طلال عوكل - كاتب ومحلل سياسي
بينما تُحسب حياة الغزيين باللحظات، تمضي الأشهُر، على أملٍ يبتعد أكثر كلما توهم المعنيون أنهم توصلوا إلى اتفاق يحقق لكل طرف ما يسعى إلى تحقيقه من الشروط.
غزة تريد استعادة الحياة، تريد تأكيد عزتها وكرامتها، وتريد أن تبقى على عهدها التاريخي كحاملة وحامية للمشروع الوطني الفلسطيني، ولتحقيق آمال الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير.
إسرائيل تريد تحقيق الهيمنة، وتوسيع نفوذها وسيطرتها على جوارها، وتريد فلسطين التاريخية بدون أهلها الفلسطينيين، وتريد السلام والأمن فقط لمستوطنيها. هكذا تصبح مسألة نزع سلاح المقاومة في غزة مجرد ذريعة لإفراغ القطاع من سكانه، تحت عنوانٍ ناعم أطلقه نتنياهو حين طالب بحرية الحركة للسكان، والمقصود في اتجاه واحد، نحو دول العالم التي عليها استقبالهم.
يتلاعب نتنياهو بالألفاظ، فلم يعد يتحدث مباشرةً عن تهجير سكان القطاع، ويتحدث كأنه حريصٌ على حقوق الفلسطينيين في الحركة، وبأن ثمانين في المئة من سكان القطاع يرغبون في الخروج منه، ولكن يبقى الهدف واحدًا، وهو إخلاء القطاع من أهله الفلسطينيين.
عشرة أشهُر انقضت منذ دخول خطة ترمب العشرينية حيز التنفيذ، دون أن يتبدل شيء. ولقد استمر زحف الجيش الإسرائيلي على أرض القطاع، واستمر القصف والاغتيالات، واستمر الحصار وتقنين دخول المواد الإغاثية، واستمرت الحرب من طرف واحد هو إسرائيل، والتزم الفلسطينيون بالصبر، وتجنب منح إسرائيل أية ذرائع للعودة إلى زمن الإبادة الجماعية التي كانت تحصد مئات الأرواح يوميًا. وخلال الأشهُر الطويلة، لم تتوقف الاجتماعات والتدخلات والمفاوضات لتحريك المياه الراكدة، إلى أن تحولت إلى مياه آسنة لا تصلح للزراعة، ولا لأي غرض آخر.
لم يكن تركيز انتباه واهتمام إدارة الرئيس ترمب ومجلسه للسلام على الحرب في الخليج سببًا مقنعًا لإهمال ما يجري على الساحة الفلسطينية، سواء في غزة أو الضفة. والمقاربة الأكثر إقناعًا لفهم السبب هي أن إدارة ترمب منحت نتنياهو أكثر من الوقت الكافي لتحقيق أهدافه، مقابل التزامه بعدم الانخراط في تلك الحرب. لم يحقق نتنياهو أهدافه رغم مرور عشرة أشهُر، فكان لا بد من العودة إلى المفاوضات، التي يديرها ملادينوف، الذي اجتهد في خدمة الشروط الإسرائيلية، إلى أن أفضت إلى خارطة طريق من خمسة عشر نقطة لتفسير خطة ترمب المكونة من عشرين نقطة.
وافق الوسطاء، ورحب الرئيس ترمب بخارطة الطريق، وردّ عليها نتنياهو بقصف واسع أسقط عشرات الفلسطينيين بين شهداء وجرحى، في اليوم الذي قيل، من قبل جهات موثوقة، إنه سيكون أول أيام وقف العدوان على غزة، والبدء بتنفيذ خارطة الطريق.
يحلو للبعض أن يلخص سبب فشل الخارطة الجديدة بالخلاف بين إسرائيل، التي ترفض الالتزام قبل أن يتم التحقق من نزع سلاح حماس وإخراجه من القطاع، وبين إصرار حماس على أن يتزامن ذلك مع بدء إسرائيل في انسحاب متدرج.
هكذا يتراجع مجلس السلام، وممثله ملادينوف، عن خارطة الطريق، ويعلن تبنيه للموقف الإسرائيلي، بعد إخراج مسرحي، من أن لقاءه بنتنياهو كان صعبًا وصاخبًا، ما يعني أن ملادينوف تلقى من رئيس الحكومة الإسرائيلية توبيخًا، وليس العكس. صمتت الإدارة الأميركية مرة أخرى، ولم تعلن موقفًا يحفظ للرئيس الأميركي ماء الوجه، وعادت الأوضاع إلى نقطة الصفر. الموقف الإسرائيلي تدرج في وضوحه، إلى أن أصبح غير قابل للتأويل أو التواطؤ. لقد أعلن نتنياهو: لا لإعادة الإعمار، ولا لدخول قوات حفظ الاستقرار الدولية إلا لمئتي عنصر من قوات صديقة، ولا لرفع الحصار، أو لإدخال المواد الإغاثية والمعدات الثقيلة.
وبطبيعة الحال، لا لتراجع الجيش الإسرائيلي عن المناطق التي يحتلها، كما يرفض دخول اللجنة الوطنية. ويرفض نتنياهو أن تُكلَّف أي جهة بالتحقق من النزع الكامل لسلاح المقاومة وتسليم خرائط الأنفاق، ولا يثق إلا بلجنة إسرائيلية وأميركية.
لا سبيل إذن لإلزام إسرائيل، طالما أن الإدارة الأميركية متواطئة، إلا بتدخل قوي وفاعل من قبل الوسطاء العرب والمسلمين، لجهة الضغط على إدارة الرئيس ترمب، حتى يضغط بدوره على إسرائيل. هل هذا ممكن؟ نعم، فلقد أثبتت تدخلات السعودية ودول الخليج، ومصر وتركيا، في موضوع الحرب على إيران، أنها قادرة على التأثير في سياسات ومواقف إدارة الرئيس ترمب.
على أن المسألة برمتها، رهن بالتطورات المقبلة في الولايات المتحدة، كما في إسرائيل، حيث الانتخابات على الأبواب، وهي انتخابات مفصلية، تحمل إمكانية وقوع تغييرات هامة، وقد تكون انقلابية من حيث تأثيرها على مجريات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط برمتها.







