تل أبيب - تشهد الساحة السياسية والأمنية في إسرائيل تصاعدًا في الانتقادات الموجهة إلى طبيعة العلاقة بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وأجهزة الأمن والاستخبارات، وسط اتهامات بتداخل الاعتبارات السياسية والانتخابية في قرارات داخل جهاز الموساد، وتحذيرات من محاولات محتملة لتوظيف قدرات جهاز الأمن العام «الشاباك» في خدمة أهداف شخصية أو سياسية.
ويتزامن هذا الجدل مع احتدام المعركة السياسية والانتخابية في إسرائيل، وتصاعد النقاش حول مستقبل نتنياهو السياسي، ودور الأجهزة الأمنية في الصراع الداخلي.
إقالات في الموساد تثير «غليانًا» داخل الجهاز
وأفادت صحيفة «هآرتس»، اليوم الأحد، بأن قرار رئيس الموساد رومان غوفمان إقالة مسؤولين كبيرين في الجهاز أثار حالة من التوتر والاستياء بين العاملين، من المستويات العليا إلى الدنيا، وفق مصادر مطلعة تحدثت للصحيفة.
ونقلت الصحيفة عن أحد المصادر وصفه قرار الإقالة بأنه «قرار جبان» يهدف، بحسب تقديره، إلى خدمة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو قبيل الانتخابات.
في المقابل، رفض مصدر آخر مطلع على تفاصيل القضية الربط بين الإقالات والاعتبارات السياسية، معتبرًا أن من حق رئيس أي جهاز أمني اختيار الأشخاص الذين يثق بهم لشغل المواقع الرئيسية.
وارتبطت الإقالات بمحاولة إسرائيلية لتغيير النظام في إيران خلال الحرب الأخيرة، وهي خطة كان غوفمان، خلال فترة عمله سكرتيرًا عسكريًا لنتنياهو، من أبرز المؤيدين لها.
وبحسب مصدر في الموساد، فإن إبعاد المسؤولين قد يخدم نتنياهو سياسيًا عبر إلقاء جزء من المسؤولية عن عدم تحقيق هدف إسقاط النظام الإيراني على مسؤولين آخرين، بعدما لم تنته الحرب بالنتيجة التي كانت إسرائيل تخطط لها.
لكن مصادر أخرى رفضت اعتبار الخطة فاشلة، مشيرة إلى أنها لم تُنفذ بصورة كاملة، خصوصًا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يمنح موافقته على بعض العناصر المركزية فيها، ومن بينها إدخال قوات كردية مسلحة إلى إيران.
وأكد مصدر مطلع أن الحصول على موافقة سياسية أميركية على مثل هذه الخطوات يقع ضمن مسؤولية رئيس الحكومة، وليس مسؤولي الموساد، واصفًا إقالة المسؤولين بأنها «عمل جبان» وعدم توفير الغطاء لأشخاص خدموا في الجهاز لسنوات طويلة.
تحقيق جديد في إخفاقات الموساد
وفي سياق متصل، أشار التقرير إلى أن غوفمان أصدر في يونيو/حزيران الماضي تعليمات بإجراء تحقيق جديد وشامل في أداء الموساد، يشمل إخفاقات السابع من أكتوبر/تشرين الأول وعمل الجهاز خلال الحرب.
ويأتي التحقيق الجديد رغم إجراء تحقيقات داخلية سابقة بشأن أداء الجهاز.
وبحسب المصادر، فإن التحقيق لا يستهدف بالضرورة استبدال التحقيقات السابقة، وإنما يأتي في إطار عملية مراجعة يقودها غوفمان بعد توليه منصب رئيس الموساد.
ويعكس فتح تحقيق جديد استمرار الجدل داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشأن مسؤولية الأجهزة المختلفة عن إخفاقات السابع من أكتوبر، في وقت لا تزال فيه التداعيات السياسية والأمنية لتلك الأحداث حاضرة بقوة في المشهد الإسرائيلي.
رئيس سابق للشاباك يحذر من تسييس الجهاز
وبالتوازي مع الجدل داخل الموساد، حذر رئيس جهاز الشاباك السابق يورام كوهين من المس باستقلالية الجهاز ومهنيته، ومن إمكانية استخدام قدراته لخدمة أهداف سياسية أو شخصية.
وقال كوهين، خلال لقاء سياسي عقد الخميس في مدينة شوهام، إن التحدي الأكبر لا يتعلق فقط برئيس الشاباك الحالي، وإنما برئيس الحكومة نفسه.
وبحسب ما أورده موقع «واينت»، قال كوهين إن نتنياهو سبق أن توجه إلى رؤساء الشاباك، ومن بينهم كوهين نفسه، بطلبات وصفها بأنها كانت، بحسب تقديره، «غير قانونية أو غير مشروعة» ومن شأنها أن تحقق فائدة لرئيس الحكومة.
وشدد رئيس الشاباك السابق على ضرورة أن يكون رئيس الجهاز قادرًا على رفض أي توجيه مخالف للقانون أو للأخلاق أو يتجاوز صلاحيات الجهاز، داعيًا إلى وجود قيادة تتمتع بالاستقلالية والقدرة على مواجهة الضغوط السياسية.
وحذر كوهين بصورة خاصة من استخدام قدرات الشاباك ضد مواطنين على خلفية سياسية أو لتلبية احتياجات شخصية لرئيس الحكومة، معتبرًا أن مثل هذا الأمر سيكون «خطيرًا جدًا»، وقد يؤدي إلى تقويض ثقة الجمهور بالجهاز وإدخال التسييس إلى صفوفه.
«قانون المتهم» يعود إلى واجهة النقاش الانتخابي
وفي سياق المعركة السياسية، أعلن كوهين تأييده لإعادة الدفع بما يعرف في إسرائيل بـ«قانون المتهم»، وهو مشروع قانون يمنع عضو كنيست قُدمت ضده لائحة اتهام في جرائم قد تصل عقوبتها إلى السجن ثلاث سنوات أو أكثر من الحصول على تكليف بتشكيل الحكومة، ما لم يُقرر أن الجريمة لا تنطوي على «وصمة عار».
وأشار كوهين إلى أن المشروع سبق أن نوقش خلال حكومة نفتالي بينيت ويائير لبيد، لكنه لم يستكمل، معربًا عن أمله في تمريره مستقبلًا.
واعتبر أن إقرار القانون في ذلك الوقت كان سيحول دون تمكن نتنياهو من تشكيل الحكومة الحالية.
وينضم كوهين إلى حزب غادي آيزنكوت، الذي يعد من أبرز الشخصيات السياسية المعارضة لنتنياهو، وقال إن الحزب يسعى إلى تشكيل حكومة لا يزيد عدد وزرائها على 24 وزيرًا.
ورفض كوهين الالتزام بإمكانية تشكيل حكومة أقلية تعتمد على امتناع القائمة الموحدة عن التصويت، مكتفيًا بالقول إن الهدف هو تشكيل حكومة تحظى بدعم «61 صهيونيًا».
كوهين يرفض إقامة دولة فلسطينية
وفي الملف الفلسطيني، تبنى كوهين موقفًا رافضًا لإقامة دولة فلسطينية في الظروف الحالية، معتبرًا أن الدولة الفلسطينية ليست مطروحة في الوقت الراهن، وأن أقصى صيغة سياسية يمكن أن يقبل بها مستقبلًا، في ظل ظروف مختلفة، هي صيغة «الحكم الذاتي».
وفي المقابل، عارض ضم الضفة الغربية بالكامل، محذرًا من أن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى تحويل إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية، وتضعها في مواجهة أوسع مع المجتمع الدولي، فضلًا عن الإضرار باتفاقيات السلام القائمة.
كما حذر من أن الضم قد يقود إلى ما وصفه بـ«أثمان دم لا تنتهي».
تحذيرات من تدخل خارجي في الانتخابات
وتطرق رئيس الشاباك السابق إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية، محذرًا من إمكانية تدخل جهات خارجية من خلال استهداف قواعد البيانات أو البنية التحتية السيبرانية.
ودعا إلى تعزيز التنسيق بين الشاباك والشرطة وهيئة السايبر الوطنية ولجنة الانتخابات، بهدف حماية العملية الانتخابية من أي تدخلات أو هجمات إلكترونية محتملة.
وفي ملف الجريمة داخل المجتمع العربي، رفض كوهين تحويل الشاباك إلى بديل عن الشرطة، معتبرًا أن الجهاز يمكنه تقديم مساعدة محدودة ومركزة في حالات معينة، لكنه لا يستطيع تولي مسؤولية مكافحة الجريمة على نطاق واسع.
ردود مقربة من نتنياهو
وأثارت تصريحات كوهين ردود فعل من جانب جهات مقربة من نتنياهو، التي اتهمته وحلفاءه بأنهم «يخشون الشعب واختيار الشعب».
كما هاجم الوزيران بتسلئيل سموتريتش وشلومو كرعي مواقف كوهين.
واتهم سموتريتش معسكر آيزنكوت بالسعي إلى إقامة «حكم ذاتي فلسطيني»، فيما اعتبر كرعي أن الدفع باتجاه «قانون المتهم» يمثل محاولة، بحسب تعبيره، لـ«سلب الناخب حقه في الاختيار».
ويأتي هذا السجال في وقت تتداخل فيه الملفات الأمنية والسياسية والقضائية مع المعركة الانتخابية الإسرائيلية، وسط جدل متزايد حول حدود العلاقة بين القيادة السياسية وأجهزة الأمن والاستخبارات، ومدى قدرة هذه الأجهزة على الحفاظ على استقلاليتها المهنية في ظل الاستقطاب السياسي المتصاعد.







