د. شادية الغول .. كاتبة و أكاديمية فلسطينية
في ظل التطورات السياسية والقانونية الأخيرة، يبدو أن المشهد الفلسطيني يتجه، للمرة الأولى منذ سنوات، نحو استحقاق انتخابي وطني محدد المواعيد والمعالم. فقد صدرت تعديلات على قانون الانتخابات العامة، وتبعها المرسوم الرئاسي المحدد للمواعيد القانونية للانتخابات، بما يفتح الباب أمام انتخابات تشريعية في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، على أن تتبعها الانتخابات الرئاسية في الربع الأول من عام 2027.
وبذلك، انتقل النقاش من سؤال: هل ستُجرى الانتخابات؟ إلى سؤال أكثر تعقيدًا: هل تتوافر الشروط السياسية والقانونية والميدانية لإجرائها في كامل الأراضي الفلسطينية، بما فيها قطاع غزة؟
واللافت في هذه المرحلة ليس فقط صدور القرارات والمراسيم، وإنما أيضًا انخفاض مستوى الاعتراض السياسي العلني على عدد من القضايا التي كانت، في مراحل سابقة، تمثل عوائق حقيقية أمام العملية الانتخابية.
ف إشكالية ترتيب الانتخابات التشريعية والرئاسية، التي كانت إحدى نقاط الخلاف الرئيسية، تبدو اليوم أكثر حسمًا، مع الاتجاه نحو إجراء الانتخابات التشريعية أولًا، على أن تتبعها الانتخابات الرئاسية. وهذا يمثل تحولًا مهمًا مقارنة بالمراحل السابقة التي تعطلت فيها الانتخابات بسبب الخلافات السياسية حول شروطها وترتيبها.
كما أن وجود حالة من التوافق السياسي المسبق، أو على الأقل انخفاض مستوى الاعتراض على الإطار العام للعملية الانتخابية، يختلف عن تجارب سابقة شهدت خلافات عميقة حول قانون الانتخابات وتوقيتها وشروط المشاركة فيها.
ومن المؤشرات السياسية المهمة أيضًا إعلان عدد من القوى والأحزاب والفصائل استعدادها للمشاركة، وحث المواطنين على التسجيل وتحديث بياناتهم الانتخابية، الأمر الذي يعكس انتقالًا تدريجيًا من مرحلة النقاش النظري حول الانتخابات إلى مرحلة الاستعداد العملي لها.
لكن هذا التطور يطرح في الوقت ذاته سؤالًا أعمق: هل نحن أمام انتخابات باعتبارها استحقاقًا دستوريًا فقط، أم أمام محاولة لإعادة بناء الشرعية السياسية الفلسطينية في مرحلة شديدة التعقيد؟
لماذا تبدو الانتخابات هذه المرة أكثر احتمالًا؟
من وجهة نظري، هناك مجموعة من العوامل السياسية والإقليمية والدولية تجعل احتمال المضي في الانتخابات أكبر مما كان عليه خلال السنوات الماضية.
أول هذه العوامل هو الاستحقاق الإصلاحي.
فالانتخابات لم تعد مجرد مطلب ديمقراطي داخلي، وإنما أصبحت جزءًا من نقاش أوسع حول إصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية وتجديد شرعيتها وإعادة بناء مؤسساتها على أسس أكثر قدرة على المساءلة والتمثيل.
كما أن استمرار الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية يرتبط بدرجة متزايدة بقدرتها على تنفيذ إصلاحات سياسية ومؤسسية، وإظهار قدرة حقيقية على تجديد شرعيتها من خلال الانتخابات والمساءلة والمشاركة الشعبية.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الانتخابات باعتبارها جزءًا من عملية إصلاح أوسع، وليست حدثًا انتخابيًا منفصلًا.
العامل الثاني هو الاستحقاق السياسي الوطني.
بعد سنوات طويلة من الانقسام، لم تعد الانتخابات مرتبطة فقط باختيار مجلس تشريعي جديد، وإنما أصبحت مرتبطة بسؤال أكبر: كيف يمكن إعادة بناء الإطار السياسي والمؤسسي الفلسطيني على أساس وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة؟
فالانتخابات، إذا جرت في الضفة وغزة معًا، يمكن أن تمثل إحدى الأدوات السياسية لإعادة ربط شطري الوطن داخل مؤسسة تمثيلية واحدة، ومواجهة واقع الانقسام الذي استمر لسنوات وأنتج عمليًا نظامين سياسيين وإداريين منفصلين.
وهنا تكمن القيمة السياسية الحقيقية للانتخابات: ليست فقط في تغيير أعضاء المجلس التشريعي، وإنما في إعادة تعريف وحدة النظام السياسي الفلسطيني.
أما العامل الثالث، فيرتبط بالتطورات التي شهدتها الساحة الفلسطينية خلال الفترة الأخيرة، ومنها تجربة الانتخابات المحلية، وما أظهرته من إمكانية استعادة العملية الانتخابية تدريجيًا وفي ظروف استثنائية.
وتكتسب تجربة انتخابات دير البلح أهمية خاصة في هذا السياق، باعتبارها اختبارًا ميدانيًا لإمكانية إجراء عملية انتخابية محلية في قطاع غزة. لكن يجب الحذر من المبالغة في المقارنة؛ فنجاح انتخابات محلية لا يعني تلقائيًا أن البيئة السياسية والأمنية والإدارية أصبحت جاهزة لانتخابات تشريعية وطنية، لكنه يوفر سابقة عملية يمكن البناء عليها.
لكن هل يعني ذلك أن الانتخابات في غزة أصبحت محسومة؟
هنا تحديدًا يجب التوقف.
من الخطأ الانتقال من وجود قرار سياسي بإجراء الانتخابات إلى افتراض أن جميع الشروط اللازمة لتنفيذها أصبحت متوفرة.
الانتخابات في غزة هي الجزء الأكثر تعقيدًا في العملية كلها.
قطاع غزة خرج من الحرب بواقع ديموغرافي وإداري وأمني مختلف جذريًا عما كان عليه قبل الحرب. هناك شهداء ومفقودون، وهناك مئات الآلاف ممن تغيرت أماكن إقامتهم، وأسر فقدت منازلها ووثائقها، ومواطنون غادروا القطاع إلى دول أخرى، فضلًا عن واقع النزوح المستمر وتدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية.
وهنا يبرز السؤال الأول والأكثر حساسية:
ماذا سيحدث لسجل الناخبين في غزة؟
هل سيتم اعتماد السجل السابق وإجراء عملية تحديث شاملة له؟
كيف ستتم معالجة حالات الوفاة والشهداء والمفقودين؟
كيف سيتم تسجيل النازحين الذين انتقلوا بين المحافظات والمناطق؟
ماذا عن المواطنين الذين خرجوا من قطاع غزة وأصبحوا يقيمون في مصر أو دول أخرى؟
وهل سيكون مكان الإقامة الفعلي هو المعيار، أم عنوان السجل المدني، أم الدائرة الانتخابية الأصلية؟
هذه ليست مسائل تقنية صغيرة، بل يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في شرعية الانتخابات ونتائجها.
فاللجنة مطالبة بأن تضمن أن يكون سجل الناخبين دقيقًا وشاملًا وقابلًا للتدقيق، وأن تتوافر آليات واضحة للاعتراض والطعن.
كما أن الانتخابات في بيئة ما بعد الحرب تحتاج إلى معالجة خاصة للوثائق المدنية، وتحديد أماكن الاقتراع، وإتاحة التسجيل والتحديث للنازحين، وضمان عدم حرمان أي مواطن من حقه الانتخابي بسبب فقدان وثيقة أو تغير مكان الإقامة.
وماذا عن الفلسطينيين الموجودين في مصر؟
هذه واحدة من أكثر القضايا التي تحتاج إلى إجابة رسمية واضحة.
فالسؤال ليس فقط: هل يحق للفلسطيني المقيم خارج الأراضي الفلسطينية الانتخاب؟
بل يجب التفريق بين حق الانتخاب وحق الترشح وآلية ممارسة كل منهما.
كما ينبغي تحديد الوضع القانوني للفلسطينيين الذين خرجوا من غزة خلال الحرب، وهل يحتفظون بحقوقهم الانتخابية، وأين يمارسونها، وكيف يمكن التحقق من بياناتهم، وما الوثائق المطلوبة، وكيف يتم منع الازدواجية في التسجيل والاقتراع.
هذه الأسئلة لا يمكن تركها للاجتهاد أو للتفاهمات السياسية؛ لأنها تمس جوهر المساواة بين المواطنين.
كما يجب تحديد ما إذا كانت هناك آلية قانونية وفنية للتصويت من الخارج، أم أن ممارسة الحق الانتخابي ستتطلب وجود الناخب داخل الأراضي الفلسطينية في يوم الاقتراع.
والأهم ألا تتحول ظروف الحرب والنزوح إلى سبب غير مباشر لاستبعاد شريحة واسعة من الفلسطينيين من العملية السياسية.
الأمن الانتخابي: من يضمن سلامة العملية؟
السؤال الأمني ربما يكون الأكثر حساسية.
من سيتولى حماية مراكز الاقتراع في غزة؟
هل ستكون هناك قوة أمنية فلسطينية؟
هل ستتم الاستعانة بشركات أمنية خاصة؟
هل ستكون هناك ترتيبات أمنية مشتركة أو دولية؟
وما طبيعة العلاقة بين هذه الترتيبات والقوى الموجودة فعليًا على الأرض؟
هذه الأسئلة لا يمكن التعامل معها باعتبارها تفاصيل تنفيذية مؤجلة؛ لأن حرية الاقتراع لا تتحقق بمجرد وضع صندوق انتخابي، وإنما تحتاج إلى بيئة آمنة تسمح للناخب بالوصول إلى الصندوق دون ضغط أو تهديد أو تدخل.
كما أن أي ترتيبات أمنية استثنائية يجب أن تكون خاضعة لقواعد واضحة ومعلنة، حتى لا تتحول الحماية الأمنية إلى وسيلة للتأثير على العملية السياسية أو على خيارات الناخبين.
ماذا بعد الانتخابات؟
السؤال الأكبر ربما ليس يوم الاقتراع نفسه، وإنما اليوم التالي للانتخابات.
إذا أفرزت الانتخابات مجلسًا تشريعيًا جديدًا، فكيف ستتشكل الحكومة؟
هل ستنبثق الحكومة عن الأغلبية البرلمانية؟
هل ستكون حكومة توافق وطني؟
هل ستكون حكومة تكنوقراط؟
وكيف ستكون العلاقة بين الحكومة الجديدة وأي ترتيبات انتقالية قائمة في قطاع غزة؟
وما طبيعة العلاقة مع مجلس السلام والترتيبات الدولية والإقليمية المتعلقة بغزة؟
وهل تنتهي أي لجان أو هياكل انتقالية لإدارة القطاع بمجرد تشكيل حكومة فلسطينية منتخبة، أم تستمر لفترة انتقالية؟
وإذا استمرت، فما حدود صلاحياتها؟ ومن يراقبها؟ وما علاقتها بالحكومة والسلطة التشريعية المنتخبة؟
هذه الأسئلة بالغة الأهمية؛ لأن إجراء الانتخابات دون تصور واضح بشأن نظام الحكم بعد الانتخابات قد يؤدي إلى إنتاج شرعية انتخابية جديدة داخل بنية سياسية متنازعة، بدل أن يكون مدخلًا لإنهاء الانقسام.
الالتزام ببرنامج منظمة التحرير: شرط وطني أم بوابة سياسية؟
ومن أبرز القضايا التي تستحق النقاش ما يتعلق بشروط الترشح والالتزام بالإطار السياسي الوطني، وفي مقدمه منظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها وقراراتها.
وهنا يجب التفريق بين مستويين.
الأول: الحاجة إلى مرجعية وطنية جامعة، وهي حاجة سياسية حقيقية في ظل الانقسام.
والثاني: كيفية صياغة هذه المرجعية بحيث لا تتحول إلى قيد يحد من التعددية السياسية والمنافسة الديمقراطية.
فالمسألة لا ينبغي أن تُحسم فقط بمنطق "مع" أو "ضد" منظمة التحرير، وإنما يجب طرح سؤال أعمق:
هل نريد انتخابات لتجديد الشرعية من خلال التعددية السياسية، أم انتخابات لتجديد الشرعية داخل حدود سياسية مرسومة مسبقًا؟
والإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير طبيعة الانتخابات المقبلة وقدرتها على تمثيل المجتمع الفلسطيني بمختلف اتجاهاته السياسية.
الانتخابات ما زالت بحاجة إلى أن تتحول من استحقاق فصائلي إلى استحقاق شعبي
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في تقييم فرص نجاح الانتخابات المقبلة.
حتى الآن، يبدو أن النقاش حول الانتخابات لا يزال، إلى حد كبير، يدور في إطار سياسي وفصائلي ونخبوي: الأحزاب والفصائل، القيادات السياسية، تعديل القوانين، شروط الترشح، توزيع المقاعد، العلاقة بين مؤسسات الحكم، وترتيبات المرحلة الانتقالية.
لكن المواطن الفلسطيني، وخصوصًا المواطن في قطاع غزة، ينظر إلى المشهد من زاوية أكثر التصاقًا بحياته اليومية وبواقعه الإنساني.
المواطن في غزة يريد أن يأكل ويشرب ويعيش في مكان آمن، وأن يجد سقفًا يحمي أسرته، وأن تتوقف الحرب والقتل، وأن تبدأ عملية حقيقية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وأن تعود الخدمات الأساسية إلى الحد الأدنى المقبول.
يريد الماء الصالح للشرب، والغذاء، والمسكن، والرعاية الصحية، والتعليم، والكهرباء والطاقة، والعمل ومصدر الدخل، والأمن، وأن يشعر بأن حياته وحياة أسرته لم تعد معلقة بين النزوح والخوف والانتظار.
ولذلك، فإن الانتخابات لن تتحول إلى استحقاق شعبي حقيقي لمجرد أن الفصائل أعلنت مشاركتها، أو لأن القانون حدد موعدًا للاقتراع، أو لأن الناخبين بدأوا في تحديث بياناتهم الانتخابية.
الانتخابات تحتاج إلى ثقة المواطن بأن صوته يمكن أن يساهم في تغيير واقعه السياسي والإنساني.
فالمواطن الذي فقد منزله، أو نزح مرات عديدة، أو فقد أحد أفراد أسرته، أو يعيش في خيمة، أو يواجه صعوبة في الحصول على الغذاء والماء والدواء، لن ينظر إلى الانتخابات باعتبارها مجرد منافسة على مقاعد المجلس التشريعي.
بالنسبة إليه، السؤال الأكثر إلحاحًا هو:
ماذا ستفعل هذه الانتخابات بحياتي؟ وهل ستقود إلى إنهاء الانقسام والحرب والفوضى، أم ستنتج طبقة سياسية جديدة تستمر في إدارة الأزمة؟
ومن هنا، فإن التحدي أمام القوى السياسية لا يتمثل فقط في إقناع المواطن بالمشاركة، وإنما في إعادة بناء العلاقة بين المواطن والسياسة.
فالانتخابات يجب أن تقدم نفسها باعتبارها أداة لإعادة بناء المؤسسات، وتوحيد النظام السياسي، وتحقيق المساءلة، وتحسين الحكم، وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات العامة، وحماية الحقوق، وليس باعتبارها مجرد استحقاق دستوري أو وسيلة لإعادة توزيع المقاعد بين القوى السياسية.
وهنا تبرز مسألة بالغة الأهمية: إنهاء الانقسام بالنسبة للمواطن ليس شعارًا سياسيًا مجردًا.
إنهاء الانقسام يعني بالنسبة إليه وجود حكومة واحدة، ومؤسسات عامة واحدة، وقانون واحد، ونظام إداري ومالي موحد، وسياسة اجتماعية واحدة، وآلية واضحة لإعادة الإعمار، وضمان وصول الخدمات والمساعدات إلى مستحقيها بعدالة وشفافية.
وبالنسبة لمواطن غزة تحديدًا، فإن أي حديث عن إعادة بناء الشرعية السياسية سيبقى ناقصًا ما لم يرتبط بإعادة بناء الحياة نفسها.
فالمطلوب ليس فقط إعادة بناء البرلمان، وإنما إعادة بناء الثقة؛ وليس فقط إعادة تشكيل الحكومة، وإنما إعادة بناء قدرة الحكومة على خدمة المواطن؛ وليس فقط توحيد المؤسسات، وإنما إنهاء واقع الانقسام الذي دفع ثمنه المواطن الفلسطيني على مدار سنوات.
ولهذا فإن نجاح الانتخابات لا ينبغي أن يُقاس فقط بنسبة المشاركة أو بعدد الأصوات التي حصلت عليها القوائم، وإنما بقدرتها على الإجابة عن الأسئلة التي تشغل المواطن الفلسطيني:
هل ستقود إلى إنهاء الانقسام؟
هل ستساهم في إنهاء الحرب وتحقيق الأمن؟
هل ستفتح الطريق أمام إعادة الإعمار؟
هل ستعيد الخدمات الأساسية؟
هل ستوفر إطارًا سياسيًا قادرًا على حماية الحقوق الفلسطينية؟
هل ستعيد بناء مؤسسات السلطة على أساس المساءلة والشفافية؟
وهل ستمنح المواطن شعورًا بأن صوته أصبح قادرًا على التأثير في القرار السياسي وفي حياته اليومية؟
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الانتخابات المقبلة هو أن تنتقل من كونها استحقاقًا تتفاوض حوله النخب السياسية إلى مشروع وطني يشعر المواطن بأنه شريك فيه ومستفيد من نتائجه.
فالانتخابات التي لا يلمس المواطن أثرها في الأمن والغذاء والماء والسكن والصحة والتعليم والعمل وإعادة الإعمار ستظل، مهما كانت نسبة المشاركة فيها، عاجزة عن استعادة الثقة الكاملة بالنظام السياسي.
أما إذا استطاعت الانتخابات أن تكون جزءًا من مسار أوسع ينهي الانقسام، ويوحد المؤسسات، ويؤسس لحكومة خاضعة للمساءلة، ويفتح الطريق أمام إعادة إعمار غزة، ويعيد تقديم الخدمات للمواطنين، فإنها قد تتحول من مجرد إجراء قانوني إلى لحظة سياسية فارقة في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتجديد شرعيته.
غزة هي الاختبار الحقيقي
لذلك، أميل إلى الاعتقاد بأن الانتخابات التشريعية المقبلة أصبحت أكثر احتمالًا من أي وقت مضى، وأن هناك دوافع سياسية وإقليمية ودولية قوية تدفع باتجاه تنفيذها.
لكنني لا أعتقد أن الطريق أصبح مضمونًا.
فالاختبار الحقيقي لن يكون في إصدار المرسوم، ولا في تعديل القانون، ولا في إعلان الأحزاب مشاركتها، وإنما في قدرة النظام السياسي الفلسطيني على تحويل هذه القرارات إلى عملية انتخابية قابلة للتنفيذ في غزة تحديدًا.
وإذا نجحت العملية في غزة، فقد تكون الانتخابات أكثر من مجرد استحقاق دستوري؛ قد تصبح مدخلًا لإعادة بناء الشرعية السياسية الفلسطينية، وربط الضفة الغربية وقطاع غزة في إطار مؤسسي واحد، وإعادة الاعتبار للمؤسسات المنتخبة، وفتح الطريق أمام إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.
أما إذا جرت الانتخابات في الضفة فقط، أو بقيت غزة خارج العملية، فإن السؤال سيعود من جديد:
أي شرعية انتخابية هذه التي لا تشمل جزءًا أساسيًا من الشعب الفلسطيني؟
ولهذا فإن نجاح الانتخابات لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الصناديق التي فُتحت أو بعدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم، وإنما بقدرتها على تحقيق ثلاثة شروط متلازمة:
الشمول، والنزاهة، والقدرة على إنتاج نظام سياسي موحد.
فالانتخابات الفلسطينية المقبلة قد تكون فرصة تاريخية لإعادة بناء الشرعية، لكنها قد تتحول أيضًا إلى فرصة ضائعة إذا عولجت باعتبارها مجرد إجراء قانوني، بينما تُركت الأسئلة السياسية الكبرى إلى ما بعد إعلان النتائج.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل ستجرى الانتخابات؟
بل:
أي انتخابات نريد؟ ولمن؟ وبأي ضمانات؟ وماذا سيحدث في اليوم التالي لإعلان النتائج؟
وهذه الأسئلة، أكثر من موعد الاقتراع نفسه، هي التي ستحدد ما إذا كانت انتخابات 2026 ستكون بداية لمسار جديد في النظام السياسي الفلسطيني، أم مجرد محطة انتخابية أخرى في تاريخ طويل من تأجيل الاستحقاق وتجديد الأزمة.






