تل أبيب - حذّرت تقديرات في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن سيناريو التصعيد الواسع في الضفة الغربية، الذي تخشى المؤسسة تحققه مع اقتراب موعد الانتخابات، بات يقترب من الواقع، في ظل تزايد التوتر على الأرض وتداخل الاعتبارات السياسية مع الوضع الأمني.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «معاريف»، فإن الجيش الإسرائيلي يواجه مخاوف متصاعدة من أن يؤدي سلوك المستوى السياسي، إلى جانب عوامل أمنية وميدانية أخرى، إلى إشعال الضفة الغربية بصورة أكبر، في وقت تنشط فيه القوات الإسرائيلية على عدة جبهات.
وتقول الصحيفة إن المؤسسة الأمنية كانت تأمل أن يؤدي انتهاء الانتخابات التمهيدية داخل حزب الليكود إلى تهدئة الأجواء السياسية، إلا أن التطورات الأخيرة عززت لديها الاعتقاد بأن التوتر مرشح للاستمرار والتصاعد.
مخاوف من توظيف التوتر أمنيًا في المنافسة الانتخابية
وبحسب التقرير، يرى ضباط كبار في الجيش الإسرائيلي أن الخشية الرئيسية في المرحلة الراهنة تتمثل في احتمال دفع جهات سياسية باتجاه تصعيد الوضع الأمني في الضفة الغربية بهدف استعادة مقاعد انتخابية فقدتها في السابق.
وتشير هذه التقديرات إلى أن بعض السياسيين قد يرون في زيادة التوتر الأمني وسيلة لتعزيز خطاب اليمين وحشد قاعدته الانتخابية، الأمر الذي يضع المؤسسة العسكرية أمام معضلة تتمثل في التعامل مع تداعيات قرارات وخطوات سياسية على الأرض.
وفي هذا السياق، أثار عضو الكنيست عن حزب «الصهيونية الدينية»، تسفي سوكوت، انتقادات واسعة بعد اقتحامه قرية مادما جنوبي نابلس، فيما أعلن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير عن هدم مبنى تابع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» في قلنديا.
وترى المؤسسة الأمنية، وفق التقرير، أن مثل هذه الخطوات يمكن أن تزيد الاحتكاك وتعمق التوتر في الضفة الغربية في مرحلة حساسة أمنيًا وسياسيًا.
الضفة الغربية.. الجبهة الأكثر تعقيدًا
ويواجه الجيش الإسرائيلي حاليًا تعددًا في الجبهات التي ينشط فيها، من قطاع غزة إلى لبنان وسورية، إضافة إلى الاستعداد لاحتمالات التصعيد مع إيران واليمن.
لكن الضفة الغربية تظل، وفق التقديرات التي أوردتها «معاريف»، إحدى أكثر الجبهات تعقيدًا بالنسبة إلى المؤسسة الأمنية، بسبب تنوع السيناريوهات التي يتعين عليها الاستعداد لها.
وتشمل هذه السيناريوهات اندلاع اضطرابات واسعة، وتنفيذ هجمات على الطرق من قبل خلايا مسلحة، وصولًا إلى احتمال اقتحام عشرات أو مئات المسلحين للمستوطنات الإسرائيلية.
ولا تقتصر المخاوف على الهجمات التقليدية، إذ يأخذ الجيش في حساباته أيضًا احتمال تنفيذ هجمات مركبة تستخدم فيها أعداد كبيرة من المسيّرات المفخخة ضد المستوطنات والقوات الإسرائيلية في مناطق التماس.
تعزيزات عسكرية على خلفية التوتر
وفي ظل هذه المخاوف، نقل الجيش الإسرائيلي بالفعل لواء المظليين من قطاع غزة إلى الضفة الغربية، في خطوة تعكس ارتفاع مستوى الاستعداد العسكري في المنطقة.
وبحسب التقرير، يرى الجيش أنه بحاجة إلى تعزيزات إضافية، تشمل لواءً آخر على الأقل، إلى جانب كتيبة أو كتيبتين إضافيتين لنشرها في أنحاء الضفة الغربية وتعزيز الانتشار العسكري فيها.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه القوات الإسرائيلية تحديات متزامنة على أكثر من جبهة، ما يجعل مسألة توزيع القوات والموارد بين مناطق العمليات المختلفة أكثر تعقيدًا.
عوامل متعددة تدفع نحو التصعيد
وتشير التقديرات الأمنية إلى وجود مجموعة من العوامل التي تساهم في زيادة التوتر في الضفة الغربية.
ومن بين هذه العوامل الأزمة الاقتصادية التي تعانيها السلطة الفلسطينية، إلى جانب ما تصفه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بالتحريض والتوجيه الإيراني عبر حركتي حماس والجهاد الإسلامي.
وبحسب التقديرات الإسرائيلية، تنشط شبكات مرتبطة بالحركتين عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعلى الأرض لتشجيع الشبان الفلسطينيين على مواجهة القوات الإسرائيلية وتنفيذ هجمات ضد إسرائيليين في الضفة الغربية وداخل إسرائيل.
ويضاف إلى ذلك نشاط جماعات اليمين الإسرائيلي وازدياد حوادث الاحتكاك بين المستوطنين والفلسطينيين، وهي عوامل تقول المؤسسة الأمنية إنها قد تسهم في إنتاج سلسلة متصاعدة من الأحداث يصعب احتواؤها.
هدم بؤر استيطانية في ظل التصعيد
وتزامنت التحذيرات الأمنية مع سلسلة من الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية.
وخلال الأسبوع الماضي، هدم الجيش الإسرائيلي وقوات حرس الحدود والإدارة المدنية 11 بؤرة استيطانية غير قانونية، وفق ما أوردته «معاريف».
وأقيم عدد من هذه البؤر، بحسب التقرير، عقب حادثة وقعت في قرية تل قبل نحو شهر، وأسفرت عن مقتل ضابطين إسرائيليين، الرائد يوفال عزرا والنقيب في الاحتياط بنياهو مالت، خلال مواجهات قالت الرواية الإسرائيلية إنها جرت في سياق عملية أمنية.
وتعكس هذه التطورات حجم التوتر الذي تشهده المنطقة، حيث تتداخل اعتداءات المستوطنين والهجمات الفلسطينية والإجراءات العسكرية الإسرائيلية ضمن بيئة أمنية شديدة الحساسية.
حصار عائلة فلسطينية في قصرة
ومن الوقائع التي يستشهد بها التقرير للدلالة على مستوى التصعيد، حادثة وقعت في قرية قصرة الفلسطينية، حيث حاصرت مجموعة من المستوطنين عائلة فلسطينية داخل منزلها لمدة ثلاثة أيام، وسط اتهامات للجيش والشرطة بالتقاعس عن التدخل في الوقت المناسب.
وبحسب التقرير، أقام المستوطنون في عريشة قرب المنزل على مدار الساعة، بينما لم يتمكن أفراد العائلة من مغادرة منازلهم خشية تعرضهم للعنف.
وأفاد التقرير بأن سكان المنازل المحاصرة حاولوا مرارًا طلب المساعدة من قوات الأمن وجهات إنفاذ القانون، كما حاولوا استدعاء قوات النجدة دون أن تنجح محاولاتهم في إنهاء الحصار.
وفي إحدى الوقائع التي أثارت انتقادات، وثقت مشاهد وصول قوة عسكرية إلى المكان، حيث صلّت مع المستوطنين المعتدين قبل أن تغادر، وفق ما نقلته الصحيفة.
وفي نهاية المطاف، تدخلت القوات وأخلت نحو 100 من نشطاء اليمين المتطرف الذين كانوا موجودين في القرية.
المؤسسة الأمنية أمام معادلة معقدة
وتشير صورة الوضع التي ترسمها «معاريف» إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تواجه معادلة شديدة التعقيد في الضفة الغربية، إذ تتعامل في الوقت ذاته مع تهديدات مسلحة فلسطينية، واعتداءات المستوطنين، واضطرابات شعبية محتملة، وضغوط سياسية متزايدة.
وتزداد حساسية الوضع مع اقتراب الانتخابات، في ظل مخاوف داخل المؤسسة الأمنية من أن تؤدي الحسابات السياسية إلى خطوات ترفع مستوى الاحتكاك، بينما سيكون الجيش مطالبًا باحتواء النتائج الأمنية لهذه السياسات.
ومع نقل قوات من غزة وتعزيز الانتشار العسكري في الضفة، تستعد المؤسسة الأمنية، وفق التقرير، لسيناريوهات تتجاوز الاحتجاجات والهجمات المحدودة إلى أحداث واسعة النطاق قد تشمل اقتحام مستوطنات وهجمات مركبة باستخدام المسيّرات، ما يجعل الضفة الغربية إحدى أكثر الجبهات حساسية في المرحلة المقبلة.







