تل أبيب - أثار توجيه وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس للجيش بإعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون في القضايا المدنية المتعلقة بالمستوطنين والمستوطنات في الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية، جدلًا واسعًا داخل المؤسسة الأمنية والقانونية الإسرائيلية، في ظل تساؤلات بشأن الأثر العملي للخطوة وانعكاساتها على قدرة الجيش على التعامل مع اعتداءات المستوطنين وإخلاء البؤر الاستيطانية.
وبحسب المعطيات الإسرائيلية، فإن معظم الصلاحيات الجنائية المتعلقة بالمستوطنين موجودة أصلًا لدى الشرطة، فيما يملك الجيش دورًا ميدانيًا أساسيًا بحكم كونه الجهة صاحبة السلطة في الضفة الغربية، ولا سيما في المناطق التي لا تستطيع الشرطة دخولها بصورة مستقلة.
وعليه، فإن جوهر التغيير المقترح لا يتعلق بنقل التحقيقات الجنائية أو إجراءات المحاكمة إلى الشرطة، بقدر ما يرتبط بالأدوات التي يستخدمها الجيش ميدانيًا في التعامل مع المستوطنين، بما في ذلك توقيفهم وتسليمهم للشرطة، وإخلاء بعض البؤر الاستيطانية، وفرض قيود أمنية أو أوامر إدارية في حالات محددة.
كاتس: الشرطة يجب أن تتعامل مع المستوطنين كما داخل إسرائيل
وكان كاتس قد أوعز إلى الجيش بإعداد خطة لنقل «جميع صلاحيات إنفاذ القانون» في القضايا المدنية المتعلقة بالمستوطنين والمستوطنات إلى الشرطة، على أن تنشئ الأخيرة قوة مخصصة لهذا الغرض وتحصل على الصلاحيات والميزانيات اللازمة.
وبرر الوزير الإسرائيلي خطوته بالزيادة المتوقعة في أعداد المستوطنين، عقب قرارات إقامة مستوطنات جديدة وشرعنة بؤر استيطانية، وقال إن مهمة الجيش ينبغي أن تتركز في «محاربة الإرهاب الفلسطيني» وحماية المستوطنات والحدود، وليس ملاحقة المستوطنين المتطرفين.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه أعداد البؤر الاستيطانية والاعتداءات التي ينفذها مستوطنون ضد الفلسطينيين في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.
صلاحيات الشرطة موجودة أصلًا
وتشير وسائل إعلام إسرائيلية إلى أن إعلان كاتس لا يعني، بصيغته الحالية، تغييرًا فوريًا في المنظومة القائمة، إذ تتمتع الشرطة أصلًا بصلاحيات التحقيق الجنائي بحق الإسرائيليين في الضفة الغربية.
ويستطيع الجنود توقيف مستوطن مشتبه بارتكاب مخالفة وتسليمه إلى الشرطة، لكن الجيش لا يتولى عادة التحقيق الجنائي معه أو محاكمته أو احتجازه ضمن منظومة السجون الإسرائيلية.
ووفقًا لهيئة البث العام الإسرائيلية، فإن أي تغيير جوهري في توزيع الصلاحيات قد يتطلب إجراءات قانونية وتشريعية، وهو أمر يصعب إنجازه في الفترة المتبقية حتى انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر المقبل.
وفي هذا السياق، رأت الهيئة أن إعلان كاتس قد يكون ذا طابع سياسي أكثر منه عمليًا في مرحلته الحالية، وربطته بمحاولات تهدئة غضب المستوطنين تجاه الجيش، خصوصًا عندما تتدخل القوات لإخلائهم من مواقع أقيمت بصورة غير قانونية.
المناطق «أ» و«ب».. العقدة الميدانية
وتبرز المشكلة بصورة أكبر في المناطق المصنفة «أ» و«ب»، حيث لا تدخل الشرطة الإسرائيلية إليها بصورة مستقلة في الظروف الاعتيادية.
وفي حال وقوع اعتداء من مستوطنين داخل قرية أو بلدة فلسطينية، يكون الجيش غالبًا الجهة الأمنية الموجودة في المكان والقادرة على التدخل الفوري وتوقيف المعتدين وتسليمهم إلى الشرطة.
وبالتالي، فإن سحب هذه الصلاحيات من الجنود دون وضع آلية بديلة لدخول الشرطة إلى تلك المناطق قد يؤدي إلى فراغ ميداني، بحسب تحذيرات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية.
ويطرح ذلك تساؤلًا أساسيًا: من ستكون الجهة القادرة على التدخل في الدقائق الأولى من اعتداء ينفذه مستوطنون داخل مناطق لا تعمل فيها الشرطة بصورة مستقلة؟
خلاف حول البؤر الاستيطانية
ولا تقتصر تداعيات الخطة على الاعتداءات الفردية، بل تمتد إلى ملف البؤر الاستيطانية التي تشكل إحدى أكثر القضايا حساسية في الضفة الغربية.
فخلال السنوات الأخيرة، نُقلت صلاحيات واسعة في مجالات التخطيط والبناء والبنية التحتية من المؤسسات العسكرية إلى جهات مدنية إسرائيلية مرتبطة بملف الاستيطان، ما أدى إلى تراجع الدور المباشر للقيادة العسكرية في بعض الملفات المتعلقة بالمستوطنات.
ومع ذلك، لا يزال قائد المنطقة الوسطى يحتفظ بصلاحيات في حالات محددة، من بينها التعامل مع بؤر تقام في مناطق معينة، أو عمليات استيلاء حديثة على الأراضي، أو الحالات التي تستدعي تدخلاً أمنيًا سريعًا.
وتثير الخطة مخاوف من أن يؤدي نقل هذه الصلاحيات أيضًا إلى الحد من قدرة الجيش على اتخاذ قرارات فورية بإخلاء بؤر استيطانية جديدة، خصوصًا عندما يرى القادة العسكريون أن استمرارها يشكل خطرًا أمنيًا.
خلاف بين كاتس وقيادة الجيش
وتأتي الخطة في ظل توتر قائم بين كاتس وقيادة المنطقة الوسطى بشأن طريقة التعامل مع المستوطنين المتطرفين.
ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن رئيس أركان الجيش، إيال زامير، تأكيده أن المهام الملقاة على الجيش في الضفة تتزايد، في ظل الاستعداد لإقامة مستوطنات جديدة واتساع نطاق العمليات العسكرية، معتبرًا أن الجيش لا ينبغي أن ينشغل بملاحقة مجموعات صغيرة من المستوطنين.
وفي المقابل، انتقد مسؤولون في الشرطة إعلان كاتس، مشيرين إلى أن الشرطة تملك أصلًا صلاحيات إنفاذ القانون بحق المستوطنين، وأن المشكلة تكمن في كيفية استخدامها وتوفير الموارد والقوات اللازمة لذلك.
كما شكك خبراء قانونيون إسرائيليون في جدوى الخطوة بصيغتها الحالية، معتبرين أن الجيش سيبقى، وفق المنظومة القانونية القائمة، الجهة صاحبة السلطة في الضفة الغربية.
الأوامر الإدارية في مواجهة المستوطنين
وتتصل القضية كذلك بالأوامر الإدارية التي يمكن استخدامها ضد مستوطنين تعتبرهم الأجهزة الأمنية مصدر تهديد.
وتتيح هذه الأوامر، في حالات محددة، فرض قيود على الحركة أو الإقامة استنادًا إلى معلومات أمنية، من دون انتظار استكمال مسار قضائي جنائي.
ورغم أن كاتس لم يعلن صراحة أن هذه الصلاحيات مشمولة بقرار نقل إنفاذ القانون، فإن الخلاف حول استخدامها يشكل أحد محاور التوتر بينه وبين القيادة العسكرية.
ويحذر منتقدون من أن تقليص هذه الأدوات دون توفير بدائل فعالة قد يصعّب التعامل مع مجموعات استيطانية ترى الأجهزة الأمنية نفسها أنها تشكل خطرًا أمنيًا.
قصرة تختبر المنظومة الجديدة
وتأتي التطورات في وقت تشكل فيه أحداث بلدة قصرة جنوب نابلس اختبارًا عمليًا للمنظومة الأمنية الإسرائيلية.
فقد شهدت المنطقة خلال الأيام الماضية إقامة بؤرة استيطانية قرب منازل فلسطينية، تزامنًا مع حصار منازل عائلات فلسطينية وفرض قيود على حركتها، فيما تدخلت قوات الاحتلال في أكثر من مناسبة، وأقدمت على إخلاء فلسطينيين من منازلهم مؤقتًا بذريعة منع الاحتكاك.
وفي المقابل، بقي المستوطنون في محيط المنطقة وعادوا أكثر من مرة إلى الموقع، وسط تدخلات متباينة من الجيش وحرس الحدود.
وتكشف هذه التطورات، وفق القراءة التي تقدمها وسائل إعلام إسرائيلية، عن صعوبة الفصل بين المسؤوليات الأمنية والعسكرية والشرطية على الأرض، خصوصًا عندما يكون المستوطنون طرفًا في مواجهات أو اعتداءات داخل تجمعات فلسطينية.
مسار نحو «تطبيق القانون الإسرائيلي»
وفي المقابل، رحب قادة المستوطنين بالقرار، معتبرين أنه خطوة باتجاه إدارة الحياة المدنية للمستوطنين في الضفة الغربية بالطريقة ذاتها المتبعة داخل إسرائيل.
وربط رئيس مجلس «يشع» ورئيس مجلس مستوطنات «بنيامين»، يسرائيل غانتس، بين نقل الصلاحيات وبين الدعوة إلى إلغاء اتفاقيات أوسلو وفرض «السيادة الإسرائيلية» على الضفة الغربية.
وتكشف هذه المواقف عن البعد السياسي الأوسع للخطوة؛ إذ يمكن لنقل مزيد من الاختصاصات من المؤسسة العسكرية إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية أن يعزز واقعًا قانونيًا وإداريًا مختلفًا للمستوطنين، في وقت يبقى فيه الفلسطينيون في الضفة خاضعين لمنظومة الحكم العسكري.
خطوة إدارية أم جزء من مسار الضم؟
ورغم أن الخطة لم تدخل حيز التنفيذ بعد، ولم تُحسم تفاصيلها النهائية، فإنها تفتح نقاشًا يتجاوز مسألة توزيع المهام بين الجيش والشرطة.
فمن جهة، يقدمها كاتس باعتبارها إعادة تنظيم للمهام الأمنية وتخفيفًا للأعباء عن الجيش. ومن جهة أخرى، يرى منتقدون أن نقل الصلاحيات المدنية المتعلقة بالمستوطنين إلى مؤسسات إسرائيلية مدنية قد يكرس تدريجيًا إخضاع المستوطنات لمنظومة القانون والإدارة الإسرائيلية، بينما يظل الفلسطينيون تحت الحكم العسكري.
ويبقى الأثر الفعلي للخطوة مرتبطًا بتفاصيل الخطة التي سيعدها الجيش، ولا سيما حدود الصلاحيات التي ستُنقل، وآلية دخول الشرطة إلى المناطق «أ» و«ب»، ومصير صلاحيات الجيش في إخلاء البؤر الاستيطانية والتدخل الفوري، إضافة إلى ما إذا كانت الأوامر الإدارية ضد المستوطنين ستبقى ضمن صلاحيات القيادة العسكرية.
وفي ظل هذه الأسئلة، تبدو الخطة في مرحلتها الحالية أقرب إلى إعادة رسم تدريجية لخريطة الصلاحيات الأمنية والمدنية في الضفة الغربية، لكنها تحمل في الوقت ذاته تداعيات سياسية وقانونية قد تتجاوز بكثير مجرد نقل مهمة إنفاذ القانون من جهاز أمني إلى آخر.







