منى هيثم أبو حدايد - مصدر الإخبارية
تحت قماشٍ مهترئ لا يقي حرّ الصيف ولا برد الليل، يجلس الطفل محمد السوسي داخل خيمة ضيقة أنهكتها الحرب كما أنهكت ساكنيها. في زاويةٍ معتمة، يبدو جسده الصغير أكثر هشاشة من أن يحتمل كل هذا الوجع؛ عينان شاردتان، وحركاتٌ غير متزنة، وصرخاتٌ مفاجئة تمزق سكون الليل وتزرع الخوف في قلوب من حوله. هنا، لا ألعاب أطفال، ولا سرير دافئ، ولا غذاء يعيد لهذا الجسد المنهك شيئاً من قوته، بل معاناة يومية تتكرر في صمتٍ قاسٍ.
محمد السوسي، الطفل ذو العشرة أعوام، لا يعيش طفولته كبقية الأطفال، بل يخوض معركة ثقيلة مع المرض والجوع والفقر. فبحسب والدته، كان محمد يعاني من التوحد وبعض المخاوف، وكان بالكاد ينطق كلمات بسيطة، لكن الحرب سرقت ما تبقى من استقراره النفسي والجسدي. تقول والدته إن صدمة تعرض المدرسة التي كانوا نازحين بها للقصف غيّرت كل شيء، فمنذ تلك اللحظة فقد القدرة على الكلام، وبدأت نوبات التشنج تلاحقه بشكل متكرر، فيما أخذ وضعه الصحي بالتدهور يوماً بعد يوم.
وفي رحلة علاج شاقة، تتنقل والدته منذ شهرين إلى مستشفى الرنتيسي، حيث شخص الأطباء حالته بأنها تأخر عقلي حاد مصحوب بسوء تغذية شديد، إضافة إلى نوبات صرع وحركات لا إرادية متكررة. وتصف الأم معاناتها قائلة إن طفلها لا يدرك ما يحيط به، ولا يميز بين ما يؤكل وما لا يؤكل، حتى بات يضع أي شيء أمامه في فمه دون وعي أو استجابة.
لكن الألم لا يتوقف عند المرض فقط، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل الخيمة. فمحمد لا يستطيع السير أو حفظ توازنه، ما يضطر والدته لحمله على ذراعيها لمسافات طويلة أثناء الذهاب إلى المستشفى. أما الطعام، فليس سوى ما توفره “التكية”، في ظل عجزها الكامل عن تأمين الغذاء الصحي الذي يحتاجه طفلها من لحوم أو بيض أو مكملات غذائية تساعده على النجاة من سوء التغذية الذي ينهش جسده الصغير.
وفي ساعات الليل، تتحول الخيمة إلى مساحة خوفٍ إضافية، حيث تستيقظ شقيقاته مذعورات من صرخاته المفاجئة وحركاته غير المفهومة وسط الظلام. وتقول والدته إنها وبناتها يتكفلن بكل تفاصيل رعايته اليومية، من تبديل الحفاضات إلى تنظيفه وتحميمه، في وقتٍ تعجز فيه أحياناً حتى عن شرائها، فتضطر لاستعارتها. كما تناشد بتوفير كرسي متحرك يساعدها في نقله إلى المستشفى بدلاً من حمله المستمر بين الطرقات المدمرة.
ولا تقف الأعباء عند محمد وحده، فوالدته ترعى أيضاً شقيقاته الأيتام، لتجد نفسها وحيدة في مواجهة حياة أثقل من قدرتها على الاحتمال، بين مرض طفلها، وقسوة النزوح، وانعدام أبسط مقومات العيش الكريم.
وفي قطاعٍ أنهكته المجاعة، لم يعد الجوع مجرد شعورٍ عابر، بل تحول إلى خطر يفتك بالأجساد الصغيرة بصمت. فآلاف العائلات النازحة تعجز اليوم عن توفير وجبة متكاملة لأطفالها، فيما تتفاقم معاناة المرضى وسوء التغذية يوماً بعد يوم. وبين نقص الغذاء وغياب الرعاية الصحية، يصبح الأطفال الأكثر ضعفاً هم الضحية الأولى لهذه الكارثة الإنسانية المتواصلة.
قصة محمد ليست مجرد حكاية طفل مريض، بل صورة موجعة لأطفال أنهكتهم الحرب قبل أن يعرفوا معنى الحياة. وبين جدران الخيام المهترئة، يواصل هذا الجسد الهزيل إطلاق صرخته الصامتة، منتظراً يداً تمتد لإنقاذه قبل أن يبتلعه النسيان.