د. غسان مصطفى الشامي- مصدر الإخبارية
تتعرض غزة يوميًا لأبشع المجازر والجرائم التي تستهدف البشر والحجر والشجر، وهي تمضي في عامها الثالث من حرب الإبادة الجماعية، وسط واقع إنساني وميداني بالغ القسوة، واستمرار القصف والاغتيالات والعمليات العسكرية الإسرائيلية.
ورغم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، فإن الحرب لم تتوقف بصورة فعلية، ولا يزال الفلسطينيون في غزة يعيشون أجواء القصف والدمار والركام وتوديع الشهداء، في ظل القيود المفروضة على الحركة ودخول المساعدات، الأمر الذي يجعل وقف إطلاق النار هشًا وغير كافٍ لحماية المدنيين.
وفي الأيام الأخيرة، شهد القطاع عمليات عسكرية تزامنت مع قصف جوي وإطلاق نار في مناطق مكتظة بالنازحين، وأسفرت عن شهداء ومصابين، بما يعكس استمرار الخطر على المدنيين واحتمال تجدد العمليات العسكرية في مناطق أخرى، ويؤكد أن الهدوء القائم لا يمثل حلًا حقيقيًا لمعاناة غزة.
وتأتي هذه التطورات في وقت يتجه فيه الكيان الإسرائيلي إلى انتخابات عامة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وهي الانتخابات الأولى منذ هجمات السابع من أكتوبر 2023، والتي تحولت إلى اختبار سياسي كبير لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته.
وتكشف استطلاعات الرأي عن منافسة شديدة بين معسكر نتنياهو وقوى المعارضة، مع تقدم المعارضة في بعض الاستطلاعات، فيما لا يزال المشهد الانتخابي مفتوحًا على احتمالات متعددة.
ومن هنا تبرز أهمية قراءة التطورات الميدانية في غزة بالتوازي مع المشهد السياسي الإسرائيلي؛ فالانتخابات المقبلة لن تجري بعيدًا عن الحرب، بل سيكون ملف غزة حاضرًا بقوة في النقاش السياسي، خصوصًا في قضايا الأمن، والأسرى الإسرائيليين، ومستقبل الوجود العسكري في القطاع، والعلاقة مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.
لقد حاول نتنياهو تقديم نفسه أمام الجمهور الإسرائيلي باعتباره القائد القادر على إدارة الملفات الأمنية والعسكرية المعقدة، غير أن استمرار الحرب وتداعياتها السياسية والاقتصادية والأمنية جعلت مستقبله السياسي موضع نقاش متزايد. وفي المقابل، لا يبدو أن اليمين الإسرائيلي مستعد لتقديم تنازلات جوهرية في الملف الفلسطيني، بينما يستمر الخطاب الأمني في التأثير بقوة على المشهد السياسي، وسط تصريحات عن احتمالية عودة الحرب واحتلال مدينة غزة.
ولا تتوقف معاناة الفلسطينيين عند القصف والعمليات العسكرية، بل تترافق مع تدهور الخدمات الأساسية وتدمير البنية التحتية وتراكم النفايات وضيق المساحات التي يعيش فيها النازحون، لتتحول الحياة اليومية إلى معركة متواصلة من أجل البقاء.
كما يعيش القطاع الصحي واحدة من أصعب مراحله، مع استمرار حاجة آلاف المرضى إلى علاج متخصص غير متوافر داخل غزة، وصعوبة وصول المرضى إلى العلاج خارج القطاع، الأمر الذي يزيد من خطورة أوضاعهم الإنسانية.
إن استمرار القتل والقصف في غزة على أعتاب الانتخابات الإسرائيلية يطرح سؤالًا مهمًا: هل تتحول معاناة الفلسطينيين إلى ورقة في الصراع الانتخابي الإسرائيلي؟ وهل يصبح استمرار العمليات العسكرية وسيلة لتعزيز صورة القوة والأمن لدى الناخب الإسرائيلي؟
من الواضح أن غزة أصبحت جزءًا أساسيًا من المعركة السياسية الإسرائيلية. فنتنياهو يواجه خصومًا يحملونه مسؤولية الإخفاقات الأمنية والسياسية، بينما يسعى إلى الحفاظ على صورته بوصفه رجل الأمن القادر على حماية إسرائيل وإدارة أزماتها.
إن استمرار المجازر والقتل اليومي يبقي أكثر من مليوني فلسطيني أمام واقع إنساني شديد القسوة، بين الركام والخيام والخوف المستمر من القصف، ويهدد بتحويل وقف إطلاق النار إلى حالة من الهدوء الهش الذي لا ينهي الحرب ولا يؤسس لحل سياسي مستدام.
ومن هنا تقع على المجتمع الدولي مسؤولية تاريخية حقيقية، لا تقتصر على بيانات القلق والإدانة، بل تتطلب حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، وتسهيل إجلاء المرضى، وتحويل وقف إطلاق النار إلى مسار سياسي وإنساني حقيقي.
غزة اليوم تحتاج إلى وقف مستدام لإطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية وفق الاتفاقات، وفتح المعابر أمام المساعدات والمرضى، وإطلاق مسار سياسي يضمن بدء عملية الإعمار وعودة المؤسسات المدنية والحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية إلى العمل.
إن حماية غزة تتطلب إرادة دولية حقيقية تمنع تكرار الجرائم والحروب، وتضمن للفلسطينيين حقهم في الحياة والأمن والكرامة، حتى لا تكون غزة ثمنًا وقربانًا للانتخابات في الكيان الإسرائيلي






