غزة- كشف الممثل السامي لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، عن تطورات نشر قوة الاستقرار الدولية في القطاع، والتعهدات المالية لإعادة الإعمار، محذرًا من أن فشل الخطة الأميركية الخاصة بغزة قد يقود إلى "نقطة اللاعودة"، وعودة الحرب أو اندلاع نزاع جديد تكون تداعياته طويلة الأمد.
وقال ملادينوف، في لقاء مع قناة "الجزيرة"، إن جزءًا من المعدات والتجهيزات الخاصة بقوة الاستقرار الدولية أصبح جاهزًا، فيما خضعت آلية نشر القوات وتحديد مواقعها لتقييمات أولية.
وأوضح أن المغرب وافق على المشاركة في القوة، إلى جانب دول أخرى أبدت اهتمامًا بالمشاركة، مشيرًا إلى أن المفاوضات بشأن مساهماتها لا تزال مستمرة. وأضاف أن المحادثات مع إسرائيل بشأن القوة تشهد تقدمًا، متوقعًا وصول طلائع الفرق العسكرية إلى قطاع غزة خلال الأشهر القليلة المقبلة.
وفيما يتعلق بتركيا، أوضح ملادينوف أن أنقرة لن تشارك بقوات على الأرض، لكنها جزء من فريق الوساطة، وقد أدت، وفق وصفه، دورًا مفيدًا في العملية.
وحذر ملادينوف من أن فشل الخطة الأميركية سيقود إلى "نقطة اللاعودة"، معتبرًا أن البديل عن تنفيذها سيكون استمرار الحرب أو اندلاع نزاع جديد ستكون له تداعيات طويلة الأمد على غزة وإسرائيل والمنطقة.
وقال إن استمرار الوضع الحالي، مع بقاء السيطرة الإسرائيلية على أجزاء من القطاع وتكدس السكان في مناطق أخرى، قد يؤدي إلى فقدان غزة مكانتها كجزء من الدولة الفلسطينية المستقبلية، أو إلى تجدد الحرب بصورة يصعب احتواؤها.
وأضاف أن سكان غزة والمناطق المحيطة وشعوب الشرق الأوسط لديهم مصلحة مشتركة في تنفيذ الخطة، مؤكدًا أنه لا يرى بديلًا أفضل منها، وأن الخيارات الأخرى، سواء الإبقاء على الوضع الراهن أو العودة إلى القتال، ستكون أكثر سوءًا.
غزة مفتاح الحل
وأشار ملادينوف إلى أن تجربته السابقة في الأمم المتحدة، ولا سيما خلال السنوات التي ركز فيها على قطاع غزة، أقنعته بأن أي مسار سياسي ذي مصداقية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لن يكون ممكنًا من دون معالجة أوضاع القطاع.
وأوضح أن نحو مليوني فلسطيني في غزة كانوا يعيشون ظروفًا صعبة حتى قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، نتيجة الحروب والقيود والإغلاق، مشيرًا إلى أن استمرار الأزمة الإنسانية في القطاع من شأنه أن يزرع بذور أزمة أمنية وعسكرية جديدة.
ويرى ملادينوف أن المسار المطروح حاليًا يستند إلى خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب المؤلفة من 20 نقطة، إلى جانب خريطة طريق قال إنها حظيت بموافقة الدول العربية والإسلامية والأمم المتحدة.
وأوضح أن الخطة ترتكز على ثلاثة أهداف رئيسية، هي البدء بإعادة إعمار المناطق المدمرة وتمكين السكان من استعادة حياتهم الطبيعية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، إلى جانب إخراج الأسلحة من الخدمة ونزع الصفة العسكرية عن القطاع.
وأكد أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب التزام جميع الأطراف، بما في ذلك إسرائيل وحركة حماس والفصائل الفلسطينية، إلى جانب توفير الدعم السياسي والمالي من دول المنطقة والمجتمع الدولي.
مفاوضات شاقة بشأن السلاح
وكشف ملادينوف أن المفاوضات التي جرت في القاهرة مع حركة حماس بشأن نزع السلاح كانت "شاقة للغاية"، في ظل تاريخ المقاومة الفلسطينية والواقع القائم في القطاع، موضحًا أنها تضمنت مطالبة حماس بالتخلي عن حكم غزة وسلاحها.
وقال إن المفاوضين عملوا على صيغة جديدة لسلطة انتقالية تحظى بدعم قرار من مجلس الأمن، وتتولى معالجة قضايا السلاح والخدمة المدنية وموظفي القطاع العام والحوكمة وإعادة الإعمار.
وأشار إلى أن هذه المفاوضات جاءت في ظل حالة من انعدام الثقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، واصفًا مستوى الثقة بأنه "دون الصفر".
وأضاف أن حماس والفصائل الفلسطينية وافقت على خريطة الطريق بعد أشهر من المفاوضات، لكنه شدد على أن تطبيق الاتفاق على الأرض يتطلب خطوات مقابلة من الجانب الإسرائيلي.
إسرائيل مطالبة بوقف العمليات
وقال ملادينوف إن الأولوية في المرحلة الحالية تتمثل في تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية الواردة في بروتوكول شرم الشيخ، وعلى رأسها وقف العمليات العسكرية وزيادة حجم المساعدات الإنسانية التي تدخل إلى قطاع غزة، من حيث عدد الشاحنات ونوعية المساعدات.
وأضاف أنه التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الأسبوع الذي سبق الحوار، مشيرًا إلى أن الجانب الإسرائيلي طرح عددًا من الأسئلة والمخاوف بشأن خريطة الطريق.
وأوضح أن مهمة مجلس السلام تتمثل حاليًا في إيجاد الآليات اللازمة لتنفيذ الالتزامات المتفق عليها.
وفيما يتعلق بالضمانات لمنع تكرار الخروقات خلال المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، قال ملادينوف إن دور مجلس السلام لا يقتصر على إصدار البيانات، بل يشمل إيجاد حلول عملية، كاشفًا عن العمل على إنشاء آلية لفض الاشتباك ومنع تصعيد الحوادث الميدانية بين الجانبين.
وأوضح أن هذه الآلية تهدف إلى معالجة أي مشكلة مرتبطة بالأسلحة أو غيرها قبل تحولها إلى مواجهة واسعة.
ورغم الصعوبات، أعرب ملادينوف عن تفاؤله بإمكانية المضي قدمًا في الخطة، متسائلًا عن البديل المتاح أمام الفلسطينيين والإسرائيليين ودول المنطقة.
وقال إن البدائل الأخرى ستكون أسوأ، سواء من خلال استمرار الوضع الراهن أو العودة إلى نزاع عسكري جديد، داعيًا إلى التحلي بالصبر خلال استكمال مراحل الآلية والتوصل إلى الاتفاقات المطلوبة.
وأكد أن الهدف يتمثل في تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من ممارسة مسؤولياتها داخل القطاع، والتعامل مع ملفات إعادة الإعمار والأسلحة والمساعدات الطارئة، بدعم من دول المنطقة والمجتمع الدولي.
أكثر من 7 مليارات دولار لإعادة الإعمار
وفي الجانب المالي، كشف ملادينوف أن تعهدات دول المنطقة لإعادة إعمار قطاع غزة تجاوزت 7 مليارات دولار، فيما تعهدت الولايات المتحدة بتقديم 10 مليارات دولار على مراحل.
وأضاف أن التعهدات الأوروبية تبلغ حاليًا نحو مليار دولار، مشددًا على ضرورة التعامل مع التمويل على مراحل تبدأ بالتعافي الطارئ، قبل الانتقال إلى إعادة الإعمار طويل الأمد.
وأوضح أن الأولويات العاجلة تشمل توفير الأدوية والتعليم الطارئ، ومعالجة مشكلات الصرف الصحي والصحة والكهرباء، إلى جانب إصلاح المنازل التي تعرضت لأضرار جزئية ويمكن إعادة تأهيلها.
وقال إنه لا يشعر بالقلق بشأن عدم توفر الأموال اللازمة لإعادة إعمار غزة، معتبرًا أن التحدي الأساسي يتمثل في اتخاذ الخطوات العملية التي تسمح ببدء تنفيذ الاتفاقات القائمة.
اللجنة الوطنية تستعد لإدارة القطاع
وقال ملادينوف إن اللجنة الوطنية لإدارة غزة أحرزت تقدمًا منذ تأسيسها، وأصبح لديها فريق عمل وخطة تمتد لعامين، مقسمة إلى مراحل مدة كل منها ستة أشهر.
وأوضح أن اللجنة تركز حاليًا على مشاريع يمكن تنفيذها فور دخولها إلى القطاع، كما أقامت علاقات مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول المانحة بهدف تنسيق الجهود.
وأشار إلى إجراء مناقشات تمهيدية بشأن انتقال الوزارات والمسؤوليات إلى اللجنة داخل القطاع، لكنه شدد على أن الخطوة الأولى تتمثل في ضمان التزام الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني بشكل كامل بالالتزامات الواردة في بروتوكول شرم الشيخ.
انسحاب إسرائيلي مقابل إخراج الأسلحة
وقال ملادينوف إن خريطة الطريق تتضمن التزامات على الجانبين، بحيث يتعين على إسرائيل الانسحاب من القطاع، فيما يتعين على الجانب الفلسطيني إخراج الأسلحة من الخدمة.
وأوضح أن تنفيذ الالتزامين يمثل شرطًا أساسيًا للبدء في إعادة إعمار واسعة النطاق، مشيرًا إلى أن الدول المانحة لا ترغب في ضخ الأموال لإعادة بناء غزة من دون ضمانات تحول دون تدميرها مجددًا.
وبحسب ملادينوف، فإن توفير هذه الضمانات يتطلب نجاح عملية جمع الأسلحة وإخراجها من الخدمة، بالتزامن مع انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع على مراحل.
لا تفقدوا الأمل
وفي ختام الحوار، وجه ملادينوف رسالة إلى الفلسطينيين في قطاع غزة واللاجئين، قائلًا: "لا تفقدوا الأمل".
وقال إن فريقه يعمل على مدار الساعة لضمان ألا تكون معالجة أزمة غزة مؤقتة، بل أن تقود إلى حل طويل الأمد يتيح للفلسطينيين في القطاع استعادة حياتهم الطبيعية، والسفر وممارسة التجارة وتربية أطفالهم في ظروف أفضل.
وأقر بأن تنفيذ الآلية يحتاج إلى وقت، لكنه شدد على ضرورة المضي فيها بحذر ومنهجية لتجنب الأخطاء التي ارتُكبت في الماضي.
وأكد أن الرسالة ذاتها موجهة إلى الإسرائيليين، معتبرًا أن المرحلة الحالية تمثل السبيل الوحيد للمضي قدمًا، وداعيًا جميع الأطراف إلى التعاون مع مجلس السلام وفريقه لتنفيذ الخطة.
وختم ملادينوف تحذيره بالقول إن فشل الخطة سيعني، من وجهة نظره، الوصول إلى "نقطة اللاعودة" بالنسبة إلى قطاع غزة وإسرائيل، محذرًا من أن السيناريو الذي سيلي ذلك سيكون مدمرًا ويحمل تداعيات طويلة الأمد على المنطقة.







