جنين -شدّد وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، اليوم الخميس، على أن إسرائيل لن تنسحب من الشريط الذي تحتله في الجنوب اللبناني قبل التحقيق الكامل لشرط نزع سلاح حزب الله وإزالة ما وصفه بـ"تهديده" في جميع الأراضي اللبنانية، مؤكداً أنه أصدر تعليمات مباشرة للجيش بالاستعداد لـ"بقاء طويل الأمد" هناك، في تحدٍّ علني ومباشر للانتقادات الأمريكية الحادة التي صدرت غداة تصريحات مماثلة أدلى بها مؤخراً.
وجاءت تصريحات كاتس الحادة خلال مشاركته في مراسم إعادة إقامة مستوطنة "غَنيم" شرقي مدينة جنين بشمال الضفة الغربية، بعد يوم واحد من جولة ميدانية أجراها في الجنوب اللبناني، أعلن خلالها أن الجيش الإسرائيلي يستعد للبقاء الثابت فيما تسميه تل أبيب "المناطق الأمنية" الممتدة في لبنان وسورية وقطاع غزة.
وقال كاتس في كلمته: "كما أعلنت بالأمس خلال جولتي هناك، لن ننسحب من المنطقة الأمنية في لبنان ما دام حزب الله لم يُنزع سلاحه ويُزل تهديده عن كل الأراضي اللبنانية". وأضاف أن هذا الموقف يعد "ثابتاً وواضحاً ونقف خلفه تماماً، سواء رئيس الحكومة أو أنا، وسواء في المحادثات المباشرة مع القيادة الأمريكية أو على الأرض بصورة عملية وفي كل موقع".
ويُظهر هذا الموقف تشديداً واضحاً في الصياغة الإسرائيلية لشروط الانسحاب؛ إذ لم يعد التراجع مرتبطاً بنزع السلاح في الجنوب أو في المناطق المتاخمة للحدود فقط، بل جرى تمديد الشرط ليشمل "نزع سلاح حزب الله" وتفكيك بنيته التحتية على مستوى دولة لبنان بأكملها. ولفت كاتس إلى أنه وجّه المؤسسة العسكرية والأمنية "بالاستعداد لبقاء مطوّل ومستدام في المنطقة لحماية القوات المقاتلة والبلدات الشمالية إلى حين تحقيق هذا الهدف بالكامل"، مجدداً التعهّد لسكان المستوطنات الشمالية بفرض واقع أمني جديد.
تحدٍّ علني للإدارة الأمريكية
وتأتي مواقف كاتس متصادمة بشكل مباشر مع موقف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي انتقدت إعلانه عن بقاء الجيش الإسرائيلي لفترة غير محددة في الجنوب اللبناني. وكان مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأمريكية قد صرح بأن "أي وجود عسكري إسرائيلي دائم في جنوب لبنان لا يتوافق مع التعهدات والالتزامات المقترحة في اتفاق الإطار، ولا يخدم تحقيق السلام والأمن طويلَي الأمد لكلا البلدين"، مشدداً على تمسك واشنطن بمسار إعادة الانتشار التدريجي للقوات الإسرائيلية بالتوازي مع خطوات موثوقة لنزع سلاح حزب الله.
في المقابل، أوضح كاتس أن وجهة النظر الإسرائيلية بضرورة التواجد الممتد طُرحت بوضوح في "محادثات مباشرة مع القيادة الأمريكية"، مما يعكس عمق الخلاف وتضارب التفسيرات بين الطرفين حول بنود اتفاق الإطار وشروط الانسحاب الميداني. وكان لبنان وإسرائيل قد وقّعا في 26 حزيران/ يونيو الماضي اتفاق إطار بوساطة أمريكية ينص على انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني، يعقبه التوافق في الجولة السادسة من مفاوضات روما على آلية "المناطق التجريبية". ورغم تطبيق النموذج الأول أواخر تموز/ يوليو في بلدة زوطر الغربية، إلا أن الجولة السابعة المنعقدة بين 4 و6 آب/ أغسطس الجاري لم تسفر عن تحديد أي مناطق انسحاب جديدة.
عقيدة "الحسم لا الاحتواء"
وفي السياق ذاته، استعرض كاتس ملامح العقيدة الأمنية الجديدة للحكومة الإسرائيلية منذ أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مشيراً إلى أن الجيش الإسرائيلي تحول إلى "جيش حسم وانتصار"، وأن رؤية نتنياهو ورؤيته الشخصية تقوم على "إزالة التهديدات والحسم المباشر، لا سياسة الاحتواء والتسويات المرحلية". وقال: "تلك الأيام انتهت؛ لقد استوعبنا الدرس ونعلم تماماً ما المطلوب لمنع تكرار ما جرى".
وصنّف كاتس الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان وسورية وقطاع غزة ضمن هذه العقيدة، معتبراً أن القوات الإسرائيلية تعمل على شريط أمني واسع لحماية الحدود والبلدات من أي تهديدات مستقبليّة.
تباهٍ بالدمار في الجنوب اللبناني
ولم يخفِ كاتس تباهيه بحجم الخراب الذي أحدثته العمليات العسكرية الإسرائيلية في القرى والبلدات اللبنانية الحدودية خلال جولته الأخيرة، قائلاً إنه شاهد "منازل عشرات القرى الحدودية وقد أصبحت خراباً ودماراً كاملاً"، مدعياً أنها كانت تمثل "مواقع وبنى قتالية لحزب الله". وتابع بأسلوب استعراضي: "هنا نبني وهناك خراب"، زاعماً أن إسرائيل قضت نهائياً على التهديد الذي كانت تشكله تلك المناطق.
ووفقاً لبيانات كاتس، يسيطر الجيش الإسرائيلي حالياً على مساحة تصل إلى نحو 700 كيلومتر مربع مما يطلق عليه "المنطقة الأمنية" داخل الأراضي اللبنانية، وتمتد من شواطئ البحر غرباً حتى منطقة الشقيف وأطراف جبل الشيخ شرقاً، واصفاً إياها بأنها باتت "منطقة خالية من السكان" تخضع لعمليات هدم وتفكيك يستهدف البنى التحتية فوق الأرض وتحتها.
وكان كاتس قد صرح خلال جولته الميدانية بعبارات أكثر صراحة حين قال: "نحن نهدم جميع المنازل في المنطقة.. السكان في الخارج، والجنود في الداخل، والمنازل مدمرة". وتزامنت هذه التصريحات مع استمرار تفجيرات الجيش الإسرائيلي للمنشآت والمباني، والتي طالت مؤخراً مبنى بلدية زوطر الشرقية ومدرستها الرسمية ومستوصفها وحضانة أطفال مجاورة.
وحول آفاق الحل السياسي، ربط كاتس التوصل إلى أي اتفاق سلام مستقبلي مع لبنان بفرض الشروط الإسرائيلية واستعراض القوة، صريحاً بأن "القوة هي ما يجلب الأمن والسلام الحقيقي الذي يضمن حدوداً آمنة ومستقرة ودون أي وجود لحزب الله".
الضفة الغربية: "أرض الآباء وسنبقى بها للأبد"
وفي الجزء الأخير من كلمته من شرقي جنين، أجرى كاتس تمييزاً أيديولوجياً وسياسياً واضحاً بين المبررات الأمنية المؤقتة التي تسوقها إسرائيل للتواجد في لبنان وسورية وغزة، وبين المشروع الاستيطاني التوسعي في الضفة الغربية.
وقال كاتس خلال افتتاح مستوطنة "غَنيم" التي جرى إخلاؤها سابقاً عام 2005: "هنا في يهودا والسامرة الأمر مختلف تماماً.. هنا بيتنا وهنا أرض إسرائيل التاريخية، وهنا سنبقى إلى الأبد". وأضاف: "نحن نعود اليوم إلى المكان الذي اقتُلعت منه المستوطنات سابقاً، نعود إلى أرض الآباء والأنساب".
وتأتي هذه التصريحات وسط تسريع حكومة الاحتلال لخطط إعادة بناء المستوطنات المخلات في شمال الضفة الغربية، وتوسيع البؤر الاستيطانية العشوائية، وشق الطرق الالتفافية، مع تصاعد عمليات هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية في المنطقة.







