وكالات - مصدر الإخبارية
في وثيقة أرشيفية بريطانية تعود لـلـ12 من مايو (أيار) عام 1995، صادرة ضمن ملفات وزارة الخارجية البريطانية والمتعلقة بعملية السلام في الشرق الأوسط، يقدم الدبلوماسي البريطاني سي جي بي وايت ملاحظات لافتة حول لقاء جمع رؤساء بعثات الاتحاد الأوروبي مع بنيامين نتنياهو، عضو الكنيست آنذاك.
تصف الوثيقة مأدبة غداء دبلوماسية عقدت في الـ11 من مايو، خصصت لمناقشة مسار عملية السلام، مع تطرق جانبي إلى الملف الإيراني والسياسة الداخلية الإسرائيلية. ويشير التقرير إلى أن نتنياهو كان، كما هو معتاد في مثل هذه اللقاءات، كثير الحديث، يملأ النقاش بعبارات لافتة وقابلة للاقتباس، إلا أن محتوى مداخلاته، بحسب تقييم الدبلوماسي البريطاني، افتقر إلى الاتساق المنطقي، وبدا في جوهره سطحياً إلى حدّ ملحوظ بعد مراجعة لاحقة.
هذه الملاحظة التي ترد في سياق دبلوماسي مغلق، تعكس انطباعاً نقدياً باكراً لدى بعض الدبلوماسيين الأوروبيين تجاه أسلوب نتنياهو السياسي في تلك المرحلة، حيث يُصوّر الخطاب على أنه جذاب في الشكل، لكنه أقل عمقاً في البناء التحليلي، وهو توصيف يكتسب دلالة خاصة عند وضعه في سياق تطورات عملية السلام خلال التسعينيات.
ويظهر في هذا السياق أيضاً دور بنيامين نتنياهو بوصفه أحد أبرز الفاعلين السياسيين في إسرائيل آنذاك، في مرحلة كانت تشهد توتراً حاداً في مفاوضات السلام الإقليمية، وتبايناً واضحاً في الرؤى بين الأطراف الدولية والإسرائيلية والعربية.
مقاربة نتنياهو للمفاوضات مع سوريا بين الجولان والترتيبات الجزئية
"شاركت في غداء رؤساء بعثات الاتحاد الأوروبي مع بنيامين نتنياهو في الـ11 من مايو. تركز الحوار حول عملية السلام، مع بعض الاستطرادات الجانبية المتعلقة بإيران والسياسة الداخلية الإسرائيلية. وقد كان السيد نتنياهو، كعادته، كثير الحديث. جاءت مداخلته مليئة بعبارات قابلة للاقتباس، لكنها افتقرت إلى الاتساق المنطقي، وبدا في مراجعة لاحقة أنها سطحية إلى حدٍّ ما".
وبناء على طلب الرئاسة، طلب منه توضيح كيفية إدارته لمفاوضات مسارات عملية السلام المختلفة في حال توليه السلطة. وبدأ نتنياهو بعرض رؤيته في شأن المفاوضات مع سوريا، قائلاً إنه لا يعرف ما الذي يريده الرئيس الأسد حقاً، ومشيراً إلى أن الأخير يطرح مطالب قصوى على إسرائيل، لكنه رأى أن أي مفاوض معقول سيفعل الأمر ذاته. وأضاف أنه إذا تمسك الأسد بمواقفه، ولا سيما في ما يتعلق بهضبة الجولان، فإن ذلك من شأنه أن يعرقل أية مفاوضات.
![]()
وأكد نتنياهو مجدداً معارضته للانسحاب من الجولان، موضحاً أن الاعتبارات الحقيقية لسوريا لا تتركز في الجولان بحد ذاته، بل في بقاء النظام السوري وسعيه إلى الحفاظ على موقع قيادي بين الدول العربية. وذكر أنه في حال وصول حزب الليكود إلى الحكم، فسيسعى إلى التوصل لترتيبات مع سوريا، حتى إن لم تصل إلى معاهدة سلام كاملة بسبب الخلاف حول الجولان، لكن على نحو يحقق قدراً من المكاسب للطرفين.
وأوضح أن حزب الليكود سيحاول تحقيق تقدم مع سوريا على مسارين، الأول تحسين الأمن، فلمح إلى إمكان تقديم نوع من الاعتراف بالمصالح السورية في لبنان مقابل وقف سوريا دعمها لهجمات "حزب الله"، والثاني ملف المياه، إذ قال إنه لن يتخلى عن نسبة 25 في المئة (بحسب زعمه) من مياه إسرائيل الآتية من الجولان، لكنه قد يبحث عن وسائل لزيادة الموارد المائية المتاحة لسوريا من دون الإضرار بالإمدادات الإسرائيلية. وأضاف أن الأسد يظل منشغلاً أساساً بقضايا بقاء النظام.
وعندما سُئل عن سبب اعتقاده بأن الأسد قد يقبل باتفاق غير رسمي من دون استعادة الجولان، في حين أن ما يعرضه "الليكود" لا يتجاوز في نظره منح سوريا نفوذاً في لبنان وهو أمر قائم بالفعل، تردد نتنياهو في الإجابة بصورة مباشرة. وشارك السفير الدنماركي في النقاش، مع إعادة طرح السؤال، إضافة إلى إشارات مبهمة حول تحسين توافر المياه.
ومع فرصة ثانية للرد، عاد نتنياهو للتهرب من الإجابة، مكتفياً بالقول إن إسرائيل في ظل حكم "الليكود" قد تسعى أيضاً إلى شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب كجزء من حزمة ترتيبات غير رسمية محتملة.
مخاوف داخلية في إسرائيل من تداعيات الحل السياسي مع الفلسطينيين
وعند الانتقال إلى المسار الفلسطيني، استعرض نتنياهو مجموعة من المواقف المعروفة إلى حد كبير، فأكد عدم وجود نية لدى حزب الليكود لإعادة احتلال غزة. وأشار إلى أن الحكومة قد تكون مستعدة للموافقة على تحرك إسرائيلي في قطاع غزة إذا اقتضت الظروف ذلك. وأضاف أن إسرائيل لا تستطيع تحمّل تحويل الضفة الغربية إلى سلسلة من "غزّات صغيرة"، من المحتمل أن تتحول إلى ملاذات للإرهاب.
![]()
وأوضح أن ما يريده "الليكود" بالنسبة إلى الضفة الغربية هو نوع من توسيع نطاق الحكم الذاتي الفلسطيني، على ألا يعني ذلك سيادة كاملة ولا يشكل في الوقت نفسه احتلالاً عسكرياً. وبحسب طرحه، فإن مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني ينبغي أن تُدار من قبل الفلسطينيين الذين يُنتخبون من قبل مجتمعاتهم، في حين تبقى الشؤون الخارجية لهذه المناطق تحت سيطرة إسرائيل.
وذكر السيد نتنياهو أنه يعارض إقامة دولة فلسطينية، معرباً عن اعتقاده بأنه في حال انسحاب إسرائيل من الضفة الغربية، فإن النفوذ الأصولي سيتوسع هناك، مما لن يهدد الأمن الإسرائيلي وحسب، بل من الممكن أن يمتد ليشكل خطراً على المملكة الهاشمية في الأردن، بحسب قوله.
كذلك أشار إلى احتمال نشوء مشكلات داخل إسرائيل نفسها إذا ما مُنحت صلاحيات أكبر للفلسطينيين، مضيفاً أنه ما لم يجرِ دمج المواطنين العرب في إسرائيل بصورة كاملة داخل المجتمع، وهو أمر قال إنه يؤمن به بعمق، فمن الممكن أن تنشأ اضطرابات كبيرة. وتوقع أن يؤدي قيام دولة فلسطينية إلى تطرف العرب داخل إسرائيل، وربما يفضي في نهاية المطاف إلى نشوء دولة عربية وفق حدود تقسيم عام 1947، وهو سيناريو أعلن معارضته له بصورة قاطعة وحازمة.
انتقادات نتنياهو لاتفاق أوسلو وموقفه من ياسر عرفات
وعندما طُلب منه إبداء رأيه في شأن الوضع الراهن للمفاوضات مع ياسر عرفات حول اتفاق مرحلي، قال نتنياهو إن عملية أوسلو برمتها كانت معيبة من الأساس، وإنها لا تعمل على النحو المطلوب، مضيفاً أن الجمهور الإسرائيلي يدرك ذلك جيداً.
ورأى أن ياسر عرفات لا يمكن الوثوق به، وأن نواياه غير واضحة، مشيراً إلى أنه لم يقُم بأية خطوة لإزالة الميثاق الوارد في دستور منظمة التحرير الفلسطينية الذي يتضمن بنوداً معادية لإسرائيل، على رغم أنه سبق أن أعلن عزمه على ذلك. وأضاف أنه لن يتفاوض مع أي طرف لا يعترف بحق إسرائيل في الوجود.
وقال نتنياهو إن الجمهور الإسرائيلي يريد السلام، لكنه قبل كل شيء يريد أن يعيش بأمان، لافتاً إلى أن عرفات لم يحقق تقدماً في الملف الأمني، مما قد يشكل عبئاً انتخابياً على رئيس الوزراء إسحاق رابين. ورأى أن نموذج أوسلو يمثل انحرافاً عن المبدأ القائل إن الدولة اليهودية يجب أن تكون مسؤولة عن أمنها بنفسها، مؤكداً أنه لا ينبغي لإسرائيل أن تتخلى عن هذا المبدأ.
وأضاف أنه واثق من أن لديه دعماً شعبياً واسعاً في هذا الموقف، مشيراً إلى أن الرأي العام، بحسب تصوره، يقف إلى جانبه في هذه المسألة.
إيران والإرهاب في رؤية نتنياهو ومخاوف الانتشار النووي
وعند سؤاله عن الظروف التي تطورت فيها ظاهرة الإرهاب والسبل الممكنة لمواجهتها، قال نتنياهو إنه لا يوافق على الرأي القائل بإمكان مكافحة الإرهاب عبر الوسائل السياسية.
وأضاف أن رئيس الوزراء إسحاق رابين ارتكب خطأً، بحسب وصفه، عندما سلّم مسؤولية مكافحة الإرهاب إلى ياسر عرفات، وانتقد أيضاً وقف ملاحقة الجيش الإسرائيلي المباشرة (الـمطاردة الساخنة) داخل المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية، والسماح، على حد قوله، للإرهابيين بالخروج من السجون، إضافة إلى تفكيك شبكة المتعاونين داخل الأراضي المحتلة، ومنح منفذي العمليات ملاذات آمنة داخل مناطق الحكم الذاتي.
![]()
وعندما سُئل عما كان سيفعله بدلاً من ذلك إذا كان نهج أوسلو قد فشل، بدا نتنياهو محدود الطروحات بصورة لافتة، واقتصر على تعليقات تحذيرية من أن إعادة تسليم جنين مثلاً ستجعل مدينة العفولة عرضة لهجمات إرهابية، مضيفاً أن حزب الليكود لن يحتاج إلى حملة انتخابية في تلك المنطقة، وأن رابين سيُقصى من منصبه.
وفي ما يتعلق بمصادر الإرهاب، أشار نتنياهو إلى دور إيران وتصاعد التيار الأصولي الشيعي، ورأى أن الإرهاب نتاج مباشر لأنظمة شمولية.
وتحدث بلهجة شديدة ضد نقل التكنولوجيا النووية إلى إيران، معرباً عن أمله في أن تقوم الدول الأوروبية بما تستطيع من أجل منع ذلك، لكن لم يكمل حديثه لاحقاً في هذا السياق.
نقد رؤية نتنياهو لعملية السلام وتناقضات الطرح السياسي
وعند سؤاله من قبل الرئاسة حول كيفية رؤية حكومة يقودها "الليكود" للعلاقات مع أوروبا، علّق نتنياهو بأنه خلال فترة توليه منصب نائب وزير الخارجية كان صرّح بأن إسرائيل تولي اهتماماً مفرطاً بالولايات المتحدة، وأن عليها الاقتراب أكثر من أوروبا.
لكنه لم يذهب إلى حد القول إن سياسته ستتضمن ذلك في حال توليه الحكم مستقبلاً، وتوقف عن تطوير الفكرة في هذا الاتجاه.
وبصورة عامة، لم يكُن هذا العرض مقنعاً، إذ شابت طرح نتنياهو تناقضات منطقية، من بينها قوله إنه يريد أن يكون الفلسطينيون في مناطق الحكم الذاتي بالضفة الغربية مواطنين أردنيين، في وقت تحتفظ إسرائيل بالسيادة على تلك المناطق.
وبدا أن لديه القليل من المقترحات العملية القابلة للتطبيق في ما يتعلق بإدارة عملية السلام، كما أنه لم يظهر بمستوى رجل دولة واضح المعالم من ناحية الحضور السياسي.
وأضاف أن لا شك في أنه سيكون مرشح "الليكود" ضمن سباق رئاسة الوزراء، لكنه لم يكُن متأكداً من هوية خصمه. ورجح أن تُحسم الانتخابات على أساس القضايا لا الشخصيات، خاتماً بالقول إنه إذا كانت هذه هي الحال، فسيحتاج إلى صياغة سياسات واضحة بسرعة إذا أراد بناء برنامج انتخابي قابل للفوز.
اندبندنت عربية