وكالات - بدأت شركة أنثروبيك (Anthropic) الكشف بصورة أكثر تفصيلًا عن التقنية التي تعتزم استخدامها لوضع بصمة غير مرئية داخل النصوص التي تنتجها نماذج الذكاء الاصطناعي «كلود (Claude)»، في خطوة ترتبط بمتطلبات الشفافية الخاصة بالمحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي.
ولا تعتمد التقنية على إدخال رموز أو أحرف مخفية داخل النص، وإنما تعمل على مستوى عملية التوليد نفسها، من خلال التأثير في الطريقة التي يختار بها النموذج الكلمات عندما تتوافر أمامه عدة خيارات لغوية متقاربة في المعنى. ومع تكرار هذه الاختيارات على امتداد النص، يتشكل نمط إحصائي يمكن فحصه لاحقًا لتقدير احتمال مشاركة «كلود» في إنتاج المحتوى.
وتؤكد أنثروبيك أن القارئ لن يتمكن من ملاحظة فرق واضح بين النص الذي يحمل البصمة والنص التقليدي، مشيرة إلى أن التقنية لا تضيف رموزًا مخفية ولا تتطلب عددًا إضافيًا من وحدات التوكن، كما لا يُفترض أن تؤدي إلى زيادة تكلفة الاستخدام أو إبطاء عملية التوليد بصورة عملية.
كيف تعمل البصمة؟
تعتمد نماذج اللغة الكبيرة على توقع العنصر اللغوي التالي أثناء إنتاج النص، سواء كان كلمة أو جزءًا من كلمة، بناءً على سياق المحتوى السابق. وفي كثير من الحالات، تكون هناك عدة كلمات يمكن استخدامها بصورة صحيحة من دون اختلاف جوهري في المعنى أو الدقة.
وتستفيد أنثروبيك من هذه المساحة المتاحة للاختيار من أجل إنشاء البصمة. فبدلًا من ترك عملية الاختيار للعشوائية التقليدية المستخدمة أثناء التوليد، تعتمد الآلية على نظام مرتبط بمفتاح خاص وبالكلمات التي ظهرت سابقًا في النص.
وعندما تتكرر هذه الاختيارات على عدد كبير من الكلمات، ينتج نمط إحصائي يمكن لنظام الكشف الخاص بالشركة البحث عنه وتحديد مدى توافقه مع النصوص التي أنتجها «كلود».
وتقول أنثروبيك إن التقنية تستند إلى نسخة من منهج SynthID-Text الذي طورته «غوغل ديب مايند» ونُشرت حوله دراسة علمية في عام 2024.
وبحسب الشركة، أظهرت الاختبارات الداخلية وأبحاث سابقة أن استخدام هذا النوع من البصمات لم يؤدِ إلى فروق ذات دلالة في جودة النصوص أو إبداعها أو سهولة قراءتها مقارنة بالمحتوى غير الممهور.
طول النص يؤثر في إمكانية الكشف
لا تتمتع البصمة بالقوة نفسها في جميع أنواع المحتوى. فكلما كان النص أطول، وكلما توافرت للنموذج خيارات لغوية متعددة، زادت كمية البيانات التي يمكن استخدامها في تحديد النمط الإحصائي.
في المقابل، تكون الإشارة أضعف في النصوص القصيرة، إذ لا يتوافر عدد كافٍ من الاختيارات لتكوين نمط قوي يمكن الاعتماد عليه في عملية الكشف.
كما تواجه التقنية قيودًا في المحتوى الذي يفرض صياغة محددة. فعندما تكون هناك إجابة واحدة صحيحة أو صياغة ضرورية للحفاظ على دقة المعلومة، لا يملك النموذج مساحة كافية لتغيير اختياره من أجل تكوين البصمة.
وينطبق ذلك، بدرجات متفاوتة، على البرمجة، حيث تتطلب أجزاء كبيرة من الشفرة صياغة دقيقة حتى تعمل بصورة صحيحة. أما التعليقات البرمجية والأجزاء التي تسمح ببدائل لغوية متقاربة، فقد توفر مساحة أكبر لظهور البصمة.
ماذا يحدث عند تدقيق نص بشري؟
تطرح التقنية أيضًا تساؤلات بشأن النصوص التي يكتبها المستخدمون بأنفسهم ثم يستعينون بـ«كلود» لتدقيقها أو تصحيحها.
وتوضح أنثروبيك أن البصمة لا ترتبط بالنص الأصلي الذي كتبه المستخدم، وإنما بالعبارات والكلمات التي يختارها النموذج خلال عملية التوليد أو التحرير.
وبالتالي، إذا اقتصر تدخل «كلود» على تصحيح عدد محدود من الأخطاء النحوية أو علامات الترقيم، فقد لا تكون هناك تغييرات كافية لتكوين إشارة إحصائية قوية يمكن اكتشافها بصورة موثوقة.
أما إذا تولى النموذج إعادة صياغة أجزاء واسعة من النص أو إنتاج محتوى جديد، فإن عدد الاختيارات التي يجريها «كلود» يزداد، وبالتالي ترتفع إمكانية ظهور البصمة.
وتندرج الترجمة ضمن الحالات التي يمكن أن تكون فيها البصمة أكثر وضوحًا، لأن النموذج يعيد اختيار معظم كلمات النص الناتج، حتى لو كان المحتوى الأصلي قد كتبه إنسان بالكامل.
البصمة قابلة للإضعاف وإعادة الكتابة
لا تقدم أنثروبيك البصمة باعتبارها علامة غير قابلة للإزالة، إذ تقر الشركة بأن إعادة تحرير النص يمكن أن تضعف الإشارة أو تزيلها.
وقد لا تكون التعديلات البسيطة كافية لمحو البصمة بالكامل، نظرًا إلى أن النمط موزع عبر عدد كبير من الاختيارات اللغوية. لكن إعادة صياغة النص على نطاق واسع، واستبدال معظم كلماته أو إعادة بنائه من جديد، يمكن أن تقلل عدد الإشارات التي يعتمد عليها نظام الكشف إلى مستوى لا يسمح باستنتاج موثوق.
وبذلك، تعتمد فعالية التقنية بدرجة كبيرة على مقدار النص الذي أنشأه «كلود» وعلى حجم التعديلات التي تطرأ عليه بعد التوليد.
لا تحدد البصمة مؤلف النص
وتضع أنثروبيك حدودًا واضحة لما يمكن أن تثبته هذه التقنية. فالعثور على البصمة لا يعني بالضرورة أن «كلود» كتب النص كاملًا من البداية، وإنما يشير إلى احتمال مشاركة النموذج في إنتاجه أو تحرير جزء منه.
كما أن غياب البصمة لا يثبت أن النص كتبه إنسان، ولا يسمح وحده بإثبات أن نموذجًا آخر للذكاء الاصطناعي هو مصدر المحتوى.
ويرتبط ذلك بطبيعة التقنية، إذ يمكن لمزودي خدمات الذكاء الاصطناعي المختلفين استخدام مفاتيح وآليات بصمة مختلفة، ما يجعل اكتشاف بصمة شركة معينة مختلفًا عن التعرف على مصدر المحتوى بصورة عامة.
وتؤكد أنثروبيك كذلك أن البصمة لا تتضمن معلومات تعريفية تسمح بتحديد المستخدم أو المؤسسة أو المحادثة التي أنتج منها النص، ولا تغير، بحسب الشركة، مسائل حقوق المستخدم أو الملكية القانونية للمحتوى.
أداة للكشف قيد التطوير
تعمل الشركة حاليًا على تطوير واجهة برمجية مخصصة للكشف عن البصمة، من شأنها إتاحة فحص نص معين وتقدير احتمال مشاركة «كلود» في إنتاجه.
ولم تكشف أنثروبيك حتى الآن التفاصيل النهائية المتعلقة بموعد إطلاق الأداة أو شروط استخدامها وإتاحتها، لكن النهج المقترح يختلف عن أدوات كشف المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي التي تعتمد على تحليل أسلوب الكتابة ومحاولة استنتاج مصدر النص بعد إنتاجه.
وفي حالة بصمة أنثروبيك، يجري البحث عن نمط إحصائي مرتبط بعملية التوليد نفسها، ما يمنح الشركة وسيلة مختلفة للتحقق من احتمال استخدام «كلود».
الالتزام بقواعد الذكاء الاصطناعي الأوروبية
تأتي هذه الخطوة في سياق متطلبات متزايدة للشفافية بشأن المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي في أوروبا.
ووقعت أنثروبيك، إلى جانب شركات وجهات أخرى، مدونة الممارسات الأوروبية المتعلقة بالشفافية في المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي في يوليو/تموز 2026.
وتقول الشركة إن تطبيق البصمة سيكون عالميًا عند إطلاقها، لأنها لا تملك في الوقت الحالي آلية مستقرة تتيح تقييدها بالسوق الأوروبية فقط.
أما النماذج التي أطلقت قبل 2 أغسطس/آب 2026، فتدخل ضمن فترة انتقالية، وتعمل أنثروبيك على إضافة البصمة إليها خلال الأشهر المقبلة.
آلية مختلفة للصور والملفات
ولا تقتصر جهود الشركة على النصوص، إذ تستخدم أنثروبيك آلية مختلفة بالنسبة إلى الصور والملفات المدعومة، مثل PNG وJPEG وSVG.
وتعتمد هذه الملفات على بيانات اعتماد للمحتوى وفق معيار C2PA، تُضاف إلى البيانات الوصفية للملف للإشارة إلى مشاركة «كلود» في إنشائه أو معالجته.
وتختلف هذه الطريقة عن البصمة النصية؛ إذ لا تعتمد على تغيير محتوى الصورة أو الملف نفسه، وإنما تستخدم بيانات مرتبطة بالملف لتوفير معلومات حول مصدره أو كيفية إنشائه ومعالجته.
وبذلك، تتجه أنثروبيك إلى الجمع بين آليتين مختلفتين لتوثيق مشاركة نماذجها في إنتاج المحتوى: بصمة إحصائية للنصوص، وبيانات اعتماد للمحتوى بالنسبة إلى الصور والملفات، في محاولة لتعزيز قابلية التحقق من المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على تجربة الاستخدام الطبيعية.






