وكالات - تتجه أنظار صناعة النفط العالمية إلى سنغافورة هذا الأسبوع، حيث يجتمع كبار المنتجين والمصافي والمتداولين وشركات الشحن والمؤسسات المالية في مؤتمر «آسيا والمحيط الهادئ للبترول» (APPEC)، في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة واحدة من أكثر فترات عدم اليقين في السنوات الأخيرة.
ويُقام المؤتمر الذي تنظمه «إس آند بي غلوبال إنرجي» في الفترة من 7 إلى 10 سبتمبر، على أن تبدأ جلساته الرئيسية الثلاثاء 8 سبتمبر، ويجمع نحو 1,200 من كبار المسؤولين من 55 دولة، وفق المنظم.
وتأتي اجتماعات هذا العام بينما يقترب خام برنت مجددًا من مستوى 100 دولار للبرميل، بعد أن قفز إلى نحو 96.80 دولار في تداولات الإثنين، في ظل تصاعد الهجمات المرتبطة بالصراع الأميركي الإيراني ومخاطر استمرار تعطل حركة الناقلات عبر مضيق هرمز.
هرمز في قلب الحسابات النفطية
سيكون مضيق هرمز على رأس الملفات المطروحة أمام المشاركين، بعدما تراجعت حركة السفن التجارية عبر الممر الحيوي إلى نحو 10 سفن سلع يوميًا، وهو أدنى مستوى منذ مايو، وفق بيانات نقلتها «رويترز».
ويكتسب المضيق أهمية استثنائية لأسواق الطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو 20% من حركة النفط العالمية، ما يجعل أي تراجع إضافي في التدفقات مصدرًا مباشرًا للضغط على الأسعار.
وتأتي المخاطر الجديدة بعدما استهدفت الولايات المتحدة ثلاث ناقلات إيرانية، بينما ردت إيران باستهداف سفن أميركية، ما رفع المخاوف من أن يتحول الممر البحري إلى نقطة اختناق طويلة الأمد بدل أن تعود حركة الشحن فيه إلى طبيعتها.
وتتوقع «ANZ Research» أن يؤدي استمرار المواجهة إلى الحد من صادرات النفط من الشرق الأوسط حتى نهاية 2026، مع احتمال عودة التدفقات إلى مستويات ما قبل الصراع في أوائل 2027 فقط.
المشترون الآسيويون يدفعون الثمن
وتقع الاقتصادات الآسيوية المعتمدة على واردات الطاقة في قلب تداعيات الأزمة، إذ تواجه المصافي والمشترون منافسة أشد للحصول على البراميل البديلة من خارج الخليج.
وتظهر هذه الضغوط في ارتفاع أسعار الخامات البديلة، من الخام الروسي «إسبو» إلى خام غرب تكساس الوسيط والخامات الأفريقية، مع بحث المشترين في الهند وأوروبا عن مصادر إضافية لتعويض النقص.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت تكاليف الشحن بصورة حادة، ما يضيف طبقة جديدة من الضغوط على تكلفة وصول الخام إلى آسيا.
وتحاول إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التأكيد على استمرار مرور شحنات نفط عبر هرمز تحت حماية أميركية، لكن استمرار الهجمات والتوترات البحرية يجعل عودة التدفقات إلى مستوياتها الطبيعية أمرًا غير مضمون.
أزمة الديزل تزيد تعقيد المشهد
لا تقتصر أزمة سوق الطاقة على الخام، إذ يبرز الديزل والمنتجات المكررة كأحد أكثر الملفات إلحاحًا في اجتماعات القطاع.
وتتعرض إمدادات المنتجات النفطية لضغوط مزدوجة بسبب تراجع إنتاج بعض المصافي وتعطل تدفقات الطاقة من روسيا والشرق الأوسط، بينما تضطر المصافي إلى المفاضلة بين إنتاج الديزل والبنزين وزيوت الوقود وفقًا لهوامش الربحية.
وفي أحدث مؤشر على اتساع المشكلة، تتوقع بيانات السوق نقصًا عالميًا في زيت الوقود المستخدم في السفن ومحطات الكهرباء خلال الربع الثالث من العام، مع تأثر آسيا بصورة خاصة بسبب اعتمادها على الإمدادات القادمة من الخليج. كما انخفضت مخزونات زيت الوقود في مراكز رئيسية، بينها سنغافورة، بنحو 30% عن مستوياتها الموسمية المعتادة.
وتشير هذه التطورات إلى أن اضطرابات النفط الخام بدأت تنتقل تدريجيًا إلى أسواق المنتجات، ما يزيد المخاطر على تكاليف النقل والتصنيع والاقتصادات المستوردة للطاقة.
الصين.. العامل الحاسم في اتجاه الطلب
في المقابل، ستتجه الأنظار إلى الصين باعتبارها المتغير الأكثر قدرة على تغيير معادلة السوق العالمية.
فقد ارتفعت واردات الصين البحرية من الخام قليلًا في أغسطس إلى 7.14 مليون برميل يوميًا من 6.93 مليون برميل يوميًا في يوليو، لكنها ظلت أقل بنحو 40% من مستويات ما قبل الصراع التي بلغت 11.41 مليون برميل يوميًا.
ويعني ذلك أن ضعف الطلب الصيني ساعد حتى الآن على تخفيف جزء من أثر اضطرابات الإمدادات، وحال دون تحول النقص في المعروض إلى أزمة أسعار أكبر.
لكن الصورة ليست مستقرة بالكامل؛ فقد رفعت الصين وارداتها البحرية من النفط الروسي إلى نحو 1.68 مليون برميل يوميًا، إضافة إلى قرابة مليون برميل يوميًا تصل عبر خطوط الأنابيب، بينما ارتفعت صادراتها من المنتجات المكررة، ومنها الديزل والبنزين، إلى 963 ألف برميل يوميًا في أغسطس.
وهذا يعني أن تغير سياسة بكين الشرائية، أو عودة المصافي الصينية إلى زيادة معدلات التشغيل، يمكن أن يضيف طلبًا كبيرًا إلى سوق تعاني أصلًا من محدودية الإمدادات.
منتجون ومشترون أمام مفاوضات صعبة
ولا تقتصر أهمية مؤتمر «APPEC» على جلساته العلنية، إذ تشكل الاجتماعات الجانبية بين المنتجين والمشترين والمتداولين جزءًا أساسيًا من أعماله.
ومن المتوقع أن تتركز المفاوضات على إعادة توجيه الشحنات، وإلغاء أو تأجيل بعض الإمدادات، وتكاليف النقل إلى موانئ بديلة، إلى جانب عقود وشحنات العام المقبل.
وتزداد صعوبة هذه المفاوضات مع استمرار عدم اليقين بشأن تدفقات هرمز، إذ لا تواجه الشركات مشكلة الحصول على الخام فقط، بل أيضًا كيفية تأمين نقله وبأي تكلفة، وإلى أي ميناء يمكن توجيهه إذا تعطلت المسارات المعتادة.
ويشارك في جلسات المؤتمر هذا العام عدد من أبرز مسؤولي صناعة النفط، بينهم راسل هاردي، الرئيس التنفيذي لشركة «فيتول»، إلى جانب مسؤولين من شركات ومؤسسات مالية عالمية، بينما تتناول الجلسات الرئيسية استقرار سوق النفط، ونظام الأسعار الجديد، وتوازنات الخام والتكرير حتى 2027.
سوق النفط تعيد رسم علاقاتها
وتأتي اجتماعات سنغافورة في وقت شهدت فيه خريطة سوق النفط تحولات كبيرة منذ اندلاع الصراع.
فقد خرجت الإمارات من «أوبك»، بينما غيرت شركة «أدنوك» منهجية تسعير بعض خاماتها، في خطوات قد تكون لها آثار طويلة الأجل على طريقة تسعير وتداول النفط في آسيا.
وفي الوقت نفسه، تحاول «أوبك+» التعامل مع سوق شديدة الاضطراب. وأبقى التحالف في اجتماعه الأخير سياسة الإنتاج لشهر أكتوبر دون تغيير، في ظل استمرار اضطرابات الصادرات المرتبطة بالصراع الإيراني وعدم قدرة زيادة حصص الإنتاج على ضمان وصول مزيد من البراميل فعليًا إلى السوق.
هل تتجاوز الأسعار 100 دولار؟
مع اقتراب برنت من 97 دولارًا، يتوقف المسار المقبل للأسعار بدرجة كبيرة على عاملين متعارضين: حجم الإمدادات التي يمكن إنقاذها أو إعادة توجيهها، ومدى استمرار ضعف الطلب، خصوصًا في الصين.
فإذا طال أمد اضطرابات هرمز واستمرت الهجمات على السفن، فقد تجد الأسواق نفسها أمام نقص فعلي في الإمدادات، في وقت بدأت فيه مخزونات المنتجات بالانخفاض وارتفعت تكاليف الشحن.
أما إذا حافظت الصين على مستويات طلب أقل من المعتاد، واستمرت التدفقات البديلة من روسيا والولايات المتحدة وأفريقيا، فقد يظل صعود الأسعار محدودًا رغم المخاطر الجيوسياسية.
لكن المؤكد أن سوق النفط الآسيوية تدخل مؤتمر «APPEC 2026» في وضع مختلف جذريًا عن بداية العام؛ فالأزمة لم تعد مجرد صدمة مؤقتة في الإمدادات، بل بدأت تعيد تشكيل مسارات التجارة، وتكاليف الشحن، وعلاقات المنتجين بالمشترين، وطريقة تسعير النفط في آسيا. وتكفي عودة جزء من التدفقات عبر هرمز أو فقدان المزيد منها لتغيير توازن السوق بسرعة.





