طرابلس - تدفع التحركات الأميركية الأخيرة في ليبيا باتجاه إعطاء الأولوية لتوحيد المؤسسات الاقتصادية والأمنية والسياسية، بالتوازي مع العمل على تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات، في مقاربة تعيد ترتيب خطوات الخروج من الأزمة الليبية الممتدة.
مقاربة واشنطن: المؤسسات أولاً
وبرز هذا التوجه في تحركات كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، الذي أكد دعم واشنطن لجهود توحيد المؤسسات وتعزيز الاستقرار، مشدداً على أن تفاصيل أي اتفاقات في هذا الشأن تعود إلى الليبيين أنفسهم. كما أكد استمرار التواصل مع مختلف الأطراف والتنسيق مع المبعوثة الأممية هانا تيتيه والشركاء الدوليين.
غير أن عدم وجود وثيقة أميركية معلنة يترك الباب مفتوحاً أمام قراءات متباينة حول ما إذا كانت هذه التحركات تمهد لبناء مؤسسات موحدة قادرة على إجراء الانتخابات وتنفيذ نتائجها، أم تنتهي إلى إعادة ترتيب موازين السلطة بين القوى المسيطرة في شرق البلاد وغربها.
وتشير التصريحات الأميركية إلى مقاربة تنطلق من أن الأزمة لا تقتصر على الخلاف بشأن القاعدة الدستورية وقوانين الاقتراع، بل ترتبط بانقسام مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوة وانتشار السلاح. وتتحرك واشنطن على مسارات تشمل توحيد الميزانية، وتشجيع التعاون الأمني بين الشرق والغرب عبر التدريبات المشتركة، وحماية منشآت الطاقة وتهيئة المجال أمام الاستثمارات لتوفير بيئة مستقرة بدلاً من تنظيم اقتراع قد ترفض أطراف مسلحة نتائجه.
ويواجه هذا المسار تحديات أمنية، خصوصاً في غرب ليبيا، حيث تتكرر المواجهات بين التشكيلات المسلحة امتداداً إلى مرافق حيوية كالنفط ومحطات الكهرباء.
مبادرة تطبيق واقعية أم شرعنة للنفوذ؟
وفي هذا السياق، يرى عضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة أن التحركات الأميركية تمثل مقاربة واقعية لكسر الجمود، واصفاً إياها بأنها "مبادرة تطبيق" لخارطة الطريق المعتمدة دولياً وليست مشروعاً جديداً. وقال بن شرادة لـ"سكاي نيوز عربية" إن الخلافات بين مجلسي النواب والدولة أثبتت أن المشكلة تكمن في القدرة على تنفيذ الاتفاقات وسط تعدد مراكز القوة، مؤكداً أن إشراك الجهات المسيطرة ميدانياً قد يساعد على تأمين المسار الدستوري وضمان قبول النتائج.
في المقابل، يرى الخبير السياسي والقانوني أنور ياسين المنفي أن الحديث عن توحيد المؤسسات يخفي محاولة لإعادة توزيع النفوذ. وأوضح المنفي في تصريحات صحفية نشرتها "سكاي نيوز عربية" أن الطرح المتداول يقوم على الإبقاء على رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة في الغرب مقابل منح صدام حفتر موقعاً سيادياً يمثل الشرق، محذراً من تحول التسوية إلى "تكريس لحكم النخب بغطاء دولي"، ومبدياً دعمه لخارطة طريق "الرئاسات الثلاث" القائمة على توافق داخلي.
تعدد الفاعلين ومخاوف المحاصصة
من جانبه، يتفق الكاتب والباحث السياسي محمد محفوظ مع أن المقاربة تسعى لتثبيت موازين القوى، لكنه يشير إلى أن اختزال المشهد في الدبيبة وحفتر يتجاهل قوى أخرى قادرة على تعطيل أي اتفاق، لافتاً إلى أن توسيع المشاركة قد يمنح التسوية قبولاً أكبر لكنه يهدد بإعادة المفاوضات لنقطة البداية.
أما المرشح الرئاسي سليمان البيوضي، فوصف الطرح بأنه "صفقة محاصصة ولدت ميتة"، معتبراً أن حديث بولس عن الاستماع لمختلف الأطراف يعكس تعثر صيغة تقاسم السلطة، ومرجحاً أن يدفع الانسداد نحو مسار إقليمي بمشاركة مصر وتركيا لدعم حوار ليبي أوسع يعيد تجديد الشرعيات.
وبيّن تقديم طرح المؤسسات والمطالبة بالانتخابات، يبقى المحك الرئيسي في مدى قدرة أي سلطة موحدة على إخضاع السلاح، وحماية الموارد، وضمان تنفيذ نتائج أي عملية انتخابية مرتقبة.






