تل ابيب - يبدو أن تنفيذ الاتفاق المتعلق بقطاع غزة يواجه جملة من العقبات السياسية والأمنية، في ظل اتساع الفجوة بين رؤية الإدارة الأميركية وموقف الحكومة الإسرائيلية، بحسب تقرير نشرته صحيفة "هآرتس".
ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة أن الخلافات لا تقتصر على تفاصيل تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل تشمل أيضاً طبيعة الدور الذي يؤديه "مجلس السلام" في إدارة المرحلة المقبلة من قطاع غزة، وسط مؤشرات على توتر متزايد بين المجلس ومسؤولين إسرائيليين.
ويأتي ذلك في وقت تقترب فيه الانتخابات الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، الأمر الذي ترى مصادر تحدثت إلى الصحيفة أنه يزيد من حساسية القرارات المرتبطة بغزة ويضعها في سياق سياسي داخلي متشابك.
خلاف حول إدارة المفاوضات مع نتنياهو
وبحسب "هآرتس"، يسعى جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي، والمفوض السامي لـ"مجلس السلام" بشأن غزة، نيكولاي ملادينوف، إلى تقليص الدور الذي يؤديه أرييه لايتستون في الاتصالات مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.
وقال مصدر مطلع للصحيفة إن المسؤولين يرون أن لايتستون ليس حازماً بما يكفي لإدارة المفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية، مضيفاً أن هناك مساعي لتولي محامي ترامب، جوش هالبيرن، دوراً أكبر في هذه الاتصالات.
ويشغل هالبيرن منصب المستشار القانوني لـ"مجلس السلام"، كما يتولى تمثيل ترامب في عدد من القضايا القانونية. وبحسب مصادر نقلت عنها الصحيفة، شارك هالبيرن في نقاشات عدة جرت في إسرائيل والولايات المتحدة، بما فيها الاجتماع الأخير بين ترامب ونتنياهو.
في المقابل، نفى مصدر في "مجلس السلام" وجود خطة لإبعاد لايتستون أو تقليص دوره، مؤكداً أن مشاركة هالبيرن في الاتصالات ترتبط، بحسب روايته، بوجود مسائل قانونية متصلة بالتزامات إسرائيل بموجب اتفاق وقف إطلاق النار وخطة ترامب وقرار مجلس الأمن الدولي.
ووصف متحدث باسم المجلس الحديث عن نية إبعاد لايتستون بأنه "اختلاق تام".
توتر بين مجلس السلام والمؤسسة الإسرائيلية
ووفق مصدر آخر تحدثت إليه "هآرتس"، فإن حالة من الإحباط المتبادل تسود العلاقة بين "مجلس السلام" وأجزاء من المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية.
وأشار المصدر إلى أن مسؤولين في مجلس الأمن القومي ووزارة الدفاع، إلى جانب ضباط في القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي، يرفضون التعاون مع المجلس، وينظرون إلى بعض بنود خارطة الطريق على أنها تضع الحكومة الإسرائيلية في موقف سياسي صعب.
وبحسب المصدر، يرى مسؤولون إسرائيليون أن واشنطن تعاملت مع إسرائيل باعتبارها أمراً مفروغاً منه، وأن تنفيذ الترتيبات المتفق عليها مع حركة حماس قد يعطي انطباعاً بأن الحكومة الإسرائيلية تقدم تنازلات كبيرة.
ويرى مسؤولون في "مجلس السلام"، بحسب التقرير، أن موقف الحكومة الإسرائيلية يرتبط جزئياً باقتراب موعد الانتخابات، وأن نتنياهو يدعم هذا التوجه على أعلى المستويات.
وفي السياق نفسه، نقلت الصحيفة عن مصدر مطلع أن العلاقات بين ترامب ونتنياهو أصبحت شديدة التوتر، وأن مستوى الثقة والعلاقات الإيجابية التي كانت قائمة بينهما في السابق تراجع بشكل كبير.
معبر إيرز.. جهاز الفحص موجود والمعبر لا يزال مغلقاً
ويبرز مأزق تنفيذ التفاهمات في قضية معبر إيرز، حيث وضعت ألمانيا جهازاً متطوراً للفحص الشعاعي بهدف تسهيل مرور المساعدات إلى قطاع غزة، إلى جانب جهاز آخر كان من المفترض وضعه في ميناء أشدود.
وبحسب مصدر دبلوماسي نقلت عنه "هآرتس"، كانت السلطات الألمانية تقدم إحاطات دورية في مركز التنسيق بمدينة كريات غات حول تقدم المشروع، بمشاركة ممثلين إسرائيليين وأميركيين.
وفي 21 أغسطس، نشر السفير الألماني لدى إسرائيل ألكسندر لامبسدورف صوراً من معبر إيرز، معلناً وصول الجهاز الجديد، ومشيراً إلى أنه سيساعد في إدخال مزيد من المساعدات مع الحفاظ على أمن إسرائيل.
لكن بعد نحو أسبوع، أصدر نتنياهو ووزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس بياناً قالا فيه إنه لا توجد تعليمات بفتح معبر إيرز أمام البضائع.
ومنذ ذلك الحين، بقي الجهاز في موقعه بينما ظل المعبر مغلقاً أمام حركة البضائع، وفق التقرير، في وقت تواصل فيه أطراف دولية متابعة الملف من مركز التنسيق في كريات غات.
وقالت وزارة الخارجية الألمانية للصحيفة إنها على تواصل مع الحكومة الإسرائيلية بشأن الخطوات المقبلة.
خلاف حول قوة الاستقرار في غزة
ومن أبرز نقاط الخلاف أيضاً مسألة إدخال قوة دولية إلى قطاع غزة ضمن الترتيبات المقترحة للمرحلة المقبلة.
ووفق "هآرتس"، أعلنت إسرائيل في وقت سابق أن المستوى السياسي وافق على دخول نحو 200 جندي من أوغندا والمغرب، قبل أن يصدر مكتب نتنياهو لاحقاً بياناً ينفي فيه إقرار دخول القوة الدولية إلى القطاع.
ويعتزم "مجلس السلام"، بحسب التقرير، مواصلة العمل لتشكيل قوة الاستقرار، بما في ذلك السعي إلى اتفاق مع كوسوفو لإرسال جنود للمشاركة فيها، إلا أن تنفيذ هذه الخطوة يبقى مرتبطاً بقرار الحكومة الإسرائيلية.
كما تواجه ترتيبات تشكيل قوة شرطة جديدة في غزة عقبات أخرى، إذ تمنع إسرائيل، وفق المصدر الذي تحدث إلى الصحيفة، آلاف الغزيين الذين جرى اختيارهم للعمل ضمن القوة التكنوقراطية من مغادرة القطاع للتدريب في مصر.
ويخشى "مجلس السلام"، بحسب المصدر، من أن السماح لهم بالمغادرة قد لا يضمن عودتهم إلى غزة بعد انتهاء التدريب، بسبب إمكانية فرض قيود أمنية إسرائيلية عليهم.
إسرائيل تتمسك بنزع سلاح حماس
وفي ظل هذه الخلافات، يبقى ملف سلاح حماس أحد أكثر القضايا حساسية في المفاوضات.
ونقلت "هآرتس" عن مصدر مطلع على اجتماع عقد الشهر الماضي بحضور نتنياهو وكوشنر وملادينوف وتوني بلير ومسؤولين آخرين، أن رئيس جهاز الشاباك دافيد زيني ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية شلومي بيندر عرضا أمام المشاركين معلومات ومخاوف أمنية تتعلق بسلوك حماس.
وبحسب المصدر، تضمنت المعطيات التي عرضها المسؤولان الإسرائيليان تقديرات بأن الحركة لا تعتزم التخلي عن سلاحها، إلى جانب معلومات تتعلق بتمويل تركي لأنظمة مرتبطة بالقطاع.
في المقابل، قال مصدر في "مجلس السلام" إن هذه المخاوف لم تكن مفاجئة للمشاركين، مؤكداً أن الخطة الأميركية قامت أساساً على مبدأ المعاملة بالمثل، بحيث تنفذ الأطراف خطوات متدرجة مقابل حصولها على خطوات مقابلة.
وأضاف المصدر أن الوثيقة التي تضم 15 نقطة تضع إطاراً للتفاهمات بين الوسطاء والمجلس وحماس، وتنص، وفق روايته، على التزام الحركة بتسليم سلاحها بالكامل وإنهاء مشاركتها في حكم غزة.
معضلة الانسحاب ونزع السلاح
وتبقى إحدى أعقد القضايا مرتبطة بترتيب الخطوات بين نزع سلاح حماس وانسحاب الجيش الإسرائيلي من القطاع.
ففي حين يصر نتنياهو، وفق التقرير، على أن التجريد الكامل من السلاح شرط أساسي للانسحاب الإسرائيلي، فإن تنفيذ هذا الشرط قبل انسحاب كامل للقوات الإسرائيلية قد يُنظر إليه داخل الساحة الفلسطينية باعتباره تنازلاً كبيراً من جانب حماس.
وترى "هآرتس" أن محاولة صياغة ترتيبات تدريجية تسمح لكل طرف بتحقيق مكاسب سياسية وأمنية قد تصطدم بالواقع على الأرض وبالمواقف المتعارضة لدى الجانبين.
وتشير معطيات استطلاع أجراه خبير الاستطلاعات الفلسطيني خليل شقاقي، ونقلها التقرير، إلى تراجع التأييد لحماس في غزة والضفة الغربية مقارنة ببداية الحرب، من 43% إلى 24%، فيما يرى 20% فقط من الفلسطينيين أن الحركة حققت انتصاراً في الحرب.
لكن الاستطلاع نفسه أظهر، بحسب التقرير، معارضة واسعة لتفكيك سلاح حماس قبل الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، بما يعكس استمرار التناقض بين الموقفين الإسرائيلي والفلسطيني بشأن التسلسل الزمني المطلوب لتنفيذ الاتفاق.
وبذلك، يبدو أن العقبة أمام تنفيذ الترتيبات الخاصة بغزة لا تتعلق فقط بالتفاصيل الأمنية أو التقنية، وإنما أيضاً بخلاف جوهري حول ترتيب الخطوات، وحدود الدور الإسرائيلي والأميركي والدولي، إضافة إلى الحسابات السياسية الداخلية التي تحيط بحكومة نتنياهو مع اقتراب الانتخابات.







