الضفة المحتلة - كشفت شهادات أدلى بها جنود وضباط إسرائيليون خدموا في الضفة الغربية المحتلة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، عن اتساع اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم، وتحول مجموعات مسلحة منهم، بينها عناصر في وحدات "الدفاع المناطقي" التابعة للجيش الإسرائيلي، إلى قوة تتحرك بقدر واسع من الاستقلالية، وسط تردد قيادات عسكرية في مواجهتها أو محاسبتها.
وبحسب تحقيق نشرته صحيفة "هآرتس"، الأحد، شملت الانتهاكات التي وثقتها الشهادات اقتحام منازل فلسطينية والاعتداء على سكانها، وإقامة حواجز غير مرخصة، واحتجاز فلسطينيين وتقييدهم وتفتيش مركباتهم، إضافة إلى مصادرة ممتلكات ونهبها وإطلاق النار، فضلًا عن مشاركة مستوطنين بملابس مدنية في عمليات عسكرية واقتحام منازل فلسطينية إلى جانب قوات الجيش.
تداخل متزايد بين المستوطنين والجيش
وأظهرت الإفادات تداخلًا متزايدًا بين المستوطنين والجيش الإسرائيلي، خصوصًا بعد تجنيد نحو 5500 مستوطن في الضفة الغربية ضمن وحدات "الدفاع المناطقي" عقب السابع من تشرين الأول/ أكتوبر.
ورغم أن هذه الوحدات يفترض رسميًا أن تخضع للكتائب والألوية العسكرية المنتشرة في مناطق الضفة، قال جنود إن بعض عناصرها يتحركون خارج التسلسل القيادي، بل ويصلون أحيانًا إلى مواقع الاعتداء قبل قوات الجيش.
وقال ضابط احتياط خدم في جنوب الخليل عام 2024 إن مجموعات من الفتية المقيمين في بؤرة استيطانية كانت تقتحم بصورة متكررة منازل عائلات فلسطينية في القرى المحيطة، وتثير الفوضى داخلها.
وأضاف أن أحد المستوطنين، الذي عرّف نفسه بأنه من وحدة "الدفاع المناطقي"، هدده باتهامه بالتحرش الجنسي إذا تقدم بشكوى إلى قيادته، بعد أن حاول الضابط إبعاد المستوطنين عن منزل فلسطيني تعرض للاقتحام.
وبحسب الضابط، وثقت كاميرا جسده الواقعة وأبلغ عنها، إلا أن القيادة العسكرية العليا لم تدعمه، فيما اتصل قائد اللواء بالمستوطن في اليوم التالي لـ"ترضِيته"، قبل أن يجري لاحقًا ترتيب "مصالحة" بين الطرفين.
مستوطنون مسلحون بزي الجيش
ومنذ بدء الحرب، تراكمت شهادات عن ضلوع عناصر من وحدات "الدفاع المناطقي" في اعتداءات وتهديدات وتخريب ممتلكات فلسطينية.
وكانت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية قد قررت مطلع عام 2024 حصر نشاط هذه الوحدات داخل المستوطنات، وإخضاع أي تحرك خارجها لموافقة قائد اللواء، إلا أن شهادات الجنود تشير إلى أن هذه القيود بقيت إلى حد كبير على الورق.
ووفق التقرير، استشهد ثلاثة فلسطينيين في آذار/ مارس الماضي خلال حادثتين شارك فيهما مستوطنون من إحدى هذه الوحدات، فيما قتل أحد أفرادها فلسطينيًا في دير جرير قرب رام الله في نيسان/ أبريل، وأطلق عنصر آخر، قال جنود إنه كان في حالة سكر، النار بصورة عشوائية باتجاه منازل فلسطينية في مخيم العروب خلال أيار/ مايو.
وفي جنوب الخليل، روى جندي احتياط أن مجموعته رصدت إقامة بؤرة استيطانية على أطراف بلدة سوسيا الفلسطينية، بدأت بوصول فتية وقطعان أغنام، قبل إدخال مركبات ومعدات وأبقار.
وقال إن الجنود لم تكن لديهم شكوك بشأن الهدف من إقامة البؤرة، معتبرين أن الغرض منها هو خلق احتكاك مع الفلسطينيين.
وخلال عملية لإخلاء الموقع، وصلت مركبة عسكرية تقل عناصر من "الدفاع المناطقي"، وتجاهلت جنديًا حاول منعها من الدخول ودهست قدمه، قبل أن ينزل ركابها ويواجهوا القوة العسكرية ويهددوها بسبب محاولة إخلاء المستوطنين.
حواجز واحتجاز ونهب ممتلكات فلسطينية
وتكشف شهادات أخرى أن مستوطنين وعناصر من "الدفاع المناطقي" كانوا يقيمون حواجز دون تنسيق مع الجيش، ويجبرون فلسطينيين على الخروج من مركباتهم والاستلقاء على الأرض، ثم يقيدون أيديهم ويفتشون سياراتهم ويبعثرون محتوياتها.
وقال أحد الجنود إن المستوطنين كانوا يمرون عبر هذه الحواجز بحرية، في حين يتعرض الفلسطينيون للتوقيف والتفتيش.
وأوضح ضابط خدم مؤخرًا في شمال الضفة أن عناصر هذه الوحدات "يتحركون بالزي العسكري ويحملون سلاحًا عسكريًا"، وبالتالي فإن الفلسطينيين يرونهم كجنود إسرائيليين حتى عندما يتحركون دون إذن وبخلاف التعليمات.
وقال جندي خدم في كتلة "غوش عتصيون" الاستيطانية إن عناصر "الدفاع المناطقي" كانوا يصلون مرارًا إلى مواقع الاعتداء قبل الجيش، مضيفًا أنهم لم يكونوا جهة لتهدئة الوضع، بل كانوا جزءًا من الفوضى.
وتحدث ضابط آخر خدم في شمال الضفة عن نهب قطع من سيارات فلسطينية مصادرة قرب حاجز في جبل عيبال، مشيرًا إلى أن مستوطنين وصلوا إلى المكان وبدأوا بتفكيك أجزاء من المركبات والاستيلاء عليها، قبل أن يهددوا أحد الجنود الذي اعترض على ذلك.
وفي حادثة أخرى، قال الضابط إنه شاهد مسؤول أمن في مستوطنة يطلق النار باتجاه راعي أغنام فلسطيني لم يكن يشكل تهديدًا، مضيفًا أن سلاح المستوطن صودر ثم أعيد إليه بعد أسبوعين.
مستوطنون يقتحمون المنازل مع الجيش
ويورد التقرير شهادات عن انضمام أفراد من "الدفاع المناطقي" ومستوطنيين مدنيين إلى عمليات اعتقال واقتحام ينفذها الجيش الإسرائيلي في الضفة.
وقال ضابط خدم في منطقة "غوش عتصيون" إن المستوطنين كانوا يشاركون في العمليات بملابس نصف مدنية، وكأنهم جزء من الكتيبة، وفي أحيان كثيرة كان مدنيون من المستوطنات ينضمون إليهم دون تنسيق أو تعريف واضح، ويدخلون منازل فلسطينية دون أن يمنعهم أحد.
وأضاف أن بعض هؤلاء لم يكونوا جنودًا أصلًا ولا يعرفون إجراءات العمل العسكري، ما تسبب أكثر من مرة في خطر وقوع إطلاق نار بين القوات نفسها.
كما كشفت الشهادات عن حرية دخول عناصر هذه الوحدات إلى القواعد العسكرية وغرف العمليات واطلاعهم على معلومات عسكرية حساسة، ما أثار مخاوف لدى جنود من انتقال معلومات عن تحركات الجيش وهويات فلسطينيين تقدموا بشكاوى ضد المستوطنين.
بعد مقتل فلسطيني برصاص مستوطن.. اقتحامات للقرى الفلسطينية
ومن بين الوقائع التي تناولتها الشهادات مقتل الفلسطيني عودة الهذالين من أم الخير جنوب الخليل، في تموز/ يوليو 2025.
وبحسب التقرير، دخل المستوطن يانون ليفي إلى أراضي القرية مسلحًا لمرافقة جرافات كانت تعمل على شق طريق لمستوطنة "كرمل". وعندما اعترض الأهالي على الأعمال، أطلق النار، فأصاب الهذالين الذي كان يوثق الواقعة من مسافة قريبة، ما أدى إلى مقتله.
وبعد مقتل الهذالين واحتجاز جثمانه تسعة أيام، قال أحد الجنود إن القوات الإسرائيلية كُلفت بـ"إعادة الهدوء إلى المنطقة"، وبدأت ليلًا باقتحام منازل فلسطينية في القرى المحيطة.
وأضاف أن الجنود كانوا يدخلون المنازل ويوقظون السكان، ويفصلون النساء والأطفال عن الرجال، ويأخذون بطاقات الهوية ويصورون السكان ويفتشون المنازل.
وقال إن الجنود كانوا يعرفون أنهم لن يجدوا شيئًا، لأن معلومات السكان موجودة أصلًا في أنظمة الجيش، معتبرًا أن الهدف كان مضايقة الفلسطينيين ومنعهم من رفع أصواتهم أو الاحتجاج.
جنود يصفون الوضع بـ"الغرب المتوحش"
وقال أحد الجنود إن وحدته لم تكن تعلم خلال معظم فترة انتشارها أن لديها صلاحية توقيف المستوطنين الذين يعتدون على الفلسطينيين، وكانت تنتظر الشرطة التي لم تكن تصل في أحيان كثيرة إلا بعد مرور وقت طويل.
وأضاف أن تأخر الشرطة أكثر من ساعة في بعض الحوادث سمح بتفاقم الاعتداءات ووقوع إصابات.
ووصف الجندي ما يجري بأنه "فشل للدولة"، ليس فقط على المستوى الانضباطي أو العملياتي، وإنما على المستوى القيمي أيضًا، مضيفًا أن ما يحدث في الضفة يشبه "غربًا متوحشًا" من عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين.
وقال ضابط آخر إن غالبية ما قامت به وحدته خلال انتشارها لم يكن إحباط عمليات مسلحة، بل التعامل مع مستوطنين يسعون إلى خلق استفزازات، مضيفًا أن الجنود كانوا "يركضون وراء المستوطنين من حادث إلى آخر".
وتظهر مجمل الشهادات التي أوردتها "هآرتس" أن القضية لا تتعلق فقط بفقدان الجيش الإسرائيلي السيطرة على مجموعات من المستوطنين، وإنما تمتد إلى تداخل متزايد بين هذه المجموعات والمنظومة العسكرية والأمنية، من خلال توفير السلاح والزي والصلاحيات وإمكانية الوصول إلى المعلومات العسكرية، إلى جانب تردد قيادات عسكرية في محاسبتهم، في وقت تتواصل فيه الاعتداءات والاقتحامات بحق الفلسطينيين في المناطق نفسها.







