ترجمات - مصدر الإخبارية
ترجمة: مصطفى إبراهيم
تقوم إسرائيل بتسليح ودعم عصابات مسلحة في قطاع غزة في محاولة لخلق بديل سلطوي لحركة حماس. وعلى الرغم من تزويد هذه المجموعات بالأسلحة والمعدات المتطورة، يحذر خبراء من أن تأثيرها على الأرض يكاد يكون معدوماً، وأنها تضر بالجهد الإسرائيلي بدلاً من أن تخدمه.
في الوقت نفسه، يُدار هذا المشروع بسرية تامة ومن دون أي مساءلة أو رقابة من جانب المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. ويقول أحد المنتقدين للمشروع: “لا أحد يتوقف ليسأل إلى أين تتجه كل هذه الحماقة.”
في نهاية الشهر الماضي، نشرت ميليشيا مناهضة لحماس في غزة مقطع فيديو على موقع فيسبوك، ظهر فيه أحد عناصرها وهو يستخدم طائرة مسيّرة (درون) يبلغ طولها عدة أمتار. ويُعدّ هذا على الأرجح أول توثيق علني معروف لاستخدام إحدى الميليشيات في غزة طائرة من دون طيار ذات طابع عسكري.
وجاء في بيان للمجموعة: “جيش الشعب بقيادة أشرف المنسي يعلن عن إدخال عدد من الطائرات المسيّرة إلى الخدمة بنجاح.”
وأضاف البيان متباهياً: “كان الجنرال غسان الدهيني قد أعلن بالفعل عن تنفيذ عدد من العمليات الناجحة باستخدامها”، في إشارة إلى قائد ميليشيا أخرى يُنظر إليه باعتباره القائد غير الرسمي لشبكة المجموعات المسلحة بأكملها.
وخلال العام الماضي، زوّدت إسرائيل مجموعات مثل “جيش الشعب” بالأسلحة، والدعم الجوي، والمعلومات الاستخبارية، والمواد الغذائية، والسجائر. كما نقلت إلى إسرائيل عناصر من هذه الميليشيات أُصيبوا خلال نشاطهم، لتلقي العلاج الطبي.
وإضافة إلى ذلك، زودتهم بأسلحة خفيفة، وخاصة البنادق، إلا أن مقطع الفيديو أظهر أن هذه الميليشيات قد تكون بدأت تتلقى الآن وسائل قتالية أكثر تطوراً.
وبعد مرور عام على اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للمرة الأولى بأن إسرائيل تقوم بتسليح ميليشيات في غزة، لا تزال تفاصيل كثيرة تتعلق بالدعم الذي تقدمه تل أبيب لمنظومة المجموعات المسلحة الصغيرة التي تعمل في تحدٍّ لحركة حماس – بما في ذلك عصابات إجرامية – غامضة وغير شفافة، بما في ذلك السؤال الأساسي: ما هي الاستراتيجية التي تسعى إسرائيل إلى تنفيذها من خلال هذه الجماعات، إن كانت هناك استراتيجية واضحة أصلاً؟
ويقول مخائيل ميليشتاين، الخبير في الشؤون الفلسطينية وأحد المنتقدين القدامى لفكرة دعم هذه الجماعات المسلحة: “لقد تحولت غزة إلى عاصمة للأوهام الإسرائيلية، ويشمل ذلك أيضاً تشغيل هذه الميليشيات.”
وخلال العام الذي أعقب تصريح نتنياهو، تجنبت الحكومة الإسرائيلية في معظم الأحيان التطرق علناً إلى هذا الملف، فيما رفض الجيش الإسرائيلي مراراً الرد على أسئلة صحيفة زمان إسرائيل بشأن نشاط هذه الميليشيات.
وفي المقابل، بدأت الميليشيات نفسها تنشر بصورة متزايدة معلومات عن أنشطتها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ما وفر لمحة محدودة عن حلفاء إسرائيل داخل قطاع غزة.
وتشير مقاطع الفيديو والبيانات التي نشرتها هذه المجموعات إلى أن قوامها لا يتجاوز، في أفضل الأحوال، بضع مئات من المسلحين. وتبدو أنشطتها متفرقة لكنها مستمرة، وتشمل اشتباكات مع حركة حماس، إلى جانب محاولات تهدف إلى تعزيز شعبيتها بين سكان القطاع، مثل توزيع المواد الغذائية قبيل المناسبات والأعياد الإسلامية.
لا يبدو أن هذه الميليشيات شكّلت تحدياً حقيقياً لسلطة حماس المستمرة في المناطق المأهولة بالسكان في قطاع غزة، كما أن أهدافها العملياتية الأوسع ما زالت غير واضحة.
ورفض المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي الرد على أسئلة صحيفة زمان إسرائيل بشأن هذه الميليشيات، بما في ذلك سؤال حول ما إذا كانت الطائرات المسيّرة قد زُوّدت بها من قبل إسرائيل، كما يعتقد كثيرون. كما لم يرد مكتب رئيس الوزراء على طلبات التعقيب المتعلقة بعلاقة الميليشيات بإسرائيل، فيما أحال وزارة الأمن الإسرائيلية الأسئلة إلى الجيش.
ويقول ميخائيل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز موشيه دايان بجامعة تل أبيب، لصحيفة زمان إسرائيل إن تزويد هذه الجماعات بطائرات من دون طيار يُعد خطأً فادحاً قد ينقلب على إسرائيل نفسها.
وأضاف: “في نهاية المطاف ستتجه هذه الجماعات بنفسها إلى الإرهاب، أو أن حماس ستستولي على هذه الطائرات المسيّرة وتستخدمها ضدنا.”

جماعات كثيرة… ومدنيون قليلون
وبحسب ميلشتاين، الذي يتابع الأوضاع في غزة عن كثب ويحافظ على تواصل مع سكان القطاع، فإن تأثير هذه الميليشيات على الواقع في غزة كان محدوداً للغاية، باستثناء ما سبّبته من ضرر للمصالح الإسرائيلية نفسها.
من جهته، يتفق ميخائيل باراك، الباحث البارز في المعهد الدولي لسياسات مكافحة الإرهاب بجامعة رايخمان، مع التقييم القائل إن تأثير الميليشيات خلال العام الماضي كان محدوداً على أرض الواقع. لكنه يرى أن هذه الجماعات توفر قيمة للجيش الإسرائيلي بوصفها قوة حليفة مستعدة للعمل إلى جانبه ضد حماس.
وقال لصحيفة زمان إسرائيل: “هذا أمر جيد بالنسبة لنا ما دام هناك سكان من غزة مستعدون للتعاون مع إسرائيل والمساعدة في تطهير المناطق من العبوات الناسفة أو من عناصر حماس.”
وتشير منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي إلى وجود خمس ميليشيات مسلحة منفصلة تنشط في قطاع غزة. وقد تأسست جميع هذه المجموعات بين نيسان/أبريل وأيلول/سبتمبر 2025، وتتمركز في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، رغم أنها تنفذ بين الحين والآخر عمليات داخل مناطق تسيطر عليها حماس، بما في ذلك غارات مسلحة.
وكانت بعض هذه الجماعات قد أعلنت سابقاً أنها تسعى إلى إنشاء جيوب أو مناطق نفوذ يعيش فيها المدنيون تحت حمايتها، بعيداً عن سلطة حماس. لكن الواقع مختلف؛ إذ إن ما يقرب من مليوني فلسطيني في غزة يعيشون ضمن نحو 40% من مساحة القطاع، وهي المناطق التي لا تزال حماس تمارس فيها سلطتها الإدارية والحكومية.
وفي العام الماضي، قال مسؤول في ميليشيا ياسر أبو شباب لصحيفة زمان إسرائيل إن نحو خمسة آلاف مدني يعيشون تحت رعاية المجموعة في المنطقة الواقعة شرق مدينة رفح.
ومع ذلك، وبما أن الجيش الإسرائيلي يمنع المدنيين الفلسطينيين من عبور الخط الأصفر الذي يشكل الحدود الفعلية للمناطق الخاضعة لسيطرة حماس، فإن الفلسطينيين لا يملكون عملياً أي وسيلة للوصول إلى المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات، حتى لو كانوا راغبين في ذلك.
“الشارع الفلسطيني اليوم لا يريد حماس”، يقول حسام الأسطل، الذي يقود ميليشيا تنشط شرق مدينة خان يونس.
ويضيف: “الناس منهكون من كل هذا، ولم يعودوا يريدون حماس. الناس يريدون أن يعيشوا. آلاف الأشخاص يقولون لنا إنهم ينتظرون أن يسمح لهم الجيش الإسرائيلي بالانتقال إلى مناطق الخط الأصفر، لأنهم يريدون الوصول إليها.”
ومع ذلك، يشير ميخائيل ميلشتاين إلى أن سكاناً من غزة تحدث معهم أعربوا عن مواقف عدائية تجاه عناصر هذه الميليشيات.
كما قال سكان من قطاع غزة يعيشون في المناطق الخاضعة لسيطرة حماس لصحيفة زمان إسرائيل إنهم لا يدعمون هذه الجماعات، رغم أنه من الصعب تحديد مدى تأثر مواقفهم بحالة القمع التي تمارسها حماس ضد أي معارضة علنية.
وقال سيف عودة، وهو من سكان مدينة غزة، للصحيفة في شهر أيار/مايو إن هذه الجماعات لن تساعد السلطات الإسرائيلية على بناء الثقة مع سكان القطاع.
وأضاف: “الميليشيات في غزة أمر ترفضه جميع الفصائل، سواء فتح أو حماس.”
ويبدو أن حديثه يشير إلى أن هذه الجماعات المسلحة لا تمثل مصالح وطنية فلسطينية.

وكان الأسطل قد قال في وقت سابق لصحيفة زمان إسرائيل إن الميليشيات تأمل أن تصبح جزءاً من “غزة الجديدة” التي ستُعاد بناؤها بعد انتهاء حقبة حكم حماس.
وفي الوقت الراهن، لا تزال خطط إعادة إعمار غزة الواردة ضمن مبادرة وقف إطلاق النار ذات البنود العشرين التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي لا تتضمن أي دور لهذه الميليشيات، متعثرة بسبب رفض حماس التخلي عن سلاحها.
ويبدو أن جزءاً كبيراً من نشاط هذه الجماعات على وسائل التواصل الاجتماعي يهدف إلى إيصال رسالة مفادها أن حماس باتت ضعيفة، وأن سكان غزة يؤيدون الجماعات المسلحة التي تدّعي العمل باسمهم.
وفي الأيام التي سبقت عيد الأضحى، أحد أهم عيدين في الإسلام، نشرت عدة ميليشيات مقاطع فيديو ظهر فيها عناصرها وهم يوزعون الحلوى على الأطفال ويجهزون طروداً للمساعدات الإنسانية. وأظهرت المقاطع أطفالاً وبالغين وهم يشيدون بهذه الجماعات.
وفي مقطع فيديو نشرته ميليشيا أشرف المنسي من موقع وصفته بأنه “مركز لوجستي” للمساعدات الإنسانية، ظهرت منتجات تحمل ملصقات باللغة العبرية تعود لشركات إسرائيلية، من بينها قهوة “نس كافيه” التي تسوقها شركة “عيليت” الإسرائيلية، وحليب الأطفال “ماتيرنا”، ما يشير إلى أن مصدر هذه الإمدادات هو إسرائيل.
وفي المقابل، تُوجَّه أيضاً اتهامات لإسرائيل بأنها استخدمت هذه الجماعات المسلحة للمساعدة في طرد السكان المدنيين من منازلهم في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، وذلك بعد أن أصدر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعليماته بتوسيع السيطرة الإسرائيلية لتشمل نحو 70% من مساحة قطاع غزة.
وبحسب تقارير متعددة، فإن عشيرة أبو شباب – وهي الميليشيا الأقدم والأكبر في قطاع غزة، والتي يتزعمها حالياً غسان الدهيني – تُستخدم من قبل إسرائيل لتأمين مرور المدنيين الفلسطينيين العائدين إلى القطاع. ويدخل هؤلاء المدنيون من مصر عبر معبر رفح، ثم يمرون عبر مناطق خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي قبل وصولهم إلى أجزاء القطاع الواقعة تحت سيطرة حماس.
ويقول ميخائيل ميلشتاين إن سكاناً من غزة تحدثوا معه بعد اجتيازهم هذا المسار، ووصفوا معاملة قاسية وعنيفة من جانب عناصر الميليشيات، شملت – بحسب رواياتهم – التحرش الجنسي والسرقة والاعتداء بالضرب.
من جهته، قال الباحث ميخائيل باراك لصحيفة زمان إسرائيل: “هناك عامل آخر يضر بصورة الميليشيات لدى الجمهور الغزي، وهو حملة التأثير التي تقودها حماس، والتي تقدم هذه الجماعات على أنها غير فعالة ومصيرها الانهيار عاجلاً أم آجلاً.”
وأضاف: “تمتلك حماس قنوات على تطبيق تلغرام تدّعي من خلالها أنها نجحت في زرع عناصر داخل هذه الميليشيات، كما تنشر قصصاً عن أفراد من تلك الجماعات يُزعم أنهم عادوا عن مواقفهم وغادروا صفوفها.”
وبحسب التقرير، فإن أياً من قادة الميليشيات الناشطة حالياً في غزة لم يكن في السابق شخصية معروفة أو ذات مكانة بارزة داخل المجتمع الفلسطيني.
أما ياسر أبو شباب، الذي قاد الميليشيا التي حملت اسمه قبل مقتله في صراع داخلي، فقد وُجهت إليه في السابق اتهامات بالضلوع في أنشطة إجرامية، شملت التهريب وأعمال النهب، كما أُثيرت مزاعم عن وجود صلات سابقة له بتنظيم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
ويقول ميخائيل ميلشتاين: “من الواضح تماماً أننا أخذنا الشريحة الدنيا من المجتمع الفلسطيني. أشخاصاً ذوي سوابق إجرامية، وشخصيات مشبوهة، وبعضهم متورط في أعمال ضد إسرائيل، انطلاقاً من الاعتقاد بأنهم قد يتحولون إلى بديل لحماس.”

ميليشيات من شمال القطاع إلى جنوبه
وقال حسام الأسطل، الذي تنشط ميليشياه شرق خان يونس، لصحيفة زمان إسرائيل إن لكل مجموعة منطقة نفوذ خاصة بها، لكنها تعمل بالتنسيق مع المجموعات الأخرى وتحافظ على اتصال مستمر معها.
وأضاف خلال اتصال هاتفي من غزة: “العلاقات بيننا جيدة وهناك تواصل دائم. يوجد تنسيق في جميع الاحتياجات، بما في ذلك في مجال الإعلام والاتصالات.”
وتُظهر مراجعة صفحات فيسبوك التي تديرها الميليشيات وقادتها أن هذه الجماعات تتبادل باستمرار نشر البيانات والأنشطة الخاصة ببعضها البعض، وتعمل على الترويج المتبادل لرسائلها.
ولم تعلن أي من هذه الميليشيات حتى الآن عن هدف استراتيجي طويل المدى بصورة واضحة، وإن كانت جميعها تركز على محاربة حماس وتسعى إلى إنهاء حكمها في قطاع غزة.
وعندما سألته صحيفة زمان إسرائيل عن أهداف هذه المجموعات ومدى التقدم في مواجهة حماس، تهرب الأسطل إلى حد كبير من الإجابة، مكتفياً بالقول إن حماس أصبحت أضعف، وإنها تتكون حالياً من: “مجموعات صغيرة تعمل على الأرض.”
وفي 21 أيار/مايو، كتب أشرف المنسي على فيسبوك: “لن نأكل ولن نرتاح حتى تتحرر غزة، منطقة بعد أخرى.”
وفي 25 أيار/مايو، نشرت مجموعته، التي تنشط أساساً في شمال قطاع غزة، مقطع فيديو ظهر فيه عشرات المسلحين الملثمين مجتمعين على شاطئ السودانية شمال غربي غزة، وهم يعلنون: “لا يوجد هنا عناصر من حماس.”
ويقع شاطئ السودانية في الجانب الواقع ضمن المناطق التي تسيطر عليها حماس، وفق ما يصفه التقرير، إلا أن المقطع يبدو أنه صُوِّر في منطقة قريبة من خط السيطرة الإسرائيلي.
وفي مقاطع أخرى، ظهر المنسي – الذي لا تتوفر معلومات كثيرة عنه – وهو يقود سيارة جيب برفقة مسلحين في مناطق تعج بالمباني المدمرة والشوارع شبه الخالية من السكان.
وجاء في تعليق نشرته المجموعة على أحد هذه المقاطع أن قائدها: “تعهد بمواصلة الجهود لترسيخ الأمن والاستقرار، وحماية المواطنين، وتعزيز سيادة القانون.”
وذلك خلال جولة قام بها في منطقة بدت خالية تقريباً من المدنيين.

أما ميليشيا أخرى تنشط في شمال القطاع، فيقودها رامي خلاس، وهو من عائلة كبيرة ومعروفة يُقال إنها مرتبطة بحركة حركة فتح، المنافسة الرئيسية لحركة حركة حماس.
وبحسب تقارير إعلامية، كان أفراد من عائلة خلاس من بين عشرات الأشخاص الذين أعدمتهم حماس في مدينة غزة بعد فترة قصيرة من دخول وقف إطلاق النار مع إسرائيل حيز التنفيذ في شهر تشرين الأول/أكتوبر.
وخلال الأشهر الأخيرة، خففت هذه المجموعة من نشاطها على شبكات التواصل الاجتماعي، إلا أن رامي خلاس دعا في 5 أيار/مايو سكان مدينة غزة إلى التوجه إلى نقاط توزيع المساعدات الإنسانية التي تديرها الميليشيا، في إشارة إلى أن المجموعة لا تزال تمارس نشاطها على الأرض.
وفي الأشهر الأخيرة خفّضت هذه المجموعة مستوى نشاطها على شبكات التواصل الاجتماعي، إلا أن رامي خلاس دعا، في 5 أيار/مايو، سكان مدينة غزة إلى التوجه إلى نقاط توزيع المساعدات الإنسانية التي تديرها الميليشيا، ما يشير إلى أن المجموعة لا تزال تنشط على الأرض.
كما ارتبط قادة بعض هذه الجماعات بالسلطة الفلسطينية، التي تهيمن عليها السلطة الفلسطينية وتديرها حركة حركة فتح، والتي أطاح بها حركة حماس من قطاع غزة بعد سيطرتها على القطاع عام 2007.
وبحسب تقارير إعلامية، فإن شوقي أبو نصيرة، قائد ميليشيا “قوات الوطن الحرة” في وسط قطاع غزة، كان ضابطاً في أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية قبل سيطرة حماس على الحكم. وتشير منشورات المجموعة على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أنها تنشط في المنطقة الممتدة بين دير البلح وسط القطاع وخان يونس جنوب القطاع.
أما حسام الأسطل، فقد قال إنه خدم سابقاً في أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في غزة، وإنه بعد استيلاء حماس على السلطة اعتُقل وصدر بحقه حكم بالإعدام بسبب دعمه للسلطة الفلسطينية.
وكان قد صرّح سابقاً لصحيفة زمان إسرائيل بأن الميليشيا التي يقودها، والتي تضم عشرات المسلحين، تتخذ من منطقة قيزان النجار جنوب خان يونس مقراً لها، وهي منطقة تقع حالياً بالقرب من ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” ويُعتقد أنها خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي.

أما أكثر الجماعات تنظيماً، فهي ميليشيا أبو شباب، التي كان يقودها ياسر أبو شباب قبل مقتله – إذ تقول إسرائيل إنه قُتل في نزاع داخلي بين العشائر في كانون الأول/ديسمبر الماضي – ويتولى قيادتها حالياً نائبه غسان الدهيني.
وتُعرف هذه الجماعة أيضاً باسم “جهاز مكافحة الإرهاب” أو “القوات الشعبية”، وتُعتبر أكبر الميليشيات العاملة في القطاع، حيث تُقدَّر أعداد عناصرها، وفق تقارير مختلفة، بما يتراوح بين عشرات وعدة مئات من المسلحين.
وتُظهر مقاطع الفيديو المنشورة غسان الدهيني محاطاً في كثير من الأحيان بعشرات المقاتلين المسلحين، يرتدي بعضهم زياً عسكرياً يحمل العلم الفلسطيني على الأكمام أو الصدر.
وتنشط هذه الجماعة في المناطق الواقعة شرق رفح وبالقرب من معبر رفح.
وفي 26 أيار/مايو نشر الدهيني على صفحته في فيسبوك مقطع فيديو ظهر فيه عشرات المسلحين وهم يقومون بدوريات باستخدام سيارات جيب، بينما بدت في الخلفية أسوار حدودية، في إشارة إلى تمركز نشاط المجموعة في المناطق الحدودية الجنوبية للقطاع.
وقبل ذلك بأسابيع، نشر غسان الدهيني مقطع فيديو ظهر فيه برفقة عدد من عناصر الميليشيا بملابس مدنية، مع الإشارة إلى أن الموقع هو معبر رفح. وقد اعتُبر هذا المنشور تأكيداً لتقرير بثته هيئة البث الإسرائيلية “كان 11”، أفاد بأن مجموعة الدهيني تشارك في الترتيبات الأمنية على الجانب الفلسطيني من المعبر.
وعلى الأرض، تدخل هذه الميليشيات بين الحين والآخر في مواجهات مع عناصر حركة حركة حماس. ووفقاً للتقرير، فإن الاشتباكات التي جرى الإعلان عنها حتى الآن وقعت في مناطق تقع ضمن نطاق سيطرة حماس، فيما تؤكد الميليشيات أن معظم هذه المواجهات بدأت بمبادرة من عناصر الحركة.
وفي 20 نيسان/أبريل، قال حسام الأسطل لصحيفة زمان إسرائيل إنه أثناء قيام عناصر مجموعته بتوزيع المواد الغذائية على السكان في خان يونس، تعرضوا لهجوم من عناصر حماس أسفر عن مقتل أحد أفراد الميليشيا.
كما وصف حادثة مشابهة وقعت في 6 أيار/مايو، عندما هاجم عناصر من حماس أفراد الميليشيا في ميدان موسى بخان يونس أثناء توزيعهم مساعدات على المدنيين.
وفي مقطع فيديو نُشر لاحقاً، ادعى الأسطل أن عناصر مجموعته لم يتعرضوا لأي إصابات، وأنهم تمكنوا من قتل عنصرين من حماس والاستيلاء على أسلحتهما.
في المقابل، قالت وسائل إعلام محسوبة على حماس إن الحادثة كانت في الواقع كميناً معداً مسبقاً ضد الميليشيا، وإنه أسفر عن مقتل “ثلاثة عملاء لإسرائيل”، في إشارة على ما يبدو إلى عناصر الميليشيات المتعاونة مع إسرائيل.
ويشير التقرير إلى أن بعض هذه الميليشيات، على الأقل، تستند إلى شبكات عائلية وعشائرية واسعة النفوذ، لا تزال تحتفظ بقدر من السلطة الاجتماعية والمحلية في أجزاء مختلفة من قطاع غزة.
ويقول الباحث ميخائيل باراك إن حماس، التي تنسق في بعض الملفات مع العديد من عشائر القطاع، بما في ذلك عشائر ترتبط ببعض الميليشيات المتعاونة مع إسرائيل، حاولت استغلال هذه الروابط العائلية للضغط على عناصر الميليشيات ودفعهم إلى إلقاء السلاح.
وأضاف أن من بين هذه العائلات أيضاً عشيرة الأسطل.
تساؤلات حول التعاون مع إسرائيل
واعترف حسام الأسطل بأن الميليشيات تعمل بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، لكنه رفض الخوض في تفاصيل إضافية حول طبيعة هذا التنسيق.
وخلال جولة ميدانية للصحفيين نظمها الجيش الإسرائيلي العام الماضي في منطقة رفح، امتنع الضباط الإسرائيليون العاملون هناك عن التحدث بشأن الميليشيات المناهضة لحماس، واكتفوا بالقول إنهم على علم بوجودها ومواقع انتشارها.
وبحسب تقارير إسرائيلية، فإن التنسيق بين هذه المجموعات المسلحة وإسرائيل يتم عبر جهاز الشاباك (جهاز الأمن العام الإسرائيلي)، إلا أن كلاً من الجيش الإسرائيلي والشاباك رفضا التعليق على هذه المعلومات.
وأشارت تقارير نُشرت في 14 أيار/مايو في وسائل إعلام محسوبة على حركة حركة حماس إلى أن الميليشيات المتعاونة مع إسرائيل تساعد الجيش الإسرائيلي في التعامل مع السكان المدنيين بالتزامن مع توسيع نطاق سيطرته داخل قطاع غزة، واستيلائه على مناطق كانت مأهولة بالفلسطينيين وتخضع لسلطة حماس.
ومن بين الأنشطة غير المألوفة التي جرى توثيقها مؤخراً، بحسب التقرير، مشاركة هذه الميليشيات في عمليات إخلاء المدنيين. ووفقاً للمعلومات المتداولة، تم ذلك بتوجيه من الجيش الإسرائيلي.
وتقول التقارير إن مجموعات مسلحة متعاونة مع إسرائيل أجبرت سكاناً على مغادرة مناطق تقع قرب دير البلح، على مقربة من ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، لأسباب لم تتضح بشكل كامل.
في اليوم نفسه، نشرت ميليشيا شوقي أبو نصيرة مقطع فيديو ظهر فيه وهو يوجّه تعليمات لعناصر مسلحين، مرفقاً بنص يحمّل حماس مسؤولية معاناة السكان بسبب رفضها تسليم إدارة قطاع غزة إلى سلطات انتقالية، وفق ما جاء في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب .
ويقول أبو نصيرة في الفيديو مخاطباً عناصره، في إشارة إلى المدنيين الفلسطينيين: “نحن لا نريد تهجيرهم، نحن إلى جانبهم. هذه رسالة ننقلها من الجانب الإسرائيلي، ومفادها أن على الناس إخلاء المنطقة.”
ويرد أحد المسلحين في المقطع قائلاً إن السكان يفهمون ذلك، بينما يُسمع في الخلفية عناصر آخرون يهتفون: “الموت لحماس.”
ولم تصدر إسرائيل أي موقف رسمي بشأن هذه المزاعم المتعلقة بعمليات الإخلاء، كما رفض الجيش الإسرائيلي التعليق على أسئلة وجهتها إليه صحيفة زمان إسرائيل حول هذا الموضوع.
وينتقد ميخائيل ميلشتاين استراتيجية إسرائيل القائمة على توسيع السيطرة على مزيد من الأراضي داخل قطاع غزة، معتبراً أنها تؤدي عملياً إلى نتائج عكسية.
ويقول إن هذه السياسة لا تدفع السكان إلى الانتقال نحو المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي والميليشيات المتحالفة معه، بل تؤدي إلى تكديس المدنيين داخل المساحات المتبقية التي ما زالت تخضع لسيطرة حماس، والتي تتقلص باستمرار.
وبحسب ميلشتاين، فإن إسرائيل تعمل منذ مطلع عام 2024 على استراتيجية تقوم على التعاون مع جماعات مناهضة لحماس داخل قطاع غزة، إلا أن هذا المسار اتسم بسلسلة من الإخفاقات المتكررة.
ويشير إلى أن المحاولات الأولى شملت التواصل مع عشيرة الدرموش لمعرفة ما إذا كان بالإمكان الاعتماد عليها كبديل محلي لسلطة حماس. لكن عدداً من كبار أفراد العشيرة قُتلوا لاحقاً، في تطور مأساوي لم يُكشف عنه للرأي العام إلا بعد أشهر من خلال تقارير في وسائل إعلام عربية.
وفي آذار/مارس 2024، أفادت صحيفة الشرق الأوسط السعودية بأن الجهود الرامية إلى تجنيد العشائر الفلسطينية في غزة لتولي أدوار حكم وإدارة بديلة لحماس فشلت إلى حد كبير.
ووفقاً لذلك التقرير، رفضت عشائر عديدة عروضاً لتولي مسؤولية الأمن في مناطق جغرافية محددة داخل القطاع، خشية أن يجرها ذلك إلى مواجهة مباشرة مع قوات حماس التي بقيت فاعلة على الأرض.
وفي حزيران/يونيو 2024، بدا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كشف للمرة الأولى عن وجود هذا المشروع، عندما قال في مقابلة مع “القناة 14” إن إسرائيل حاولت قبل ذلك بأشهر دعم عشائر فلسطينية لتكون بديلاً عن حكم حماس، إلا أن الحركة قامت بتصفية أفراد العشائر الذين شاركوا في تلك الجهود.
ويشدد ميلشتاين على أن الغموض وانعدام الشفافية اللذين يحيطان بالمشروع حالا دون أي مساءلة رسمية بشأن استخدام الميليشيات في قطاع غزة، كما منعا نشوء نقاش عام جدي حول جدوى هذه الاستراتيجية وتبعاتها.
ويختتم حديثه قائلاً: “لا أحد يتوقف ليسأل إلى أين تتجه كل هذه الحماقة. هل هي مفيدة؟ هل تضر؟ هل ينبغي تعديلها أو إلغاؤها؟ طوال عامين لم تُجرَ أي مراجعة حقيقية لهذا الملف، لا في الشاباك ولا في الجيش الإسرائيلي.”
وأضاف: “لا توجد أي عملية تقييم أو فحص، وعندما لا يكون هناك تقييم، فإن الأخطاء نفسها تتكرر مرة بعد أخرى، ومرة بعد أخرى.”

تعليق المترجم
هذا التقرير مهم لانه يقدم، من داخل النقاش الإسرائيلي نفسه، صورة عن مشروع الميليشيات الذي عملت إسرائيل على بنائه في غزة خلال العامين الماضيين، ويكشف عدة نقاط لافتة: اعترافاً إسرائيلياً متزايداً بوجود دعم مباشر لهذه الجماعات، يشمل السلاح والمعلومات الاستخبارية والدعم اللوجستي. إقراراً من باحثين ومسؤولين إسرائيليين سابقين بأن هذه المجموعات لم تنجح في تشكيل بديل حقيقي لحماس. وجود مخاوف إسرائيلية من أن تنقلب هذه الجماعات مستقبلاً على إسرائيل أو أن تقع أسلحتها بيد حماس. تأكيد أن غالبية هذه المجموعات تستند إلى شخصيات هامشية أو ذات خلفيات إشكالية، وليست إلى قوى تحظى بشرعية أو قبول شعبي واسع. استمرار الغموض حول الأهداف النهائية للمشروع وآليات الرقابة والمساءلة عليه داخل المؤسسة الإسرائيلية.
ومن الناحية التحليلية، يمكن قراءة التقرير باعتباره مؤشراً على أزمة أعمق في التفكير الإسرائيلي بشأن “اليوم التالي” في غزة؛ فبعد فشل الرهان على الحسم العسكري الكامل، وفشل محاولات إيجاد بديل سياسي مقبول، برزت فكرة الاعتماد على الميليشيات والعشائر المسلحة، لكن التقرير نفسه ينقل تشكيكاً واسعاً داخل إسرائيل بجدوى هذا المسار.







