ترجمات - مصدر الإخبارية
اعتبر أستاذ الفلسفة في جامعة تل أبيب، آصاف شارون، أن السياسات التي انتهجها رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، تجاه القضية الفلسطينية منذ بداية مسيرته السياسية، لم تنجح في تحقيق الأمن الذي وعد به الإسرائيليين، بل أسهمت، وفق تقديره، في إدخال إسرائيل في أزمة استراتيجية وسياسية وأمنية غير مسبوقة، انعكست على مكانتها الإقليمية والدولية وأعادت الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى واجهة الاهتمام العالمي بصورة أكثر تعقيدًا.
وفي مقال تحليلي مطول، استعرض شارون تطور رؤية نتنياهو للقضية الفلسطينية منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، مشيرًا إلى أن موقفه من إقامة دولة فلسطينية بقي ثابتًا على امتداد عقود، إذ اعتبر منذ بدايات نشاطه السياسي أن قيام دولة فلسطينية يمثل الخطر الأكبر على إسرائيل، وهو ما انعكس لاحقًا في معارضته لاتفاقيات أوسلو، ثم في السياسات التي انتهجها خلال سنوات توليه رئاسة الحكومة.
ويرى الكاتب أن نتنياهو تعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها ملفًا ينبغي احتواؤه وليس حله، معتمدًا على استراتيجية تقوم على الحفاظ على الوضع القائم وإدارة الصراع بدل السعي إلى تسوية سياسية شاملة. وبحسب شارون، فقد قامت هذه المقاربة على إضعاف السلطة الفلسطينية سياسيًا واقتصاديًا، وتوسيع النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية، مع الامتناع عن الدخول في مفاوضات جدية يمكن أن تفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة.
ويشير المقال إلى أن نتنياهو كان يعتقد أن بالإمكان إدارة الصراع إلى أجل غير مسمى، من خلال الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والإبقاء على سلطة فلسطينية محدودة الصلاحيات في الضفة، مقابل استمرار سيطرة حركة حماس على غزة، بما يمنع توحيد الساحة الفلسطينية ويحول دون التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
ويعتبر شارون أن هذه السياسة حظيت خلال سنوات بدعم أو قبول ضمني من عدد من الإدارات الأميركية والحكومات الغربية، التي اكتفت بإدارة الأزمة بدل العمل على إنهائها، مشيرًا إلى أن تعثر عملية السلام وتراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية وفّرا لنتنياهو مساحة واسعة للاستمرار في هذا النهج دون ضغوط حقيقية.
وبحسب الكاتب، فإن أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 مثلت نقطة تحول حاسمة، إذ أظهرت، من وجهة نظره، أن سياسة إدارة الصراع لم تحقق الأمن الذي وعدت به، وأن تجاهل جذور الصراع لا يمنع انفجاره بصورة أكثر عنفًا، بل يضاعف تداعياته الأمنية والسياسية.
ويرى شارون أن الرد الإسرائيلي على تلك الأحداث لم يقتصر على العمليات العسكرية، بل تحول إلى استراتيجية تعتمد بصورة متزايدة على القوة العسكرية باعتبارها الأداة الرئيسية لمعالجة التهديدات، مع إهمال أي أفق سياسي يمكن أن يعالج أسباب الصراع على المدى البعيد.
ويقول إن الحرب في قطاع غزة، وما رافقها من دمار واسع وخسائر بشرية كبيرة، لم تحقق، بحسب تقديره، الأهداف التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية، إذ ما زالت التحديات الأمنية قائمة، بينما ازدادت الضغوط الدولية على إسرائيل وتراجعت صورتها في العديد من العواصم الغربية، في وقت تصاعدت فيه الانتقادات للسياسات التي تنتهجها حكومة نتنياهو.
كما يشير الكاتب إلى أن الحكومة الإسرائيلية رفضت، خلال الحرب، مقترحات متعددة تضمنت إشراك السلطة الفلسطينية أو قوى عربية ودولية في إدارة قطاع غزة بعد انتهاء العمليات العسكرية، معتبراً أن هذا الرفض يعكس استمرار سياسة نتنياهو القائمة على منع أي خطوة قد تعزز مكانة السلطة الفلسطينية أو تعيد إحياء فكرة الدولة الفلسطينية.
وفي السياق ذاته، يرى شارون أن توسيع الاستيطان في الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة جعل تطبيق حل الدولتين أكثر صعوبة، بينما منحت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ولا سيما الحكومة الحالية، نفوذًا أكبر لأحزاب اليمين القومي والديني التي تدعو بصورة علنية إلى ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية ورفض إقامة دولة فلسطينية.
ويشير المقال إلى أن نتنياهو، رغم تحالفه مع قوى اليمين المتطرف، لم يطرح بصورة رسمية خطة شاملة لضم الضفة الغربية، لكنه في المقابل عمل على ترسيخ واقع ميداني يجعل الانفصال بين الفلسطينيين والإسرائيليين أكثر تعقيدًا، من خلال توسيع المستوطنات وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأرض.
كما يتناول الكاتب انعكاسات الحرب على علاقات إسرائيل الإقليمية، معتبرًا أن التوترات التي شهدتها الجبهات مع لبنان وإيران، إضافة إلى استمرار الحرب في غزة، أدت إلى تعقيد البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل، وأثرت على علاقاتها مع عدد من شركائها الدوليين والإقليميين.
ويرى شارون أن التركيز الإسرائيلي على الخيار العسكري، سواء في غزة أو في التعامل مع إيران، لم ينجح في معالجة جذور الأزمات الأمنية، بل أدى إلى اتساع رقعة التوتر في المنطقة، معتبراً أن معالجة الملف الإيراني لا يمكن أن تنفصل عن معالجة القضية الفلسطينية ضمن إطار سياسي وإقليمي أشمل.
وفي هذا السياق، يعيد الكاتب التذكير بمبادرة السلام العربية التي أقرتها جامعة الدول العربية عام 2002، والتي نصت على إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل مقابل انسحابها من الأراضي المحتلة عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، معتبرًا أن هذه المبادرة مثلت فرصة استراتيجية لم تستثمرها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
ويؤكد أن أي ترتيبات أمنية أو تحالفات إقليمية جديدة لن تحقق استقرارًا دائمًا إذا استمرت القضية الفلسطينية من دون حل، مشيرًا إلى أن استمرار الاحتلال والصراع ينعكس على أمن المنطقة بأكملها ويؤثر في الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية.
ويرى شارون أن العودة إلى مسار سياسي جديد تتصدره القضية الفلسطينية تمثل، من وجهة نظره، الخيار الأكثر واقعية للخروج من الأزمة الحالية، داعيًا إلى اعتماد إطار إقليمي تشارك فيه الدول العربية إلى جانب المجتمع الدولي لتوفير ضمانات أمنية متبادلة، بما يتيح استئناف مسار سياسي ينهي الصراع.
ويخلص الكاتب إلى أن استمرار السياسات الحالية سيؤدي، بحسب تقديره، إلى مزيد من التصعيد وعدم الاستقرار، بينما يتطلب تجنب أزمات أكبر مراجعة شاملة للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، والانتقال من سياسة "إدارة الصراع" إلى البحث عن تسوية سياسية دائمة، باعتبارها الطريق الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار لجميع الأطراف.






