ترجمات - تشهد إيران نقاشًا متصاعدًا حول مستقبل عقيدتها النووية، في ظل التحولات الأمنية التي شهدتها المنطقة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، والهجمات الإسرائيلية والأمريكية التي استهدفت إيران خلال الفترة الأخيرة، وما نتج عنها من مراجعة واسعة لمدى فاعلية منظومة الردع التي اعتمدت عليها الجمهورية الإسلامية لعقود.
ويتمحور الجدل داخل طهران حول سؤال أساسي: هل لا تزال سياسة البقاء عند عتبة القدرة النووية، من دون إنتاج سلاح نووي فعلي، قادرة على حماية النظام وردع خصومه، أم أن التطورات العسكرية الأخيرة أثبتت الحاجة إلى الانتقال نحو امتلاك سلاح نووي بصورة صريحة؟
ولسنوات طويلة، تبنت إيران سياسة تقوم على تطوير قدرات نووية متقدمة تتيح لها الاقتراب من عتبة امتلاك السلاح، مع تجنب اتخاذ القرار النهائي بإنتاجه. وارتبط هذا النهج باعتبارات متعددة، من بينها تجنب مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، والحفاظ على هامش للمناورة الدبلوماسية، وتفادي تكاليف سياسية واقتصادية وأمنية يمكن أن تترتب على امتلاك سلاح نووي.
غير أن هذه الحسابات تعرضت لاختبار شديد خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا مع تراجع قدرة ما كانت طهران تعتبره أحد أعمدة أمنها الإقليمي، والمتمثل في شبكة حلفائها ووكلائها، إلى جانب تعرض قدراتها الصاروخية والبنية التحتية النووية لضربات مباشرة.
تصريحات إيرانية تعكس تحولًا في النقاش
برزت مؤشرات على إعادة النظر في العقيدة النووية الإيرانية قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية الإيرانية في يونيو/حزيران 2025. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، قال علي شمخاني، مستشار المرشد الأعلى الإيراني ووزير الدفاع السابق، إنه لو عاد إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما كان وزيرًا للدفاع في عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي، لكان أيد تطوير قنبلة نووية.
وربط شمخاني هذا الموقف بالتجربة التي خاضتها إيران خلال حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل في يونيو/حزيران 2025، معتبرًا أن الحرب أظهرت، من وجهة نظره، الحاجة إلى امتلاك إيران أسلحة نووية.
وتعكس هذه التصريحات، إلى جانب مواقف مسؤولين وبرلمانيين آخرين، اتساع مساحة النقاش الداخلي بشأن جدوى الاستمرار في سياسة العتبة النووية.
ويرجع تاريخ البرنامج النووي الإيراني إلى عهد الشاه، قبل أن يتوقف عقب الثورة الإسلامية عام 1979. إلا أن الحرب العراقية الإيرانية، وما رافقها من استخدام العراق للأسلحة الكيميائية والصواريخ، دفعت القيادة الإيرانية إلى إعادة تنشيط البرنامج خلال ثمانينيات القرن الماضي.
وخلال تلك الفترة، ظهرت تصريحات من مسؤولين إيرانيين كبار تشير إلى احتمال الحاجة إلى قدرات نووية في ظروف معينة. لكن الخطاب العلني تغير لاحقًا، وأصبحت طهران تؤكد أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية، في حين استند رفض إنتاج السلاح النووي إلى اعتبارات دينية وسياسية واستراتيجية.
خامنئي والردع النووي
رغم رفض المرشد الأعلى علي خامنئي رسميًا امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، فإن التصور الإيراني للبرنامج النووي ظل مرتبطًا بمفهوم الردع وبقاء النظام.
وتعتقد القيادة الإيرانية منذ سنوات أن البرنامج النووي يمثل، في جزء منه، وسيلة لمواجهة الضغوط الغربية، وأن الولايات المتحدة وإسرائيل ستواصلان البحث عن ذرائع للضغط على الجمهورية الإسلامية حتى لو تمت تسوية الملف النووي.
كما استحضرت طهران تجارب دول أخرى لتدعيم رؤيتها. فقد اعتبرت مصير العراق وليبيا، مقارنة بكوريا الشمالية، دليلًا على أن الدول التي تتخلى عن قدراتها الاستراتيجية قد تصبح أكثر عرضة للضغوط والتدخل العسكري.
وفي المقابل، أثارت تجربة أوكرانيا بعد التخلي عن ترسانتها النووية في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي نقاشًا داخل إيران حول مخاطر الاعتماد على الضمانات الدولية بدلًا من امتلاك أدوات ردع مستقلة.
حرب 2025 تعيد طرح خيار القنبلة
قبل حرب يونيو/حزيران 2025، كانت إيران قد وصلت إلى مستوى متقدم للغاية من القدرات النووية، مع مخزون كبير من اليورانيوم المخصب وقدرات متطورة في مجال أجهزة الطرد المركزي وخبرة علمية وتقنية متراكمة.
لكن الضربات الإسرائيلية والأمريكية شكلت انتكاسة كبيرة للبرنامج، وأظهرت في الوقت نفسه استعداد إسرائيل والولايات المتحدة لاستخدام القوة لمنع إيران من الوصول إلى قدرة نووية عسكرية.
هذه التطورات عززت حجج التيار الإيراني المؤيد لتغيير العقيدة النووية. وفي سبتمبر/أيلول 2025، دعا عشرات النواب الإيرانيين إلى إعادة النظر في العقيدة الدفاعية للبلاد، معتبرين أن امتلاك السلاح النووي أصبح ضرورة في ضوء الهجمات التي تعرضت لها إيران.
كما ذهب بعض النواب والمسؤولين إلى الدعوة للانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، واعتماد سياسة الغموض النووي، بل وإجراء تجربة نووية في مرحلة لاحقة.
ويستند هذا التيار إلى اعتقاد مفاده أن سياسة العتبة النووية لم توفر الردع المطلوب، وأن بقاء إيران قادرة على إنتاج السلاح دون امتلاكه فعليًا لم يمنع خصومها من توجيه ضربات إليها.
تيار آخر يشكك في جدوى السلاح النووي
في المقابل، لا يحظى خيار إنتاج القنبلة بإجماع داخل إيران. فقد ظهرت أصوات سياسية وأمنية وإعلامية تحذر من أن امتلاك السلاح النووي لا يعني بالضرورة تحقيق الحصانة التي تبحث عنها الجمهورية الإسلامية.
ويستند أصحاب هذا الرأي إلى تجارب الهند وباكستان وإسرائيل وروسيا، معتبرين أن امتلاك السلاح النووي لم يمنع هذه الدول من التعرض لصراعات وهجمات وتهديدات عسكرية.
ويرى هذا التيار أن الردع الفعال لا يعتمد على السلاح النووي وحده، وإنما يحتاج إلى مزيج من القوة التقليدية، والقدرات الصاروخية، والدفاعات الجوية، والاستقرار الاقتصادي والسياسي، والقدرة الاستخباراتية، والعلاقات والتحالفات الدولية.
كما يحذر أصحاب هذا الرأي من أن تطوير سلاح نووي قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، من خلال منح إسرائيل والولايات المتحدة مبررًا إضافيًا لشن ضربات جديدة ضد إيران، فضلًا عن احتمال فرض عقوبات دولية إضافية وتعميق عزلة طهران.
مشكلة الردع النووي الإيراني
ويثير منتقدو الخيار النووي مسألة أخرى تتعلق بقدرة إيران على تحويل امتلاك قنبلة إلى قوة ردع موثوقة.
فامتلاك كمية كافية من المواد الانشطارية أو القدرة على إنتاج جهاز نووي لا يعني تلقائيًا امتلاك منظومة ردع نووية متكاملة. إذ يتطلب الردع الفعال قدرة على حماية السلاح، ونظم قيادة وسيطرة موثوقة، ووسائل إطلاق قادرة على إيصال الرأس النووي، فضلًا عن امتلاك قدرة على توجيه ضربة ثانية في حال تعرضت الدولة لهجوم.
وبحسب هذا الطرح، فإن امتلاك عدد محدود من الرؤوس النووية سيكون عرضة للخطر في مواجهة خصم يمتلك تفوقًا عسكريًا واستخباراتيًا كبيرًا، ما يحد من قيمة الردع الذي تسعى إيران إلى تحقيقه.
كما أن الانتقال من سياسة العتبة النووية إلى امتلاك السلاح قد يتطلب اتخاذ خطوات يصعب إخفاؤها، وهو ما يزيد احتمال اكتشافها من قبل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية.
الغموض النووي بين المؤيدين والمعارضين
لم يقتصر النقاش داخل إيران على خيار إنتاج السلاح النووي، بل امتد إلى فكرة تبني سياسة الغموض النووي، على غرار نماذج أخرى.
ويرى مؤيدو هذا الخيار أن إيران تستطيع الاستفادة من قدراتها الحالية لإقناع خصومها بأنها قادرة على إنتاج السلاح، من دون الإعلان رسميًا عن امتلاكه أو إجراء تجربة نووية.
لكن المعسكر البراغماتي يحذر من أن سياسة الغموض قد تؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصًا في ظل البيئة الأمنية المحيطة بإيران. ويستند هؤلاء إلى تجارب العراق وليبيا، حيث ساهم الغموض بشأن القدرات غير التقليدية في زيادة الشكوك الدولية بدلًا من توفير الحماية.
كما تختلف حالة إيران عن كوريا الشمالية، بحسب هذا الطرح، بسبب قربها الجغرافي من إسرائيل، وطبيعة الصراع المباشر معها، إضافة إلى نقاط الضعف التي ظهرت في المنظومة الإيرانية للاستخبارات المضادة.
مضيق هرمز ينافس القنبلة في حسابات الردع
وفي تطور لافت، برز داخل إيران بعد عملية "الأسد الزائر" تصور يرى أن أهم أدوات الردع الإيرانية قد لا تكون نووية أصلًا، بل جيوسياسية واقتصادية.
ويتصدر مضيق هرمز هذه الحسابات، إذ تنظر إليه طهران باعتباره أصلًا استراتيجيًا يمكنها من التأثير في حركة الطاقة العالمية ورفع تكلفة أي مواجهة عسكرية معها.
وذهب مسؤولون إيرانيون إلى حد القول إن أهمية المضيق تتجاوز أهمية عشرات القنابل الذرية، باعتباره أداة تمنح إيران قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي، وليس فقط على إلحاق أضرار عسكرية بخصومها.
وتقوم هذه الرؤية على مفهوم مختلف للردع، لا يعتمد فقط على تهديد الخصم بضربة عسكرية، وإنما على إقناعه بأن الحرب ستؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
وبذلك، يمكن أن تصبح السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز جزءًا من منظومة ردع جيوسياسي تجمع بين الموقع الجغرافي، والصواريخ، والطائرات المسيّرة، والقدرات غير المتكافئة.
تداعيات "الأسد الزائر" على الحسابات الإيرانية
أعادت عملية "الأسد الزائر" إشعال الجدل بشأن مستقبل العقيدة النووية الإيرانية، خصوصًا بعدما أثبتت الأحداث، وفقًا لأنصار تغيير العقيدة، أن سياسة العتبة النووية لم تمنع تعرض إيران للهجمات.
وأعرب عدد من النواب والمسؤولين الإيرانيين عن تأييدهم لإنتاج السلاح النووي، فيما تحدث آخرون عن احتمال إجراء تجربة نووية أو الانسحاب مستقبلًا من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
وفي المقابل، استمرت أصوات أخرى في رفض تغيير العقيدة، معتبرة أن الحرب أظهرت امتلاك إيران أدوات ردع بديلة، أبرزها الصواريخ والطائرات المسيّرة ومضيق هرمز.
وهكذا، لا يبدو أن النقاش الإيراني قد حُسم لصالح أحد الخيارين، بل أصبح جزءًا من نقاش أوسع حول طبيعة الأمن القومي الإيراني وكيفية إعادة بناء الردع بعد الضربات التي تعرضت لها البلاد.
هل تتجه إيران فعلًا نحو السلاح النووي؟
يرى بعض الباحثين أن إيران قد تكون أمام مفترق طرق استراتيجي، لكن الانتقال من سياسة العتبة إلى امتلاك السلاح يواجه عقبات كبيرة.
وتشمل هذه العقبات خطر التعرض لضربة عسكرية قبل اكتمال البرنامج، وتكاليف العقوبات والعزلة الدولية، وصعوبة بناء منظومة ردع نووية موثوقة، فضلًا عن احتمال الدخول في سباق تسلح إقليمي.
كما أن امتلاك السلاح النووي لا يعالج جميع التهديدات التي تواجه النظام الإيراني. فالهجمات السيبرانية، والعمليات السرية، والتهديدات غير الحكومية، والضغوط الاقتصادية، وعدم الاستقرار الداخلي، كلها تحديات لا يمكن التعامل معها بالسلاح النووي وحده.
ومن هذه الزاوية، فإن الخلاف داخل إيران لا يدور فقط حول إنتاج القنبلة، وإنما حول تعريف القوة نفسها: هل تكمن في امتلاك سلاح نووي، أم في مزيج من القدرات العسكرية التقليدية والقوة الجيوسياسية والاقتصادية؟
فرصة أمام الولايات المتحدة وإسرائيل
ويفتح الانقسام داخل إيران بشأن العقيدة النووية مجالًا أمام الولايات المتحدة وإسرائيل للتأثير في الحسابات الاستراتيجية لصناع القرار في طهران.
فبحسب الطرح الذي يدعو إلى الضغط على إيران، ينبغي إقناع القيادة الإيرانية بأن الانتقال من العتبة النووية إلى امتلاك سلاح فعلي لن يؤدي بالضرورة إلى زيادة أمن النظام، وإنما قد يجعل البرنامج النووي هدفًا مباشرًا ويزيد المخاطر على بقاء الجمهورية الإسلامية.
وفي المقابل، فإن استمرار الضغط العسكري دون مسار دبلوماسي واضح قد يقوي حجج التيار المؤيد للسلاح النووي، الذي يرى أن الهجمات تثبت أن الامتناع عن امتلاك القنبلة لم يوفر الحماية المطلوبة.
ولهذا، فإن مستقبل العقيدة النووية الإيرانية سيعتمد على كيفية موازنة القيادة بين الحاجة إلى تعزيز الردع، والخوف من تكاليف التحول إلى دولة نووية معلنة.
وفي الوقت الراهن، يبدو أن الجدل داخل طهران لا يزال مفتوحًا. فهناك تيار يرى أن التجارب العسكرية الأخيرة أثبتت فشل سياسة العتبة النووية، ويدفع باتجاه امتلاك السلاح، بينما يرى تيار آخر أن القنبلة قد تزيد المخاطر بدلًا من خفضها، وأن إيران تمتلك بالفعل أدوات ردع أخرى، وفي مقدمتها الصواريخ والطائرات المسيّرة ومضيق هرمز.
وبين هذين الاتجاهين، تظل العقيدة النووية الإيرانية أمام اختبار استراتيجي حاسم. فقرار الانتقال إلى إنتاج السلاح النووي لن يكون قرارًا تقنيًا فحسب، بل تحولًا في مفهوم الأمن الإيراني، وقد يعيد تشكيل علاقة طهران بالولايات المتحدة وإسرائيل والمنطقة بأكملها، ويحدد في الوقت نفسه ما إذا كان البرنامج النووي سيظل بالنسبة إلى النظام الإيراني رصيدًا استراتيجيًا، أم يتحول إلى مصدر تهديد مباشر لبقائه.
معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي






