ترجمات - تتسع في قرية الطيبة الفلسطينية المسيحية، شمال شرقي رام الله، المخاوف من تدهور الوضع الأمني وتصاعد اعتداءات المستوطنين، في وقت بدأت فيه عائلات وشبان بمغادرة القرية بحثاً عن الأمان وفرص جديدة خارجها.
وبحسب تقرير لصحيفة «هآرتس»، غادرت نحو 15 عائلة وعشرات الشبان القرية خلال السنوات الأخيرة، فيما يقدّر رئيس المجلس المحلي عدد الذين غادروا منذ 7 أكتوبر بنحو 80 إلى 90 شخصاً.
ويصف سكان الطيبة التغير الذي طرأ على حياتهم بأنه يتجاوز الأضرار المادية والاقتصادية، إذ بات الشعور بانعدام الأمان يطال الحياة اليومية، ويدفع بعض العائلات إلى التفكير في مستقبلها خارج القرية.
وقال أحد السكان للصحيفة إن الطيبة كانت تُعد مكاناً آمناً حتى خلال أكثر الفترات توتراً، بما في ذلك الانتفاضتان الأولى والثانية والحروب والمواجهات، لكن الوضع تغير بصورة كبيرة خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
اعتداءات على السكان والأراضي
ويتحدث سكان القرية عن سلسلة من الاعتداءات والمضايقات، تشمل تهديد السكان وإلحاق أضرار بالمركبات والمعدات الزراعية، وإحراق ممتلكات وكتابة شعارات على الجدران.
ويقول السكان إن المزارعين من أكثر الفئات تضرراً، خصوصاً مع صعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية، وما يرافق ذلك من مخاطر أثناء زراعة الأرض أو قطف الزيتون.
وقال أحد سكان الطيبة إن المستوطنين يأتون إلى محيط القرية بصورة متكررة، ويقودون الجرارات بالقرب من المنازل ويهددون السكان، مضيفاً أن بعض المزارعين باتوا غير قادرين على الوصول إلى أراضيهم خوفاً من التعرض للاعتداء.
ويشير سكان إلى أن القلق بات يمتد إلى موسم قطف الزيتون المقبل، وسط مخاوف من تعرض المزارعين ومعداتهم للاعتداء أو منعهم من الوصول إلى أراضيهم.
الخوف على الأطفال يدفع العائلات إلى الرحيل
وتبرز قصة أب لثلاثة أطفال من الطيبة، يعمل موظفاً ويمتلك مشروعاً خاصاً ويعتمد جزئياً على الزراعة، كإحدى صور التحول في حياة سكان القرية.
وبحسب التقرير، واجه الرجل مستوطناً مسلحاً أثناء محاولته الوصول إلى أرضه، ما دفعه لاحقاً إلى الامتناع عن الذهاب إليها، فيما بدأ إجراءات للحصول على تأشيرة ومغادرة البلاد.
ويرى رئيس المجلس المحلي سليمان خوري أن المشكلة لم تعد اقتصادية فقط، قائلاً إن السكان يمكنهم تحمل المصاعب الاقتصادية، لكنهم لا يستطيعون تحمل غياب الشعور بالأمان والخوف على أطفالهم ومستقبلهم.
وبحسب خوري، غادرت نحو 15 عائلة القرية منذ 7 أكتوبر، إضافة إلى عشرات الشبان، فيما تدرس عائلات أخرى إمكانية الرحيل.
ويقول إن البعض لا يعلن صراحةً أنه يخطط للهجرة، لكن الحديث معهم يكشف حجم القلق بشأن مستقبل أبنائهم.
هجرة صامتة وشبكات في الخارج
الهجرة ليست ظاهرة جديدة في الطيبة، إذ يعيش آلاف الأشخاص من أصول تعود إلى القرية في الولايات المتحدة وأوروبا وأميركا اللاتينية.
لكن سكاناً يقولون إن دوافع الهجرة تغيرت لدى بعض الشبان؛ فبعد أن كانت مرتبطة أساساً بالعمل أو الدراسة أو البحث عن فرص اقتصادية، أصبح الأمان والاستقرار من الأسباب التي تدفع بعضهم إلى الرحيل.
ويقول أحد سكان القرية إن عدداً متزايداً من الشبان يتواصلون معه للحصول على معلومات بشأن التأشيرات وسبل الانتقال والعثور على فرص عمل في الخارج.
ويؤكد أن الأمر لا يتعلق بالضرورة بأشخاص يواجهون ظروفاً اقتصادية صعبة، إذ يمتلك بعضهم وظائف ومشاريع وأراضي، لكنهم يشعرون بأن مستقبلهم في القرية أصبح غير مضمون.
وأضاف أن هذه الحالة تمثل تحولاً كبيراً في حياة الشباب، الذين يفترض أن يفكروا في الزواج وبناء المنازل وتكوين الأسر، لكنهم أصبحوا يفكرون بدلاً من ذلك في كيفية مغادرة القرية.
تراجع الزراعة والتجارة والسياحة
اعتمد اقتصاد الطيبة على مدى سنوات على الزراعة والعمل والتجارة والسياحة، إلا أن السكان يقولون إن هذه القطاعات تضررت بشدة مع استمرار التوترات الأمنية.
فالمزارع الذي لا يستطيع الوصول إلى أرضه يفقد جزءاً من مصدر دخله، فيما تتأثر المتاجر والمصالح التجارية بانخفاض حركة الزوار، بينما تراجعت السياحة بصورة كبيرة بسبب المخاوف الأمنية.
وتقول ماديس خوري، التي تعمل في قطاع السياحة وفي مصنع الجعة المحلي، إن الإجراءات الأمنية التي فُرضت في المنطقة لم تنجح، من وجهة نظرها، في إنهاء المخاطر التي يشعر بها السكان.
وتشير إلى استمرار رؤية المستوطنين في محيط القرية رغم القيود الأمنية، متسائلة عن الجهة التي تستفيد فعلياً من هذه الإجراءات.
الكنيسة تلمس أثر الهجرة
وامتد تأثير الأزمة إلى الكنيسة المحلية، حيث يقول الأب بشار فوادلة، كاهن الرعية اللاتينية، إن موضوع الهجرة أصبح متكرراً في أحاديثه مع الشباب والعائلات.
وأشار إلى معرفته بشبان غادروا خلال العام الماضي، معتبراً أن بعضهم لا يرى أفقاً واضحاً لمستقبله في القرية.
وفي ظل تراجع الأمان، يحاول السكان الاستعانة بشبكات الأقارب والأصدقاء المقيمين في الخارج لتوفير المعلومات والمساعدة لمن يفكرون في الرحيل، ما أدى إلى نشوء شبكة هجرة غير رسمية تتوسع تدريجياً.
سكان الطيبة: لا نريد مغادرة بيوتنا
ويؤكد السكان أنهم لا يرغبون في التخلي عن قريتهم أو هويتهم، وأن مطلبهم الأساسي يتمثل في القدرة على العيش فيها بأمان.
ويقول أحد سكان الطيبة إن المشكلة لم تعد تتعلق فقط بسبل كسب الرزق، بل بالسؤال عما إذا كان بإمكان العائلات الاستمرار في حياتها الطبيعية.
وتلخص ماديس خوري هذا الشعور بالقول إن أحداً لا يريد مغادرة منزله، لكن الاستمرار في البقاء يحتاج إلى الشعور بوجود مستقبل.
ومع استمرار اعتداءات المستوطنين وتراجع الأنشطة الاقتصادية وتزايد مخاوف العائلات، تواجه الطيبة تحدياً يتجاوز الوضع الأمني المباشر، إذ يخشى سكانها من أن يتحول الخوف المتراكم إلى عامل دائم يدفع مزيداً من العائلات والشبان إلى الهجرة.







