الخدمة، إلى جانب النقص الحاد في المستلزمات الطبية والأجهزة التعويضية والأطراف الصناعية، يهدد المرضى والمصابين بمضاعفات خطرة.
كما تزيد القيود المفروضة على حركة السفر من صعوبة حصول الحالات التي تحتاج إلى رعاية متخصصة على العلاج خارج قطاع غزة، في ظل محدودية الخدمات التأهيلية المتوفرة داخله.
استمرار القصف وسقوط ضحايا
وتتزامن هذه الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والصحية مع استمرار التصعيد الميداني في قطاع غزة، حيث أفادت المعطيات الواردة بمقتل مسن جراء إطلاق النار من آليات إسرائيلية جنوب خان يونس، إلى جانب وفاة أسير محرر متأثرًا بإصابته في غارة إسرائيلية استهدفته يوم الجمعة الماضي في المدينة.
كما أصيب أربعة فلسطينيين جراء قصف طائرات حربية إسرائيلية منزلًا في منطقة بطن السمين جنوب خان يونس، بعدما طُلب من سكانه إخلاؤه، فيما دُمر منزل آخر في مخيم البريج وسط القطاع عقب مطالبة سكانه بالإخلاء.
وفي مدينة غزة، أصيب فلسطيني جراء قصف استهدف سطح منزل في حي الشيخ رضوان شمال المدينة دون سابق إنذار، بينما تعرضت أرض زراعية للقصف بالقرب من مخيمات للنازحين في محيط شارع 10 بحي الشيخ عجلين جنوب غربي المدينة.
وأدى قصف المنزلين في خان يونس والبريج إلى أضرار ودمار في منازل مجاورة، فيما نقلت القناة الـ12 الإسرائيلية عن مصادر عسكرية إسرائيلية قولها إن المواقع المستهدفة كانت تستخدم، بحسب زعمها، كمخازن أسلحة ومواقع لإطلاق الصواريخ.
وهكذا، يجد سكان قطاع غزة أنفسهم أمام أزمات متداخلة، تشمل صعوبة الوصول إلى الغذاء والمساعدات، وارتفاعًا حادًا في الأسعار وانهيارًا في فرص العمل، فضلًا عن احتياجات صحية متراكمة، في وقت لا تزال فيه العمليات العسكرية والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية تعرقل جهود التعافي وإعادة بناء الحياة الاقتصادية والخدمات الأساسية.







