عصام أبو دقة - مصدر الإخبارية
في 17 تموز/يوليو 2026، كشفت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، استنادًا إلى بيانات تم الحصول عليها عبر طلبات حرية المعلومات، أن الجيش الإسرائيلي فتح 57 تحقيقًا جنائيًا في وفاة 56 فلسطينيًا من قطاع غزة ومحتجز لبناني واحد أثناء وجودهم في الحجز العسكري.
وتعلّق سبعة من هذه التحقيقات بحوادث إطلاق نار أفضت إلى الوفاة، إلا أن أيًّا منها لم ينتهِ بتقديم لائحة اتهام. والأكثر إثارة للقلق أن معظم الوفيات وقعت داخل منشآت عسكرية تخضع لإجراءات أمنية مشددة ومراقبة دائمة، ومع ذلك أعلن الجيش أنه لم يتمكن من تحديد مشتبه بهم في معظم الملفات، متذرعًا بصعوبات في جمع الأدلة.
هذا الواقع يطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله: كيف يموت عشرات المحتجزين داخل أماكن تخضع للسيطرة الكاملة للجهة التي تحتجزهم، ثم تنتهي التحقيقات من دون تحديد مسؤول واحد؟
فالمعتقل داخل الحجز لا يملك حرية الحركة أو القرار، بل يكون تحت المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة للجهة القائمة على احتجازه. وهي الجهة التي تعرف حالته الصحية، ومكان وجوده، والأشخاص الذين تعاملوا معه، والإجراءات التي اتُّخذت بحقه، وما إذا كان قد تلقى الرعاية الطبية اللازمة أم لا. لذلك فإن أي وفاة داخل أماكن الاحتجاز تستوجب تحقيقًا جادًا ومستقلًا يهدف إلى كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات، لا مجرد تسجيل الواقعة وإغلاق الملف.
ووفق المعايير الدولية التي أكدت عليها الأمم المتحدة، فإن كل وفاة أثناء الاحتجاز يجب أن تخضع لتحقيق سريع وفعّال ومستقل ومحايد وشفاف. كما تؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن حماية حياة المحتجزين وسلامتهم تقع على عاتق السلطة التي تحتجزهم.
لكن ما نشهده هو نمط متكرر من التحقيقات التي لا تقود في معظم الأحيان إلى محاسبة فعلية، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول جدواها واستقلاليتها، ويُبقي عائلات الضحايا محرومة من معرفة الحقيقة الكاملة بشأن مصير أبنائها.
وفي هذا السياق، كانت منظمة «أطباء لحقوق الإنسان – إسرائيل» قد أعلنت أنها وثقت وفاة ما لا يقل عن 98 فلسطينيًا داخل أماكن الاحتجاز الإسرائيلية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، بينهم 52 من أبناء قطاع غزة توفوا أثناء وجودهم في الحجز العسكري. كما أشارت المنظمة إلى شهادات ومعطيات تتعلق بسوء المعاملة والإهمال الطبي وسوء التغذية، داعية إلى إجراء تحقيق دولي مستقل في هذه الحالات.
وخلف هذه الأرقام المؤلمة قصص إنسانية لا يمكن اختزالها في الإحصاءات. فلكل أسير توفي عائلة تنتظر الحقيقة، وأم ما زالت تبحث عن إجابة، وأطفال حُرموا من معرفة كيف فقدوا آباءهم. لذلك فإن القضية لا تتعلق بأرقام في تقارير حقوقية، بل بأرواح بشرية وحقوق أساسية لا يجوز التهاون بها.
ولا يقتصر الأمر على ملف الوفيات. فبحسب تقرير «هآرتس»، انتهت معظم التحقيقات المتعلقة بنهب ممتلكات الفلسطينيين في غزة ولبنان من دون توجيه اتهامات، بينما اقتصر التعامل مع بعض الحالات على إجراءات تأديبية داخلية. وهو ما يثير تساؤلات إضافية حول مدى جدية المساءلة عندما يتعلق الأمر بانتهاكات تمس حياة المدنيين وحقوقهم وممتلكاتهم.
إن العدالة لا تُقاس بعدد التحقيقات المفتوحة، بل بقدرتها على كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين. أما فتح عشرات الملفات ثم إغلاقها أو تركها معلقة من دون نتائج ملموسة، فإنه يهدد بتحويل التحقيق إلى إجراء شكلي لا يحقق الإنصاف للضحايا ولا يردع تكرار الانتهاكات.
ومن حق عائلات الأسرى والمعتقلين معرفة ظروف وفاة أبنائها، والاطلاع على التقارير الطبية والوثائق ذات الصلة، وتسلم الجثامين وإجراء الفحوص المستقلة عند الحاجة. كما أن من الضروري حفظ الأدلة والسجلات وتوفير إمكانية الوصول إليها أمام الجهات القانونية والحقوقية المستقلة.
إن المطلوب اليوم هو كشف الحقيقة كاملة، وضمان تحقيقات مستقلة وشفافة، ومساءلة كل من يثبت تورطه أو تقصيره، أيًّا كان موقعه أو رتبته. فهذه ليست دعوة إلى الانتقام، بل مطالبة بأبسط مبادئ العدالة وحقوق الإنسان: أن تُعرف الحقيقة، وأن يُحاسب المسؤول، وألا يتحول موت الإنسان في الحجز إلى رقم جديد في سجل طويل من الملفات المغلقة.
إن سبعةً وخمسين تحقيقًا بلا لائحة اتهام لا تعكس نجاح منظومة العدالة، بل تكشف حجم الأزمة التي تواجهها فكرة المحاسبة نفسها. وعندما تغيب الحقيقة، ويغيب المسؤول، وتُغلق الملفات بلا إجابات، لا يكون الضحايا وحدهم من يخسرون، بل تخسر العدالة معناها أيضًا.







