تل أبيب - تتصاعد المخاوف داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من اتساع رقعة التوتر في الضفة الغربية، بالتزامن مع ارتفاع عدد الإنذارات بشأن هجمات محتملة، وتصاعد حوادث العنف ذات الدوافع القومية، ولا سيما تلك المنسوبة إلى مستوطنين إسرائيليين.
وبحسب تقرير بثته القناة 12 الإسرائيلية، تعمل في الضفة الغربية حالياً 26 كتيبة عسكرية، بينها وحدات من ثلاثة ألوية نظامية، في وقت تواجه فيه المؤسسة الأمنية ما تصفه بارتفاع الدافع لتنفيذ هجمات فلسطينية، إلى جانب تنامي الاحتكاكات المرتبطة بالبؤر الاستيطانية وأعمال العنف التي ينفذها متطرفون يهود.
وفي ظل هذه التطورات، برزت انتقادات داخل الجيش الإسرائيلي لأداء "الوحدة اليهودية" التابعة لجهاز الأمن العام (الشاباك)، حيث يتهم مسؤولون عسكريون الوحدة بعدم تقديم ما يكفي من المعلومات الاستخباراتية والإنذارات بشأن العنف القومي اليهودي.
انتقادات لأداء "الوحدة اليهودية" في الشاباك
ونقلت القناة 12 عن مسؤولين في الجيش الإسرائيلي قولهم إن هناك من يريد أن تبقى "الوحدة اليهودية" في الشاباك ضعيفة، معتبرين أنها لا تعمل بالمستوى المطلوب لمواجهة التطورات الميدانية.
وقال مسؤولون عسكريون إن الوحدة "تفعل أقل مما ينبغي"، وإنها تكتفي بما وصفوه بالحد الأدنى، بينما اتهمها آخرون بعدم توفير معلومات استخباراتية وإنذارات كافية بشأن أعمال العنف القومي.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت يقول فيه الجيش إن عدد البؤر الاستيطانية غير القانونية ومناطق الاحتكاك آخذ في الارتفاع. ووفق المعطيات التي أوردها التقرير، نفذت السلطات منذ بداية العام نحو 160 عملية إخلاء، فيما أقيمت خمس بؤر استيطانية غير قانونية خلال أسبوع واحد في منطقة بنيامين.
وتحذر المؤسسة الأمنية من أن بعض البؤر التي يجري إخلاؤها يعاد بناؤها لاحقاً، الأمر الذي يؤدي، بحسب تقديراتها، إلى زيادة نقاط الاحتكاك ورفع حجم القوات المطلوبة لتأمين المنطقة.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية مع اقتراب موسم قطف الزيتون، الذي يشهد عادة زيادة في الاحتكاكات بين الفلسطينيين والمستوطنين والقوات الإسرائيلية.
تصاعد العنف المنسوب إلى مستوطنين
ولا تقتصر المخاوف الأمنية على الهجمات التي تقول إسرائيل إنها تستهدفها من الجانب الفلسطيني، إذ تتعامل الأجهزة الأمنية أيضاً مع سلسلة من الحوادث التي تصفها إسرائيل بأنها جرائم قومية و"إرهاب يهودي".
وخلال الأسبوع، اعتُقل ثمانية أشخاص تتراوح أعمارهم بين 16 و20 عاماً للاشتباه في تورطهم في حوادث إحراق واعتداء في جنوب جبل الخليل، بحسب التقرير، فيما صادرت القوات ثلاث مركبات يُشتبه في استخدامها خلال تلك الأحداث.
وفي حادث آخر، أضرم مشاغبون يهود النار في مسجد بقرية العيزرية، وتركوا في الموقع عبارة تتوعد برد فعل على عمليات الإخلاء. ولم يعلن حتى الآن عن اعتقال مشتبه بهم في حادث إحراق المسجد.
وقبل ذلك بأيام، شهدت بلدة قصرة وصول أكثر من 70 مشاغباً إسرائيلياً، كان بعضهم ملثماً ويحمل الهراوات، وفق القناة 12. وتخلل الحادث إلقاء حجارة ودخول المشاركين إلى منزل فلسطيني كان سكانه موجودين بداخله، ما أدى إلى إصابة عدد من الفلسطينيين.
وبحسب التقرير، لم تنفذ اعتقالات خلال الحادث، لكن الشاباك والشرطة شرعا لاحقاً في إعداد قائمة بأسماء المشاركين والمنظمين، وأصدرت أوامر اعتقال بحق بعضهم.
وتقدر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وفق المصدر نفسه، أن الحادث لم يكن عفوياً، وإنما جرى تنظيمه مسبقاً، بما شمل تجنيد مركبات وتوفير تمويل وإعدادات ميدانية.
26 كتيبة في الضفة ومخاوف من استنزاف القوات
وفي مواجهة صورة الوضع الحالية، يواصل الجيش الإسرائيلي إبقاء قوات كبيرة في الضفة الغربية، حيث تنتشر 26 كتيبة، بينها قوات من ألوية نظامية كان يفترض أن تحصل أجزاء منها على فترات راحة أو تستعد لتدريبات مرتبطة بالاستعدادات العسكرية المقبلة.
وترى المؤسسة الأمنية أن استمرار هذا الانتشار يعكس حجم التحديات التي تواجهها القوات في المنطقة، خصوصاً مع ارتفاع عدد الإنذارات الأمنية وتزايد نقاط الاحتكاك.
وقال مسؤول عسكري رفيع، بحسب التقرير، إن الدافع لتنفيذ هجمات في الضفة مرتفع، وإن فشل محاولات تنفيذها قد يؤدي، من وجهة نظره، إلى زيادة هذا الدافع.
وخلال الأسبوع الأخير، اعتقلت قوات فرقة الضفة الغربية نحو 60 مشتبهاً به، بينهم أشخاص تقول المؤسسة الأمنية إنهم كانوا يخططون لتنفيذ هجمات في المستقبل القريب.
تحذيرات من تأثير سياسي على الميدان
وبالتوازي مع الانتقادات الموجهة إلى الشاباك، يوجه مسؤولون أمنيون انتقادات إلى بعض الجهات السياسية والقيادات المحلية، متهمين إياها بالتدخل في عمل قوات الأمن وتعقيد جهود إنفاذ القانون.
وبحسب التقرير، يرى مسؤولون أمنيون أن الدعم السياسي لبعض الناشطين في الميدان، وعدم إدانة بعض القيادات المحلية لأعمال عنف، يحدّان من قدرة القادة العسكريين وأجهزة إنفاذ القانون على التعامل مع الأحداث.
كما تحدث مسؤولون عن حاخامات يتيحون، وفق ادعائهم، للنشطاء السفر خلال يوم السبت للمشاركة في أنشطة في المنطقة.
وتقول المؤسسة الأمنية إن هذا المناخ يخلق صعوبات إضافية أمام القوات التي تعمل على منع تصاعد الاحتكاكات، في وقت تتطلب فيه التطورات الميدانية وجود قوات كبيرة في عدة مناطق بالضفة.
هجمات سياسية على قيادة الجيش
وتشمل المخاوف الأمنية أيضاً ما تصفه المؤسسة الأمنية بالهجمات السياسية المتواصلة على كبار قادة الجيش الإسرائيلي.
ويحذر مسؤولون أمنيون من أن هذه الهجمات قد تضعف سلطة القادة الميدانيين وتؤثر في قدرتهم على اتخاذ قرارات في المناطق التي تشهد توتراً.
ونقل التقرير عن مسؤول عسكري رفيع قوله إن القادة في الميدان يشعرون بأنهم "وحدهم"، في إشارة إلى الضغوط التي يتعرضون لها في ظل التوتر الأمني والسياسي.
وخلال نقاش شارك فيه رئيس الحكومة وكبار مسؤولي المؤسسة الأمنية، عُرض تحذير من احتمال تدهور الوضع خلال الأشهر المقبلة، إذا لم تتمكن السلطات من إدارة التطورات في الضفة بصورة فعالة.
اعتقال خلية في قباطية خلال دقائق
وفي خضم هذه التحذيرات، نفذت وحدة "دوفدوفان" التابعة للجيش الإسرائيلي عملية في بلدة قباطية فجر الجمعة، اعتقلت خلالها خمسة فلسطينيين تصفهم المؤسسة الأمنية بأنهم أعضاء في خلية كانت تخطط لتنفيذ هجوم.
وبحسب الجيش الإسرائيلي، جرى تنفيذ العملية بتوجيه استخباراتي من الشاباك، ووصلت القوات إلى عدة مواقع داخل البلدة، وتمكنت من اعتقال الأشخاص الخمسة خلال أقل من عشر دقائق.
وقالت السلطات الإسرائيلية إن المعتقلين كانوا يعملون على تنفيذ هجمات تستهدف مدنيين إسرائيليين وقوات أمن، فيما عثرت القوات خلال عمليات تفتيش للمنازل على بندقية من طراز M16 ووسائل قتالية أخرى.
ونُقل المعتقلون إلى أجهزة الأمن الإسرائيلية لاستكمال التحقيق معهم.
وتأتي العملية في ظل ما تقول المؤسسة الأمنية إنه ارتفاع ملحوظ في عدد الإنذارات بشأن هجمات محتملة في الضفة الغربية، إلى جانب مخاوف من محاولات توجيه عمليات من خارج إسرائيل، بما في ذلك جهات تنسبها الأجهزة الإسرائيلية إلى إيران وحماس خارج قطاع غزة وداخله.
وبذلك، تواجه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مشهداً أمنياً مركباً في الضفة، يجمع بين مخاوف من هجمات فلسطينية محتملة، وتصاعد العنف المنسوب إلى متطرفين يهود، وزيادة نقاط الاحتكاك حول البؤر الاستيطانية، في وقت تستمر فيه الخلافات داخل المنظومة الأمنية بشأن أداء الشاباك وتأثير الضغوط السياسية على إدارة الوضع الميداني.







